تيارات الإسلام الحركي و"الاستعلاء الديني"

تيارات الإسلام الحركي و"الاستعلاء الديني"

تيارات الإسلام الحركي و"الاستعلاء الديني"


24/09/2026

عمرو فاروق

تتجلى نظرية «الاستعلاء الديني»، في إطار الممارسة العملية لتيارات الإسلام الحركي، ابتداءً من المدارس السلفية والإخوان وجماعات العنف المسلح، على المستوى الفكري والحركي والتنظيمي، من واقع التعايش والتصادم مع الحواضن المجتمعية، أو من واقع القراءة لحالة الاقتتال بين الجماعات الأصولية المماثلة.

أبجديات الانتماء الفكري لتيارات الإسلام الحركي قائمة في ذاتها على مفهوم «الاصطفاء والاختيار»، تحت دعاوى الانخراط في العمل التنظيمي، بداية من مفاهيم حسن البنا التي حدّث عنها في رسائله ومذكرات «الدعوة والداعية»، والتي أصّلت لمبدأ «السمع والطاعة»، و«حتمية العمل الجماعي»، و«العصبة المؤمنة»، وفرضية «إقامة الخلافة»، ومن ورائه مفردات سيد قطب التي كرّست لمعاني الجاهلية، والحاكمية وحتمية المواجهة، وتكفير الأنظمة.

فيقول «قطب»: «وأعطاهم الاستعلاء الذي ينظرون به إلى قطعان البشرية الضالة في أرجاء الجاهلية المترامية الأطراف في الأرض فيحسون أن الله آتاهم ما لم يؤتِ أحداً من العالمين». في ظلال القرآن (1/ 145).

نقلت تيارات الإسلام الحركي الدين من مفهوم السلوك القيمي، إلى خانة «الإسلام الوظيفي»، المحمّل بفكرة الاستعلاء عن الدوائر المجتمعية المحيطة، إذ إن الانتماء التنظيمي يعيد تشكيل رؤية الأفراد تجاه المجتمع والدولة والآخر، في إطار المنهج التربوي والفكري والثقافي الذي يتلقاه دون أدنى مساحة من الاعتراض أو النقد، اعتقاداً بأن هذه الجماعة تمثل الصورة الأكثر نقاءً للدين، وأن الآخرين يقفون في درجات أدنى من الالتزام أو الفهم السليم لتطبيق الشريعة.

المنهجية المسيطرة على أدبيات التيارات السلفية وجماعة الإخوان وجماعة التكفير والهجرة وجماعة التوقف والتبين التيار القطبي والجماعة الإسلامية وتنظيمات الجهاد وداعش والقاعدة، قائمة على الطعن في إسلام الآخرين والتشكيك في إيمانهم، والتفتيش في ضمائرهم، إذ إنهم اتسقوا وتوحّدوا مع فكرة «ذاتية الدين»، هذه الذاتية مبنية على «جاهلية المجتمع»، التي صكّها «قطب» في مؤلفيه «في ظلال القرآن ومعالم في الطريق»، واعتبر في إطارها أن إيمان المجتمع ناقص، ما لم يكن متفقاً مع مبادئهم، ويسير على هواهم، ومن ثم التعارض بالنقد لرؤيتهم يمثل نقداً للدين أو مؤامرة عليه، وليس انتقاداً لأفكارهم وسلوكياتهم.

في اعتقادي أن تحليل التركيبة النفسية لشخصية حسن البنا وسيد قطب وشكري مصطفى وأبوبكر البغدادي وغيرهم من كهنة التكفير والعنف، يبرز نرجسيتهم المطلقة وسيطرة غرور التدين على انفعالاتهم، مع تبريرهم لثنائية الحاكمية والجاهلية التي كرّست مفهوم «الاستعلاء الديني» لديهم ولدى شعورهم بحالة من «الاستحقاق» و«العصمة»، والانصهار في دور «حراس العقيدة»، ومراقبة معتنقيها.

وفق كتابات أبي الأعلى المودودي وسيد قطب، تحول مفهوم «الجاهلية» و«الحاكمية» إلى أداة لتبرير نظرية «الاستعلاء الإيماني»، من خلال توصيف الواقع الاجتماعي والسياسي، وتصنيف وتقسيم المجتمع والدولة وفق معيار ديني، وهو ما فتح الباب أمام تحويل الخلاف السياسي إلى أزمة عقائدية.

يقول قطب: «ليس لنا أن نكاري الجاهلية في شيء من تصوراتها، ولا في شيء من أوضاعها، ولا في شيء من تقاليدها، مهما اشتدّ الضغط علينا».

ويشرح قطب «الحاكمية» بقوله: «كل البشر الذين يعطون أنفسهم الحق في إصدار قوانين أو تشريعات، أو أي تنظيمات اجتماعية تُعد خروجاً من الحاكمية الإلهية إلى الحاكمية البشرية، وأصبح عنده أن البشر محكومون بقوانين غير قوانين الله -سبحانه وتعالى- وبأنظمة لا ترضى عنها شريعة الله، ولم يأذن بها الله، وبالتالي هذا المجتمع مجتمع مشرك وكافر ويعبد غير الله، لأن العبادة هي طاعة الله في حاكميته».

تكريس «تيارات الإسلام الحركي» لمفهوم «الفئة المؤمنة» وفق نظرية «الاستعلاء الديني»، لم يكن مجرد تصور وهمي، وإنما واقع عملي ترجمته أدبياتهم الفكرية والحركية، بداية من وضع مشروع اختراق الدولة ومؤسساتها وتطويعها لتصورات «أسلمة المجتمع»، مروراً ببناء الكيانات الموازية لصناعة «الدولة البديلة»، انتهاءً بتنفيذ «استراتيجية التغيير من أعلى»، واستهداف رأس الدولة أو رموزها المدنية والعسكرية.

في سياق نظرية «الاستعلاء الديني»، لم تتعامل تيارات الإسلام الحركي مع الدين باعتباره مجالاً مفتوحاً للتعدّد والاجتهاد، وإنما سعت إلى تقديم ذاتها باعتبارها الممثل الأحق للحقيقة الدينية، وصولاً إلى استدعاء مفهوم «الفرقة الناجية»، باعتباره أساساً للتميّز عن الآخرين. ومع ترسيخ هذه الرؤية، لم يعد الدين وفق الخطاب الحركي غاية أخلاقية وروحية، وإنما تحول إلى أيديولوجيا لبناء النفوذ وتحقيق التمكين وإدارة الصراع والوصول إلى السلطة، ومن ثم أُعيد تعريف الإيمان وفق معيار الانتماء والولاء التنظيمي، بينما جرى تهميش البعد الإنساني والأخلاقي للعقيدة.

الوطن




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية