بعد قرار الانسحاب.. هل خان مقتدى الصدر المحتجين العراقيين لصالح إيران؟

العراق

بعد قرار الانسحاب.. هل خان مقتدى الصدر المحتجين العراقيين لصالح إيران؟

مشاهدة

27/01/2020

يمرّ الحراك الشعبي العراقي، المشتعل منذ تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، بحالة انقسام شديدة بين متظاهريه، نتيجة انسحاب التيار الصدري (التيار الأكثر شعبية في العراق)، من ساحات الاحتجاج، بناءً على طلب زعيمه مقتدى الصدر، المتهم "بعقد صفقة سياسية" مع الجانب الإيراني لتسوية ملف الحكومة الجديدة، والتي ستكون له فيها "حصة الأسد"، فيما راح المتظاهرون من خارج التيار، ينددون بانسحاب الصدريين المساندين لهم، وإجلائهم لخيمِ اعتصامتهم من ساحة التحرير وسط بغداد، وسائر المحافظات وسط وجنوب العراق.

اقرأ أيضاً: هل نجح الصدر في اختراق الحراك العراقي؟

وردّد الشباب المتظاهر شعاراتٍ نالت من رمزية الصدر، فضلاً عن تصاعد النقد اللاذع له عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المحلية.

وكان زعيم التيار الصدري، قد وجّه، أول من أمس، عتباً شديداً إلى متظاهري "التحرير"، بعدما اتهموه بـ "الخيانة"، جراء مشاركة تياره في تظاهرات الفصائل الموالية لإيران، يوم الجمعة الماضي، المطالبة بإنهاء التواجد الأمريكي في العراق، احتجاجاً على الضربة الأمريكية التي أدّت إلى مقتل قاسم سليماني وأبومهدي المهندس، وطالب الصدر أنصاره بمغادرة ساحات الاحتجاج، ما سبّب حالة من الفوضى الشعبية داخل الحراك. 

اتهامات تطال الصدر بالعودة إلى الحاضنة الإيرانية والتحالف مجدداً مع زعيم تحالف الفتح هادي العامري

الصدر لمتظاهري "التحرير": أنتم مخترقون
ونتيجة للتصعيد الاحتجاجي ضدّه؛ وجّه مقتدى الصدر رسالةً ثانية دعا فيها المتظاهرين إلى "وضع حدّ للاختراقات السياسية الفاسدة لتظاهراتهم".

مقتضى الصدر يبرّر انسحابه من التظاهرات في بلاده باختراقها من قبل الأحزاب "الفاسدة" ويطالب المتظاهرين بـ "تنقيتها"

وخاطب الصدر المحتجين قائلاً: "الإصلاح الشعبي أمر لا بدّ منه وخصوصاً مع تمادي أغلب السياسيين حتى هذه اللحظة، إلا أنّ جلّ ما اهتم به اليوم هو سمعة الثوار الوطنيين، لا سيما أنّ الفساد لا يُدرأ بفساد مثله"، مبيناً أنّ "المهم جلّ المهم، عدم انحراف الثورة من قبل بعض المندسين أصحاب الأجندات الخارجية المشبوهة".

وأكّد في بيانٍ له أنّ "هناك اختراقاً واضحاً من بعض الجهات السياسية الفاسدة للاعتصامات، فلا بدّ من وضع حدّ فوري لذلك"، منبهاً إلى أنّ "التجاوزات الشرعية والاجتماعية لا تعني الحرية؛ بل لا بدّ من طرد كلّ المسيئين بهذا الخصوص".

وبخصوص العلاقة مع إيران، أوضح أنّ "إعلان العداء لكافة دول الجوار بهذه الصورة أمر غير مقبول، رغم أني وإياكم اختلف معهم في الكثير من سياساتهم وتعاملاتهم مع العراق، إلا أنّ العداء لهم لا يصبّ في مصلحة بلدنا، بل نحتاج إلى عمل سياسي نزيه للتعامل معهم، يحفظ للعراق سيادته واستقلال قراره".

"مقتدى لا يمثّل الثورة"
بمجرد مغادرة الصدريين لساحات التظاهر، في بغداد وباقي المحافظات المحتجة، طالت زعيم التيار الصدري حملة انتقاد حادة وصلت حدّ التقليل من شخصهِ ومواقفهِ السياسية، فيما غرّد الكثير الشباب، عبر السوشيال ميديا، تحت هاشتاغ "مقتدى_لا_يمثل_الثورة".

اقرأ أيضاً: نصرالله يقود بإشراف إيراني مصالحة بين الصدر والفصائل الشيعية

وعن ذلك، يقول الناشط المدني لطيف الزيني: "التيار الصدري، بزعيمهِ، أسقط نفسه بنفسه، حينما خان ساحات الاحتجاج، بعد أن عقد حلفاً وطنياً معهم، وأقسم بدماء الشهداء على مواصلة الثورة ضدّ الفاسدين والعملاء داخل السلطة الحالية"، مبيناً أنّ "الصدر تصرّف وفق مزاجه ومصالحه السياسية، لا وفق مصلحة البلاد".

 

 

ويضيف لـ "حفريات": "من حقّ الشباب أن يهاجموا الصدر، لأنّه خذلهم، وكشف ظهورهم لمرمى القناصين ونيران الطرف الثالث المجهول"، مؤكداً أنّ "الصدريين أعادوا تحالفاتهم الطائفية مجدداً، لنيل مكاسب جديدة". 

أما المتظاهر جبار اللامي، فقد علّق على تصرفات الصدر، قائلاً: "الدعوة إلى التظاهر ضدّ القوات الأمريكية خلطت الأوراق وأجبرت المحتجين على الحدّ من مطالبهم في تغيير النظام السياسي، حتى لا يتهموا بالخيانة.. يبدو أنّ سماحة السيد استبدل المتظاهرين بإيران".

