بين الركام والخيام.. أطفال غزة تائهون في العام الجديد

بين الركام والخيام.. أطفال غزة تائهون في العام جديد

بين الركام والخيام.. أطفال غزة تائهون في العام الجديد


11/01/2026

مع بداية عام جديد، لا تدخل الساعات الأولى على أطفال غزة محملة بالهدايا ولا بالوعود الكبيرة، بل تدخل متعثرة بين الركام، وتمر على خيام مؤقتة لا تقي برد الشتاء ولا تحفظ خصوصية الطفولة، وتستقر في عيون صغيرة تعلمت أن تختصر أحلامها إلى الحد الأدنى من الأمان والدفء.

ووفقاً لتقييم صادر عن  مكتب الأمم المتحدة المعني بتنسيق الشؤون الإنسانية فإنّ ( (9 من كل (10) أطفال في غزة يُظهرون علامات سلوك عدواني مرتبطة بأكثر من عامين من الحرب في القطاع.

وبحسب التقييم، أظهر 93 %  من الأطفال سلوكاً عدوانياً، وكان 90 % منهم عنيفين تجاه الأطفال الأصغر سناً، ويكاد يكون الحزن والانعزال بالقدر نفسه من الشيوع (86 %) إلى جانب اضطرابات النوم (79 %) ورفض الدراسة على نطاق واسع (69 %). 

وحذّر تقرير صادر عن جامعة كامبريدج من خطر جسيم يواجه الأطفال في قطاع غزة، متمثلاً في ظهور "جيل ضائع" نتيجة التراكم المدمر للآثار التعليمية والنفسية والجسدية الناجمة عن أكثر من عامين من العدوان الإسرائيلي المتكرر.

وبحسب التقرير، الذي اعتمد على بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فإنّ الأطفال في غزة سيفقدون ما يعادل (5) سنوات دراسية بسبب الإغلاقات المتكررة للمدارس منذ عام 2020، أوّلاً بسبب جائحة كوفيد-19، ثم نتيجة العدوان الإسرائيلي في تشرين الأول (أكتوبر) 2023، وأنّ تأثير هذه الأزمات لا يقتصر على التعليم فحسب، بل يمتد إلى الصحة النفسية والجسدية للأطفال، خاصة مع استمرار نقص الغذاء وتدهور الخدمات الأساسية.

ولفتت الدراسة إلى أنّ إمكانية حصول الأطفال على التعليم تلعب دوراً محورياً في الحفاظ على صحتهم النفسية، وأنّ سوء التغذية يقوض فرصهم في المشاركة بالأنشطة التعليمية الأساسية.

وأشار التقرير إلى أنّ إسرائيل لم تدمر نظام الصحة في غزة فحسب، بل استهدفت أيضاً النظام التعليمي، وقد وصفه التقرير بـ "شكل جديد من أشكال الحرب يهدف إلى تقويض مستقبل الأطفال".

أحلام طفل في زمن القسوة

في أحد مخيمات النزوح بحي الزيتون شرق مدينة غزة، حيث تصطف الخيام على أرض موحلة، يجلس الطفل آدم عدوان (14 عاماً)، الذي يعيش مع أسرته في خيمة منذ أشهر بعيداً عن منزله المدمر، على قطعة إسفنج مهترئة، ويحدق في الفراغ قبل أن يبدأ حديثه ويقول: "كان لدينا بيت مكون من طابقين، وكانت غرفتي تطل على شجرة ليمون، وعندما حصل القصف، خرجنا بسرعة، ولم أستطع جلب ملابسي أو حتى كتبي الدراسية." 

ويصمت عدوان قليلاً، ثم يضيف بصوت منخفض: "البيت الآن ركام، لكنني أحياناً أشتاق لجدران المنزل وغرفتي أكثر من أيّ شيء." 

ويتابع: "أستيقظ باكراً كل صباح، وأذهب مع والدتي لإحضار المياه، ومن ثم أذهب لجمع الحطب وقطع النايلون من الأراضى الزراعية المجاورة لطهو الطعام." 

ولا يعرف عدوان النوم الطويل ولا رفاهية الاستيقاظ على صوت المنبه، فالماء والطعام هنا ليس أمراً بديهياً، بل معركة يومية.

ويكمل عدوان: "بعد جلب الماء، أحاول وأصدقائي لعب كرة القدم في طرقات ضيقة وخراب تلو الآخر، فلا توجد مساحات  أو ملاعب لممارسة هوايتنا." 

