بانوراما ليبية: تأجيل الانتخابات يضع البلاد في مهبّ المجهول

بانوراما ليبية: تأجيل الانتخابات يضع البلاد في مهبّ المجهول

مشاهدة

01/01/2022

كان من المفترض أنّ تُعقد الانتخابات الرئاسية في ليبيا، في 24 كانون الأول (ديسمبر) الجاري، على أن تتبعها انتخابات مجلس النواب بعد شهر، وبذلك تتشكّل سلطة تنفيذية وتشريعية جديدة، تحلّ مكان السلطات الانتقالية التي عرفتها ليبيا منذ إطاحة نظام العقيد الراحل، معمّر القذافي، ومضى الموعد المحدد دون عقد الانتخابات، مع تأجيلها إلى موعد 24 من شهر كانون الثاني (يناير) 2022، وهو موعد مشكوك في صدقه، بسبب استمرار العراقيل التي أجلت الموعد الأول من البداية.

لم تلقَ قوانين مجلس النواب رضا الإخوان وحلفائهم في غرب ليبيا، على الرغم من تقدم شخصيات وازنة، ومدعومة من ميليشيات مسلحة من مصراتة وطرابلس بأوراق ترشحهم إلى الانتخابات

وما لم يصارح المجتمع الدولي ذاته بالحقيقة، فلا سبيل لعقد انتخابات مقبولة في ليبيا؛ فاستمرار هيمنة القوى السياسية والعسكرية على مناطق نفوذ، تجعلها أشبه بدول مستقلة تحت العباءة الرسمية للدولة الليبي، دون وجود دولة موحدة، بمؤسسات عسكرية وإدارية واحدة، لن يجعل الانتخابات هي الحلّ، إنما شكل آخر للتنازع في البلاد.

تقرير مفوضية الانتخابات

وخلال جلسة مجلس النواب في مدينة طبرق، بتاريخ 27 من الشهر الجاري، ناقش النواب التقرير الذي رفعته المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، بشأن العراقيل التي واجهت إجراءات الإعلان عن القوائم النهائية لمرشحي الرئاسة، والتي على إثرها تأجلت إجراءات المفوضية لتنظيم الانتخابات.

(جلسة مجلس النواب لبحث عراقيل إقامة الانتخابات)

ومن أهمّ النقاط التي جاءت في التقرير؛ وجود مخالفات في عملية الطعون القضائية على النسخة الأولى لمرشحي الرئاسة التي أعلنت عنها المفوضية، والتي أقصت عدداً من المرشحين البارزين، الذين قبلت محاكم استئناف طرابلس وسبها طعونهم، ومنهم؛ رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وسيف الإسلام القذافي.

وبناء على المخالفات في الإجراءات القضائية، أعلنت مفوضية الانتخابات عدم قدرتها على إصدار القائمة النهائية للمرشحين المقبولين للانتخابات الرئاسية الأولى في ليبيا، بسبب مخالفة القضاء لنصّ القانون رقم (1) لعام 2021، بشأن انتخاب وصلاحيات رئيس الجمهورية.

إقرأ أيضاً: هل نجحت الميليشيات الليبيّة المسلّحة في تقويض المسار السياسي في البلاد؟

وإلى جانب ذلك، ناقشت جلسة مجلس النواب، والتي حضرها ما يزيد عن 120 عضواً، بحسب المتحدث باسم المجلس، عبد الله بليحق، عبر صفحته على "فيسبوك"، تقارير أمنية من جهاز المخابرات العامة، ووزارة الداخلية، حول التهديدات الأمنية التي واجهت عمل مفوضية الانتخابات، وكذلك تنظيم الاقتراع العام. ولم تخلص الجلسة إلى تحديد موعد آخر لإجراء الانتخابات الرئاسية؛ بسبب عدم تقديم مفوضية الانتخابات طلباً لتحديد موعد آخر إلى مجلس النواب.

 

تسييس القضاء

وكان من المفترض أن يتفق أعضاء ملتقى الحوار السياسي الليبي، الذي أنتج السلطة التنفيذية الانتقالية الحالية، على قاعدة دستورية لإجراء الانتخابات وفقاً لها، على أن يصدر مجلس النواب هذه القاعدة في قوانين، تعمل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وفقاً لها، ولكن بسبب إخفاق الملتقى في التوافق على مثل هذه القاعدة، قام مجلس النواب بإصدار قانون انتخابات رئيس الجمهورية رقم (1)، وقانون انتخاب أعضاء مجلس النواب رقم (2) لعام 2021، وبموجبهما شرعت المفوضية في التحضير للانتخابات.

ولم تلقَ قوانين مجلس النواب رضا الإخوان المسلمين وحلفائهم في غرب ليبيا، على الرغم من تقدم شخصيات وازنة، ومدعومة من ميليشيات مسلحة من مصراتة وطرابلس بأوراق ترشحهم إلى الانتخابات، وكانت تلك عقبة في الإعلان عن القائمة النهائية لمرشحي الرئاسة، بسبب مخالفة مرشحين مدعومين من الإخوان للقانون.

الكاتب الصحفي محمود الفرجاني لـ "حفريات": ما دامت الانتخابات لم تُقم في موعدها الأول، فلن تُقام في أيّ موعد قريب، ولا أظنّها ستعقد في العام المقبل (2022)

ويقول المستشار الإعلامي للجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب، الكاتب الصحفي والسياسي الليبي محمود الفرجاني: "لا يوجد سبب واحد لتأجيل الانتخابات، وهناك ضبابية من المفوضية العليا للانتخابات، المسؤولة عن إعداد وإخراج القوائم النهائية للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وهذا لم يحدث، لأسباب مجهولة، عدا مسألة الطعون التي حدثت في القوائم المرشحة للانتخابات الرئاسية، والتشكيك الذي حدث في قرارات القضاء الليبي، خاصة أنّ بعض المناطق يبدو فيها الوضع الأمني غير مستقر، مما أثر على حيادية قرارات القضاة، وساهم في إعادة بعض المبعدين من قوائم الانتخابات الرئاسية، وهي مشكلة واجهت المفوضية بعد دخول مرحلة الطعون".

(محمود الفرجاني: هناك ضبابية من المفوضية العليا للانتخابات)

وفي السياق ذاته، يقول المحلل السياسي الليبي هيثم الورفلي: "بالنسبة إلى أسباب تأجيل الانتخابات الرئاسية فهي الأسماء الموجودة في القائمة، خاصة بعد مرحلة الطعون، فلم تستطع المفوضية نشر الأسماء، وذلك، بحسب وجهة نظري، بسبب ضغوطات محلية ودولية، وُجهت للمفوضية بعدم إصدارها لهذه القائمة، ولا يوجد هناك أية مشكلة فنية تعيق إقامة الانتخابات، بل كما قالت المفوضية حالة القوة القاهرة وهي بالتأكيد عبارة عن ضغوطات".

 

مسؤولية الدبيبة

وكان من المفترض أنّ تضع السلطة التنفيذية الانتقالية، التجهيز لإقامة الانتخابات في موعدها، بتاريخ 24 من الشهر الجاري، على رأس أولوياتها، لكنّها انحرفت عن الهدف الأساسي لها، وشرعت في إدارة المرحلة الانتقالية على أنّها سلطة دائمة، وعملت على تأجيل الانتخابات. وحين تيقنت السلطة الانتقالية وعلى رأسها رئيس الحكومة، عبد الحميد الدبيبة، من أنّه لا مفرّ من عقد الانتخابات، ترشّح الدبيبة للانتخابات الرئاسية، مدعوماً من جماعة الإخوان المسلمين في مخالفة للتعهد الذي وقّع عليه بعدم الترشح في الانتخابات أمام الملتقى السياسي.

إقرأ أيضاً: بعد الإخفاق الأول... هل تنجح ليبيا في إجراء انتخابات بعد شهر؟

وكان إعلان الدبيبة عن ترشحه للرئاسة بمثابة خلط للأوراق، ويقول الكاتب الفرجاني لـ "حفريات": "كان الدبيبة المسؤول عن إدارة المرحلة الانتقالية، ثم فاجأ الجميع بترشحه للانتخابات الرئاسية، واستغلّ منصبه كرئيس الحكومة، بما يحمله من مزايا، وقام بتسخير المال العام في الدعاية الانتخابية؛ سواء بقروض الزواج أو الترويج لنفسه في المحافل الدولية، بينما غيره من المنافسين لم يحظَ بهذه الفرصة".

وكان على الدبيبة الاستقالة من منصبه، أو تكليف غيره للقيام بمهامه، قبيل ثلاثة أشهر من موعد 24 من الشهر الجاري، وفقاً لقانون الانتخابات، وهو ما لم يفعله، واستمر في شغل منصبه حتى قبيل يوم واحد من تقديم ملفه للترشح.

(هيثم الورفلي: الميليشيات في غرب ليبيا منقسمة حول الموقف من الانتخابات)

ويرى هيثم الورفلي، أنّ هناك "تواطؤ من قبل مفوضية الانتخابات في قبول ملف الدبيبة كمرشح رئاسي، إلى جانب قيام وزارة الداخلية باللعب بورقة تأمين الانتخابات لتمرير قبول ملف الدبيبة كمرشح رئاسي؛ فحين تم استبعاده قالت الوزارة إنّها لا تستطيع تأمين الانتخابات، وبعد عودته بحكم المحكمة، صرّحت بأنّ تأمين الانتخابات ممكن، فضلاً عن قيام ميليشيات بمهاجمة مقرات الانتخابات حين تمّ استبعاد الدبيبة، وكلّها عوامل توضح كيف أثر سلباً على العملية الديمقراطية".

إقرأ أيضاً: لماذا نجح المجتمع في ليبيا قبل 70 عاماً وفشل حالياً؟

ورغم أنّ الدبيبة لا ينتمي تنظيمياً إلى الإخوان المسلمين، إلا أنّه في تحالف معهم، لوجود مصلحة مشتركة بينهما؛ فالجماعة تؤمن للدبيبة القبول الدولي، وتدعمه عبر المجلس الأعلى للدولة، والذي ينافس مجلس النواب على وضع القوانين الانتخابية، وكذلك يوفر الدبيبة للإخوان مرشحاً له شعبية، وقادر على حماية مصالحهم.

 

مسؤولية الميليشيات

ورغم أنّ الميليشيات المسلحة في غرب ليبيا كان لها دور بارز في عرقلة الانتخابات؛ وذلك بالهجوم على مقرات الاقتراع، وممارسة ضغوط على مفوضية الانتخابات والقضاء، وربما منع الناخبين من الذهاب لعدد من مقرات الاقتراع، إذا ما كانت الانتخابات جرى تنظيمها في موعدها، إلا أنّها في الأساس أقدمت على ذلك بأوامر من قوى سياسية.

وأفاد لـ "حفريات"، المستشار الإعلامي للجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب، بأنّ: "الميليشيات لا علاقة لها بشكل مباشر بالعملية الانتخابية، وتحركاتهم الأخيرة رغم أنّها سببت توتر، إلا أنّ المعرقل الأساسي هي قرارات الطعون، وفقدان الشارع الثقة بالقضاء، الذي كان آخر مؤسسة يتمنى الليبيون ألا تدخل في الصراع".

(المفتى الإخواني السابق، الصادق الغرياني، دعا الميليشيات لمنع تنظيم الانتخابات)

ومن جانبه، قال المحلل السياسي، هيثم الورفلي: "الميليشيات في غرب ليبيا منقسمة حول الموقف من الانتخابات؛ فبعضها مؤيد لها، وقامت بحماية مراكز الاقتراع، وأخرى معارضة، وهي من قامت بالهجوم وإحراق العديد من مراكز الاقتراع، وهي التابعة لتيار المفتي الصادق الغرياني، المنتمي للإخوان، والذي أصدار أكثر من بيان بمنع الانتخابات حال ترشح خليفة حفتر وسيف الإسلام القذافي".

 

فرص تنظيم الانتخابات

ورغم أنّ المفوضية أعلنت عن اقتراح لعقد الانتخابات الرئاسية في 24 من الشهر المقبل، إلا أنّ الشكوك حول الالتزام بذلك ما تزال قائمة. ويقول محمود الفرجاني: "ما دامت الانتخابات لم تُقم في موعدها الأول، فلن تُقام في أي موعد قريب، ولا أظنّها ستعقد في العام المقبل (2022)، فكل العراقيل التي ذكرتها مفوضية الانتخابات ما تزال قائمة".

(تسبّب ترشح سيف الإسلام القذافي في تعقيد المشهد السياسي)

ويتفق الورفلي مع ذلك، ويقول: "لم تصدر القائمة النهائية لمرشحي الرئاسة بعد، وهي خطوة تتلوها خطوات عديدة وصولاً إلى يوم الاقتراع، ولهذا لا أظن أنّ الانتخابات ستعقد في الشهر المقبل".

وفي سياق متصل، من المتوقع أن تدخل البلاد في أزمة سياسية، بسبب فقدان الحكومة الانتقالية للشرعية، بعد انتهاء تكليف البرلمان لها بتصريف الأعمال، ولهذا كلف البرلمان لجنة لبحث خارطة الطريق، للمرحلة المقبلة، وصولاً إلى الاستحقاق الانتخابي، خصوصاً بعد أن ثبتت عرقلة السلطة الانتقالية الحالية للعملية الانتخابية، وهو ما يعني أنّ مشكلة شرعية السلطة التنفيذية في المرحلة الانتقالية، باتت الأزمة التي تتصدر الاهتمام المحلي والدولي، ولهذا فلا حديث عن الانتخابات حتى حلّ هذه الأزمة.

الصفحة الرئيسية