النيران تعاود مجدداً
بعد الهدوء النسبي الذي دام نحو شهرٍ كامل، عادت مظاهر العنف من الجانب الحكومي صوب المحتجين في مختلف المدن العراقية، لا سيما العاصمة بغداد ومحافظة البصرة، جنوب البلاد، وتعرضت ساحتا التحرير والخلاني، وسط العاصمة، لإطلاق عيارات نارية، وما يسمى بـ "الدخانيات"، ما أدّى إلى وقوع عدد من الجرحى، ومقتل متظاهر واحد على الأقل.

نقد جماهيري لاذع يواجه مقتضى الصدر بعد قرار انسحابه من التظاهرات.. ومواقع التواصل الاجتماعي تضجّ بتأنيبه ومهاجمته

ويسرد محمد الفلاحي، المعتصم في حديقة الأمة بساحة التحرير، مشهد الاعتداءات الأمنية قائلاً: "أعداد المتظاهرين ارتفع بعد انسحاب التيار الصدري، حيث أقدم جمع غفير من الطلبة والكسبة وأعضاء النقابات لساحتنا"، وأضاف لـ "حفريات": "القوات الأمنية أغلقت ساحة الخلاني المجاورة، لكنّ إصرار شبابنا على السير نحوها، جعل الرصاص الحي والغازات المسيلة للدموع أولى الأدوات الأمنية".

في حين هاجمت ما يسمى بـ "قوات الصدمة" ساحات الاحتجاج وسط محافظة البصرة، وأحرقت الكثير من خيم الاعتصامِ هناك.

حازم حسين، متظاهر بصري، كشف لـ "حفريات" هوية "قوات الصدمة"، وقال: "هذه القوات هي لفيف من منتسبي الميليشيات التابعة للسلطة، تمّت شرعنتها بحجة مكافحة الانحراف والشغب في المحافظة"، منوهاً إلى أنّ "وظيفة هذه القوات هي محاربة المتظاهرين وقتل تظاهراتهم بمختلف الوسائل والطرق".

انقسام صدري خجول

وفي السياق ذاته، حاول جمع من الشباب الصدري المحتج بثّ رسائل إخوانية لعلّها تردم الفجوة التي أحدثها زعيمهم، بينهم وبين الآخرين في مختلف الساحات.

وكتب الناشط الصدري، معد الدراجي، على صفحته في فيسبوك: "أنا معكم، يا متظاهري التحرير، المعاناة واحدة، القساوة التي واجهناها واحدة، لعن الله السياسة التي تحاول تفرقتنا، نحن نسير في خطّ مصيري واحد، لن نحيد عنه أبداً".

اقرأ أيضاً: الصدر "العربي" في عباءة إيرانية

لكنّ المفاجأة، كانت في تغريدة القيادي الصدري، الشيخ أسعد الناصري، الذي دعا إلى مواصلة التظاهر، في دعوة مخالفة لزعيمه، مقتدى الصدر، ما جعل الأخير يصدر بياناً بحقه مطالباً إياه بخلع عمامته الدينية.

الناصري بدوره أجاب الصدر، وكتب في تغريده له على تويتر: "سأخلع العمامة حباً بالعراق والناصرية والثائرين، أنا مع العراقيين، كنت وما أزال وسأبقى.. أرجو الاستعجال في تصفيتي لأنني اشتقت إلى الشهداء"؛ في إشارة منه إلى توقّع مقتلهِ بأيةِ لحظة.

من جهته، طالب سلام الحسيني، وهو ناشط صدري، بعدم نسيان مواقف الصدريين، وقال: "الجهة الوحيدة التي لم تتلطخ يدها بدماء تشرين هي التيار الصدري، بل إنّ دماءها كانت سائلة كما لو كانت ماءً سبيلاً منذ الأول من تشرين".

القيادي الصدري أسعد الناصري (يسار) يتمرد على قرار زعيمه ويدعو للتظاهر

السيستاني المظلة الوحيدة للمحتجين
يبدو أنّ المرجعية الدينية الشيعية، هي الغطاء الوحيد الذي بات يلتحف به المتظاهرون خشية البطش الحكومي وجماعات تحالفها السياسي المسلح؛ حيث حذّر آية الله علي السيستاني "الأفرقاء السياسيين من المخاطر التي تحيط بالبلد".

بعيد الانسحاب الصدري من ساحات التظاهر... نيران الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع تعود مجدداً

وقال ممثله، أحمد الصافي، في كربلاء: "تشكيل الحكومة الجديدة قد تأخر طويلاً عن المدة المحددة له دستورياً، فمن الضروري أن تتعاون مختلف الأطراف المعنية لإنهاء هذا الملف وفق الأسس التي أشير إليها من قبل، فهذه خطوة مهمة في طريق حلّ الأزمة الراهنة".
وأضاف: "المرجعية الدينية تدعو مرة أخرى جميع الفرقاء العراقيين إلى أن يدركوا حجم المخاطر التي تحيط بوطنهم في هذه المرحلة العصيبة، وأن يجمعوا أمرهم على موقف موحّد من القضايا الرئيسة والتحديات المصيرية التي يواجهونها، مراعين في ذلك المصلحة العليا للشعب العراقي، حاضراً ومستقبلاً، والله ولي التوفيق".
وفيما يتعلق برأي المرجعية أعلاه، يقول أسامة الساعدي، محلل السياسي، لـ "حفريات": "مرجعية السيستاني هي الغطاء الشرعي الوحيد الحامي للتظاهرات"، لافتاً إلى أنّ "الإسلام السياسي الحاكم، يرى في المرجعية عقبة أمام محاولة الانقضاض أو تخوين المحتجين".

الصفحة الرئيسية