وعن النوم يضيف: "أكثر شيء يخيفني هو الصوت، فأيّ صوت مرتفع يحدث أعتقد أنّه قصف، وأحياناً أحلم أنني رجعت إلى غرفتي، وأستيقظ وأجد نفسي داخل الخيمة." 

ويقول وهو ينظر إلى الأرض بحزن: "أتناول وعائلتي وجبتين فقط خلال اليوم، في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، ومع ذلك، لم يخفف الجوع من أحلامه الصغيرة الكبيرة".

ويؤكد عدوان: "رغم كل شيء، أحلم بأن أصبح طبيباً، أساعد المرضى الذين لا يستطيعون الذهاب إلى المستشفى، وأحلم أن ألعب كرة القدم مع أصدقائي في ملعب كبير دون خوف من القصف." 

أحلام خلف الخيمة

في خيمة تتمايل أطرافها مع الرياح في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، تعيش الطفلة ليان صافي (13 عاماً)، فصلاً قاسياً من طفولتها، وتستقبل عاماً جديداً بأمنيات لا تشبه أمنيات الأطفال في أيّ مكان آخر.

بدأت صافي حديثها بلا تردد، كأنّها وجدت في الكلام نافذة تطل من خلالها على ما فقدته، وقالت: "كان لدي فستان وردي أرتديه في المناسبات، لكن بعد تدمير منزلنا جراء القصف الإسرائيلي، لم يعد لي سوى الملابس التي أرتديها الآن." 

داخل الخيمة، تلعب الطفلة صافي دوراً يفوق سنها، فهي تساعد والدتها في طهو الطعام، وتعتني بأخيها الصغير، وتقول بفخر: "أنا أحميه حين يشعر بالخوف، رغم أنني أخفي خوفي حينما يحدث قصف بالقرب من خيمتنا." 

وتحاول صافي أن تبدو قوية، لكنّ نبرة صوتها تكشف هشاشة الطفولة حين تجبر على النضج المبكر، وتؤكد: "الخيمة ليست منزلاً، فهي بلا باب، ويسمعنا كل من حولنا، وتتسلل إلينا الأصوات من كل جانب." 

وتتابع: "في الليل عندما تمطر تتسرب المياه إلى داخل الخيمة، وأخشى أن يغرق ما تبقى من أشيائنا القليلة، فأضم دفتري كي لا يبتل." 

صافي مثل كثيرين من أطفال غزة، تحمل على كتفها أسئلة أثقل من حقيبتها المدرسية وتقول: "لماذا لدى بعض الناس بيوت ونحن لا؟ ولماذا يجب أن نترك لعبنا؟" 

وعن أمنياتها بالعام الجديد، تقول: "أتمنى أن أعود إلى المدرسة، وأجلس مع صديقاتي، ونضحك بلا خوف، وأتمنى أن تكون لي غرفة، أغلق بابها، وأعلق رسوماتي على جدرانها." 

أطفال غزة والصدمات النفسية

يرى استشاري الطب النفسي بمستشفى الصحة النفسية الدكتور نسيم داود أنّ "تجربة العيش تحت الحصار والحرب  تؤثر بشكل كبير على الصحة النفسية للأطفال، فتزيد من مشاعر الخوف، والقلق، وعدم الأمان، فيظهر الأطفال أعراضاً مثل الصمت، والانعزال، والبكاء المتكرر، أو حتى السلوك العدواني أحياناً." 

ويضيف داود: "أكثر أنواع الصدمات شيوعاً مشاهدة الدمار، وفقدان الأقارب، وانفجارات قريبة، وغياب الاستقرار اليومي، وهذه الصدمات قد تتسبب باضطرابات نوم، وكوابيس، أو صعوبات في التركيز." 

ويتابع: "الأطفال يعبّرون عن خوفهم غالباً من خلال اللعب العنيف، والرسم، أو حتى الصمت والانطواء، وهي طريقة غير لفظية للتعبير عن الصدمة." 

ويوضح: "الصدمات النفسية المتكررة تؤثر على نمو الأطفال العاطفي والاجتماعي، فتجعلهم أكثر عرضة للقلق المزمن، والاكتئاب، والصعوبات في تكوين علاقات صحية مع الآخرين." 

ويؤكّد أنّ "الأسرة والمجتمع يلعبان دوراً أساسياً في حماية الأطفال نفسياً عبر الأمان، والاستماع، والرعاية، مع توفير بيئة مدرسية آمنة وأنشطة تعليمية وترفيهية." 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية