تركيا وتدخلاتها في العراق... ما هي أدوات أنقرة الفاعلة في بغداد؟

تركيا وتدخلاتها في العراق... ما هي أدوات أنقرة الفاعلة في بغداد؟

مشاهدة

15/06/2020

لم تختلف تركيا عن إيران، الطامعة كلّ يوم في توسيع نفوذها السياسي والأمني داخل العراق، الذي بات مسرحاً لمختلف اللاعبين الدوليين منذ سقوط النظام السابق، عام 2003؛ إذ تطمح أنقرة، ومنذ أعوام، في أن تكون لاعباً مهماً في المشهد السياسي العراقي، عبر تحكّمها بلغة الخطاب القومي الداعم لتركمان العراق، القومية العراقية الثالثة بعد قوميتَي العرب والكرد؛ حيث ترى أنّ هذه القومية تعيش مظلومية في نيل استحقاقاتها من نظام المحاصصة الإثنية والطائفية في البلاد.

الجبهة التركمانية العراقية هي الجهة السياسية المقربة من أنقرة التي ترى في التركمان قوميتها التي يجب الدفاع عنها

النفوذ التركي، في محافظتي الموصل وكركوك العراقيتَين، يتصاعد كلّما نشب خلاف سياسي أو هزة أمنيّة في إحدى المدينتَين، الحاضنتَين للتنوّع المذهبي والقومي؛ إذ تذكّر السلطة التركية بـ "سياسة العثمنة"، وأحقيّتها بالمساهمة في إدارة أجزاء مهمة من شمال العراق، لارتباطها التأريخي مع تلك المدن الضاجة بالاحتراب، فضلاً عن مزاعم الحفاظ على أمنها القومي في أماكن تواجد وإقامة حزب العمال الكردستاني المعارض لسلطتها.
حاولت تركيا، ممثلة بسلطة الرئيس رجب طيب أردوغان، إثارة أكثر من أزمة مع العراق، لا سيما في الجوانب الأمنيّة والاقتصادية والثروات الطبيعية، وما يتعلق منها بأزمة المياه بين البلدين.

اقرأ أيضاً: ما الفصائل المتمردة على تحالف السلطة في العراق؟

عقد ونصف العقد يمضي من العلاقات بين بغداد وأنقرة، دون التوصل لأيّة حلولٍ مرضية لكلا الطرفين، كأنّ اللاعب التركي يمارس خطّة نظيره الإيراني على الساحة العراقية، وإن اختلفت الزوايا والمساحات لكلّ منهما.

أعضاء ونواب الجبهة التركمانية العراقية في مؤتمر صحفي عام

الارتباط الحزبي العراقي بتركيا

بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق، عام 2003، باتت عدّة أحزاب عراقية مشاركة في العملية السياسية، ولها ميول خارجية، لا سيما تلك القائمة على أساس طائفي وقومي؛ الأحزاب التركمانية التابعة للمكوّن التركماني العراقي اتّخذت من أنقرة عاصمةً لقرارها السياسي داخل العراق، لاعتبارات قومية بامتياز.

دائرة حزبية في حزب أردوغان يديرها ساسة تركمان عراقيون لمقايضة اللاجئ العراقي داخل تركيا

ويقول المحلل السياسي أحمد المانع لـ "حفريات": "الجبهة التركمانية المكونة من خمسة أحزاب سياسية، هي الممثل الرئيس للمكون التركماني في العراق، على المستوى السياسي والتشريعي والحكومي"، مبيناً أنّ "هذه الجبهة المقربة من تركيا، تنتصر في كلّ دورة انتخابية في مناطق نفوذ التركمان، لا سيما في محافظتَي الموصل وكركوك الشماليتين، وتمتلك نحو 10 مقاعد داخل البرلمان الاتحادي". 

وعن الارتباط السياسي للجبهة التركمانية بالحكومة التركية، يوضح المانع؛ "الجبهة ترى في ذلك نوعاً من الحلف السياسي بينها وبين تركيا، وذلك على أساس الروابط القومية المشتركة بينهما"، لافتاً إلى أنّ "الساسة التركمانيين في العراق، يرون أنّ هذا الارتباط طبيعي، نتيجة ارتباطات سياسية لقوى عراقية أخرى مع إيران وأمريكا وبعض الدول العربية".

استعداد عسكري لسرية من فصيل حرس نينوى في شمال العراق

ساسة عراقيون في حزب أردوغان
في تركيا نحو مليون عراقي يرومون اللجوء إلى الدول الأوروبية، عبر نافذة بعثة الأمم المتحدة هناك، وتتراوح مدة الإقامة بين 3 إلى 7 أعوام، لعلّ اللاجئ العراقي يحظى بمكالمة مفاجئة من المكتب الأممي، تؤكّد له موعد سفره إلى البلد الأوروبي المحدّد له.

زاحمت تركيا إيران داخل الحشد الشعبي، وأسست حشد حرس نينوى داخل مناطق نفوذها الشمالية من العراق

الإقامة والعمل في تركيا بحاجة إلى وساطة من قبل شخصياتٍ نافذةٍ هناك، ولحزب العدالة والتنمية الحاكم، دائرة حزبية يقودها ساسة تركمان عراقيون، ويستهدف عمل الدائرة شريحة اللاجئين المقيمين على الأراضي التركية.

المطالبات العراقية بتسهيل إجراءات الإقامة والعمل في تركيا، تقابلها طلبات حزبية للعمل لصالح الحزب، ويوضح لاجئ عراقي مقيم في مدينة يلوا التركية؛ أنّ "من بين هذه الطلبات هو العمل الاستخباري والأمني لديمومة السلطة الحزبية في أماكن التواجد داخل المدن التركية".

ويضيف اللاجئ، الذي رفض الكشف عن اسمه، لـ "حفريات": "هذه النوعية من الطلبات لا تحصل إلا من قبل ساسة عراقيين تركمان، يعملون داخل المنظومة الحزبية في تركيا"، مبيناً أنّ "نوعية الاختيار هي لشريحة التركمان المقيمين أو المنتظرين للجوء في مختلف المناطق التركية".

أثيل النجيفي يتوسط ضباطاً في فصيل حرس نينوى بمؤتمر صحفي بمدينة الموصل

التدخل الإقليمي في العراق
بعد إيران، تمثل تركيا الجارة الإقليمية الثانية للعراق، ولهذه الجارة تدخلات، بحسب ممكناتها السياسية والأمنية، ضمن الجغرافيا العراقية المثيرة دوماً للانقسام، فقد تغلغلت سلطة أردوغان، خلال الـ 16 عاماً الماضية، في محافظتَين عراقيتَين، حيث يتمركز المكوّن التركماني.

اقرأ أيضاً: بعد قرار الانسحاب.. هل خان مقتدى الصدر المحتجين العراقيين لصالح إيران؟

وعن نوعية التمركز التركي، يشير لؤي الفارس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الموصل، إلى أنّ "تركيا تعمل بعقل ذي مطامح تأريخية مع مختلف دول جوارها، لا سيما العراق"، مبيناً أنّه "رغم مرور سبعين عاماً على توقيع تركيا اتفاقية بشأن تبعية الموصل للسيادة العراقية، إلّا أنّها ما تزال موضع جذب لأنقرة في اتجاه اعتبارها منطقة انتزعت منها رغماً عنها".

اقرأ أيضاً: حالة مرضية في العراق

ويضيف لـ "حفريات": "احتلال مدينة الموصل، ومناطق من مدينة كركوك، من قبل تنظيم داعش الإرهابي، وضع تركيا أمام مفترق طرق؛ إما الابتعاد والانزواء، والدفاع عن أمنها بنفسها، أو المشاركة في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية"، لافتاً إلى أنّ "هذا ما أكّده دخول القوات التركية إلى منطقة بعشيقة الموصلية، في كانون الثاني (يناير) 2016، حيث كان المبرر التركي لدخولها هو تدريب مجموعات عراقية لمواجهة تنظيم داعش".

قوات من حرس نينوى ضمن مقاطعة أمنية في مدينة الموصل العراقية

مزاحمة إيران داخل الحشد الشعبي
ترتبط معظم الفصائل المسلّحة المنضوية تحت الحشد الشعبي العراقي بفيلق القدس الإيراني، خصوصاً تلك المؤمنة بولاية الفقيه؛ لذلك تخضع أغلب تلك الفصائل إلى رعاية إيرانية داخل العراق، وهو ما حاولت فعله تركيا ذاته، عبر رعايتها لفصيل عراقي مسلّح، وهو "حرس نينوى"، التابع لمحافظ الموصل الأسبق أثيل النجيفي.

ويرتبط أثيل النجيفي، وشقيقه الزعيم السنّي أسامه النجيفي، بعلاقات متينة مع سلطة القرار التركي، لكنّ هذه العلاقة لا تصل إلى مستوى العلاقة العضوية بين الجبهة التركمانية وأنقرة.

اقرأ أيضاً: هل سلّمت الولايات المتحدة العراقَ إلى إيران؟

ويؤكّد قاسم أحمد أوغلو، صحفي تركماني عراقي؛ أنّ "تركيا حاولت مساعدة العراق في حربهِ ضدّ داعش، عبر دعم فصيل حرس نينوى بالمال والسلاح، لتحرير مدينة الموصل إلى جانب القوات الرسمية الأخرى"، لافتاً إلى أنّ "هذا الفصيل لقي معارضة من قبل الفصائل المدعومة من طهران، نتيجة المطالبة بدمجهِ ضمن الحشد الشعبي، ليحظى بشرعية رسمية عراقية".

ويضيف لـ "حفريات": "هذا الفصيل يضمّ مقاتلين من أبناء مدينة نينوى، ويخضع لزعامة القيادي السنّي والمحافظ الأسبق، أثيل النجيفي"، مؤكداً أنّ "المنافسة على القرار السياسي والأمني من قبل دول الجوار، وتحديداً إيران، تمنع تركيا وغيرها من بسط نفوذها على الداخل العراقي".

مدينة كركوك حيث منطقة النفوذ التركي في المحافظة الشمالية القريبة من إقليم كردستان العراق

الموقف من كردستان العراق
يحاول الإعلام الكردي في إقليم كردستان العراق تأكيد العلاقة الإيجابية بين حكومتَي الإقليم وتركيا، لكنّ الأخيرة دائماً ما تلوح بالانفلات الأمني من جانب الجار الشمالي لها، لاحتضانهِ حزب العمال الكردستاني المعارض لتركيا.

عشرة مليارات دولار حجم التبادل الاقتصادي بين العراق وتركيا عبر كردستان، والكرد يشكون من نبرة التهديدات التركية لهم

زيارات الساسة من عائلة البارزاني الكردية الحاكمة في كردستان إلى تركيا، لم تشفع لتخفيف النبرة القومية المعادية في الخطاب، الرسمي والإعلامي، التركي، تجاه كردستان؛ حيث تؤكد سلطة الرئيس أردوغان أنّ مناطق الإقليم الكردستاني، مصدراً للهجمات "الإرهابية" على بلاده، بحسب ما يؤكده صحفيون كرد لـ "حفريات".

ويقول سامان خوشناو، صحفي كردي؛ إنّ "المنافذ الحدودية بين كردستان وتركيا، مصدر ازدهار اقتصادي للأخيرة؛ حيث تصدّر نحو 10 مليارات دولار سنوياً إلى العراق عبر ممرات الإقليم الحدودية"، مبيناً أنّ "السلطة التركية ترفض الاعتراف بالخطوات الإيجابية للكرد العراقيين تجاهها".

وعن تواجد العمال الكردستاني التركي في الإقليم العراقي، يوضح خوشناو؛ أنّ "هذا التواجد هو تواجد غير معترف به من قبل حكومة إقليم كردستان، وهم يقطنون الجبال المحاذية بين العراق وتركيا؛ أي ليسوا على الأراضي الخاضعة لسلطة الإقليم وحده".

الصفحة الرئيسية