تصعيد أوروبي ضد الدور التركي في ليبيا.. ما علاقة غاز المتوسط؟

تصعيد أوروبي ضد الدور التركي في ليبيا.. ما علاقة غاز المتوسط؟

مشاهدة

10/08/2020

تتوجّه 3 دول أوروبية هي "ألمانيا وفرنسا وإيطاليا" إلى صياغة قرار لتوقيع عقوبات على 3 شركات انتهكت قرار حظر تصدير الأسلحة إلى ليبيا، من بينها شركة تركية، في وقت تتصاعد فيه التوترات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا بسبب اليونان. 

ويُعدّ كلٌّ من ملفّ ليبيا والتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط محوري التوترات الرئيسية بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي، علماً بأنّ تلك الدول، وإن كانت لا تقف على مسافة واحدة من أنقرة، حيث تتقدمهم باريس في المواجهة، فإنّ تراصّهم خلف اليونان، الدولة الشريكة في الاتحاد الأوروبي، وكذلك حلف الناتو التي تُعدّ تركيا أحد أعضائه، غير مشكوك فيه. 

القوات المسلحة اليونانية في حالة تأهب قصوى قبيل بدء تركيا عمليات بحث واستكشاف عن مكامن الغاز في شرق المتوسط

ومن ثمّ، فإنّ التحرك على أيٍّ من المحورين، يلقي بآثاره على المحور الآخر، لذا فإنّ إعلان الدول الثلاث، بحسب وكالة الأنباء الألمانية، عن توجههم لفرض عقوبات على شركة تركية بخصوص ليبيا، لا ينفصل عن إعلان تركيا قبل أيام عن معاودتها التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط. 

ويُعدّ الإعلان التركي تراجعاً عن اتفاق ضمني على التهدئة بين تركيا واليونان، توسّطت فيه ألمانيا وإسبانيا الشهر الماضي، بعدما أعلنت تركيا وقتها عن نيتها إجراء مسح سيزمي في الفترة بين 21 تموز (يوليو) الماضي إلى 2 آب (أغسطس) الجاري، ما استدعى استنفاراً يونانياً آنذاك.

وأبدت كلٌّ من تركيا واليونان استعداداً للنقاش حول القضايا العالقة، غير أنّ اتفاقاً بين مصر واليونان لترسيم الحدود البحرية في 6 آب (أغسطس) الجاري، أثار جنون تركيا، حيث خرج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تصريحات متلفزة، يهاجم الاتفاقية ويصفها بغير ذات القيمة، ويعلن عن معاودة التنقيب عن الغاز في المتوسط، واصفاً اليونان بأنها دولة "غير جديرة بالثقة". 

اقرأ أيضاً: كورونا تجتاح ليبيا... ما الذي تحاول حكومة الوفاق إخفاءه؟

من جانبه اعتبر وزير خارجية الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، أنّ تحركات البحرية التركية في المتوسط، بعد توقيع اتفاق بحري بين مصر واليونان، "تبعث على القلق الشديد".

وقال بوريل في بيان أمس، بحسب ما أورده موقع أحوال تركية: إنّ "التعبئة البحرية الأخيرة في شرق المتوسط تبعث على القلق الشديد"، مضيفاً أنها "ستؤدي إلى زيادة الخلاف وانعدام الثقة.

وزير خارجية الاتحاد الأوروبي اعتبر أنّ تحركات البحرية التركية في المتوسط، بعد توقيع اتفاق بحري بين مصر واليونان، تبعث على القلق الشديد

وفي إطار استمرار التصعيد، أصدرت البحرية التركية اليوم إخطاراً ملاحياً قالت فيه: إنّ السفينة التركية "عروج ريس" ستجري عمليات مسح زلزالي في شرق البحر المتوسط خلال الأسبوعين المقبلين، وأفاد مراسل أنباء الأناضول أنّ السفينة ستبحر قبالة جزيرة قبرص لتستأنف أنشطة التنقيب شرق المتوسط، برفقة سفينتي "أتامان" و"جنغيز خان"، بتاريخ 23 آب (أغسطس) الجاري.

ومن جانبها أعلنت اليونان حالة التأهب، إذ نقلت وكالة "نوفا" أنّ القوات المسلحة اليونانية في حالة تأهب قصوى قبيل بدء تركيا عمليات بحث واستكشاف عن مكامن الغاز في شرق المتوسط. 

أوراق أوروبا 

وفيما تبدي تركيا تصعيداً في شرق المتوسط، من غير المتوقع أن يتعدى كونه تهديدات تتراجع عنها أنقرة فيما بعد، فإنّ صدور قرار أوروبي بتوقيع عقوبات على شركة تركية على خلفية خرق قرار حظر تصدير السلاح إلى ليبيا، سيضع أنقرة في موقف صعب.

ويقدّم القرار إثباتاً على الاتهامات التي توجّه إلى تركيا على مدار شهور بخرق قرار التسليح، فيما الأخيرة تتنصل منها، حيث سبق أن اتهمت فرنسا تركيا بالتحرّش بإحدى سفنها العسكرية من قبل سفينة تركية كانت تحمل السلاح لليبيا، غير أنّ الأخيرة نفت، بل طالبت باريس بالاعتذار عن "ادعاءاتها". 

ومن ثمّ، فإنّ القرار الأوروبي سيعني قوة إضافية لفرنسا التي تجمعها واليونان صراعات خفية ومعلنة مع تركيا. 

اقرأ أيضاً: حزب تركي معارض يصف ممارسات أردوغان في ليبيا بـ"الاحتلال"

ويتوقع الباحث في العلاقات الدولية، طارق دياب، أن يستمرّ التوتر بين تركيا وأوروبا لفترة. ويقول دياب لـ"حفريات" بخصوص أزمة تركيا واليونان شرق المتوسط: إنه في الوقت الذي تدعو فيه اليونان لترسيم حدودها مع كلّ دول شرق المتوسط، بما فيها تركيا بالاستناد لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، فإنّ تركيا ترفض الاستناد إليها.

 قيام اليونان بترسيم حدودها مع إيطاليا ومصر، عمّق من المأزق التركي في شرق المتوسط

ويوضح أنّ الاتفاقية تعطي لليونان الحقّ في امتلاك مساحات من المياه الاقتصادية الخالصة المطلة على الجزر التي أعطت اتفاقية لوزان لليونان حق السيادة عليها برغم قربها أكثر من تركيا، ما يؤدي لتحجيم مساحة الحدود البحرية التركية في مساحات صغيرة جداً.  ما زاد من التوتر هو قيام اليونان بترسيم حدودها مع إيطاليا ثمّ مصر، الأمر الذي عمّق من المأزق التركي في شرق المتوسط.

ويضيف: أمّا فرنسا، فالأزمة مختلفة تتعلق بطبيعة الأدوار الإقليمية التنافسية في منطقة الشرق الأوسط وشرق المتوسط وأفريقيا، حيث يدفع كلّ طرف نحو نقل الصراع لمناطق تمثل عمقاً استراتيجياً أو نفوذاً تاريخياً للطرف الآخر، بالنسبة إلى فرنسا، فقد لجأت إلى استخدام ملفي سوريا وشرق المتوسط، وهما المنطقتان الأهمّ في المنظور الاستراتيجي التركي، أمّا تركيا، فقد استخدمت ملف أفريقيا وعمّقت نفوذها فيه، وأحد دوافعها في ذلك هو إدارة توترها مع فرنسا التي تمثل أفريقيا إحدى أهمّ مناطق نفوذها التاريخية والحالية.

ويرى الباحث أنّ مستقبل العلاقات التركية الأوروبية يتوقف على 4 محددات: المحدد الأوّل: علاقاتها مع اليونان، ومدى قدرتهما على حسم خلافاتهما في شرق المتوسط، قائلاً إنّ اتفاقيات الترسيم الأخيرة لا تعدو كونها تكتيكاً ومناورة بين دول شرق المتوسط، ففي تقديري أنه لا وصول لشكل نهائي لترسيم الحدود البحرية بين جميع دول المنطقة إلا بالتفاهمات السياسية الجماعية بين كلّ الأطراف، خاصة مع قدرة كلّ منهما على إفشال مشاريع أنابيب الغاز في تلك المنطقة، إذا لم تؤخذ مصالحه في الحسبان.

طارق دياب: اليونان تدعو لترسيم حدودها مع دول شرق المتوسط، بما فيها تركيا بالاستناد لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار

وحول سبل الإفشال وما إذا كانت عسكرية، قال دياب: ربما ولكن ذلك آخر مرحلة، فثمّة طرق لعرقلة إقامتها من البداية.

وتابع الباحث: أمّا المحدد الثاني في علاقات تركيا مع أوروبا، فهو فرنسا وقدرة الطرفين على التوصل لصيغة تفاهمات سياسية جامعة لكلّ الملفات الخلافية بينهما، وثالثاً: الدور الألماني وقدرته على القيام بدور الوساطة، بالأخصّ بين تركيا واليونان، وأخيراً: الدور الأمريكي، ومعه حلف الناتو، والذي سيبرز دوره بشكل أكبر بعد انتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2020.  

واختتم بتوقّع استمرار التوتر في العلاقات التركية مع اليونان وفرنسا في المدى القصير على الأقل، في ظلّ تشابك وتعقّد ملفاتهما الخلافية المتعدّدة.

الصفحة الرئيسية