
لم يعد البحث عن الطعام في قطاع غزة مهمة يومية عابرة، بل تحول إلى معركة مرهقة يخوضها مئات الآلاف من النازحين الذين أنهكتهم الحرب وطول أمد النزوح وانعدام الموارد.
وبينما تتزايد أعداد المحتاجين يوماً بعد يوم، تقف التكايا الخيرية عاجزة عن تلبية الحد الأدنى من احتياجات السكان، في مشهد يعكس حجم الكارثة الإنسانية المتفاقمة.
ووفق تقارير دولية فإنّ نسبة الفقر تجاوزت 90% من السكان، بالتزامن مع انهيار شبه كامل للأنشطة الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة تجاوزت 80% في بعض التقديرات.
وبحسب التقارير، توسعت فئة "أفقر الفقراء" بشكل هائل بعد الحرب نتيجة فقدان مصادر الدخل وتدمير المنازل وتعطل الأسواق، وباتت 90% من الأسر تعتمد بشكل كامل على المساعدات الإنسانية والغذائية والنقدية.
وينص اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في تشرين الأول/أكتوبر 2025، على إدخال ما لا يقلّ عن 600 شاحنة يومياً من المستلزمات الحياتية، غير أنّ الاحتلال لم يلتزم إلا بـ27% من هذه النسبة، الأمر الذي عمق الفجوة الإنسانية بصورة لافتة.
انتظار بلا طعام
وفي مركز الزهراء للنازحين وسط قطاع غزة، جلست المسنة عايشة الهندي، (64 عاماً)، التي نزحت أكثر من مرة منذ بداية الحرب، تحاول تهدئة أحفادها الذين يلحون عليها بالسؤال ذاته: "متى سنأكل؟".
وتقول الهندي بصوت أنهكه التعب والحزن: "في السابق كنا ننتظر دورنا أمام التكية لساعات طويلة، لكننا كنا نعود أحياناً بطبق من الطعام يكفينا ليوم واحد، الآن أصبح الأمر أصعب بكثير، فأذهب منذ ساعات الصباح الأولى وأقف في الطابور تحت الشمس، وفي كثير من الأيام أعود خالية اليدين لأنّ الكميات لا تكفي الجميع".
وتضيف وهي تنظر إلى أطفال يلهون بالقرب من خيمة مهترئة: "أصبح الجوع جزءاً من حياتنا اليومية، والأطفال يستيقظون ويسألون عن الطعام قبل أيّ شيء آخر، وغالباً لا أجد ما أقدمه لهم سوى قطعة خبز يابسة أو كوب من الماء، وأشعر بالعجز عندما أرى أحفادي ينامون وهم جائعون".
وتتابع حديثها: "لم نكن نتخيل يوماً أن نصل إلى هذه المرحلة، وكنا نعيش حياة بسيطة لكنّها مستقرة، أمّا اليوم فإننا فقدنا المنزل ومصدر الدخل والأمان، وحتى الطعام الذي يُعدّ أبسط حقوق الإنسان أصبح حلماً بعيد المنال".
وتصف الهندي المشهد أمام التكايا قائلة: "هناك آلاف الأشخاص الذين ينتظرون يومياً، نساء وكبار سن وأطفال يقفون في طوابير طويلة جداً، وبعض الناس يأتون منذ الفجر أملاَ في الحصول على وجبة، لكنّ الكميات تنفد بسرعة، وكثيرون يغادرون وهم يبكون لأنّهم لم يحصلوا على شيء".
وجبة واحدة للجميع
وتشير إلى أنّ العائلات أصبحت تلجأ إلى تقليص عدد الوجبات بشكل كبير، وتوضح: "كنا نتناول ثلاث وجبات في اليوم، ثم أصبحت وجبتين، والآن نكتفي بوجبة واحدة نتقاسمها جميعاً، حتى هذه الوجبة لا تكون متوفرة دائماً، وأصبحنا نحسب كل لقمة ونقسمها بين الأطفال".
وتروي موقفاً لا يغادر ذاكرتها: "في أحد الأيام عدت إلى الخيمة ومعي كمية قليلة من الطعام حصلت عليها بعد انتظار طويل، وتجمع الأطفال حولي بسرعة لأنّهم كانوا جائعين جداً، ولم تكن الكمية تكفي الجميع، واضطررت إلى تقسيمها إلى أجزاء صغيرة، ويومها شعرت بأنّ الجوع سرق منا أبسط مظاهر الحياة الطبيعية".
وتؤكد أنّ الأزمة لا تقتصر على نقص الغذاء فقط، بل تمتد إلى غياب معظم الاحتياجات الأساسية، وتكمل: "نحتاج إلى كل شيء، فالماء النظيف أصبح نادراً، والدواء شبه مفقود، والمواد الغذائية أسعارها مرتفعة بشكل لا يمكن تحمله، ولا توجد فرص عمل ولا مصدر دخل، والناس يعيشون على المساعدات، وعندما تتراجع المساعدات يصبح الجميع في خطر".
وفي محيط إحدى التكايا بدا المشهد أكثر وضوحاً، عشرات الأواني الفارغة يحملها نازحون ينتظرون دورهم، فيما يحاول العاملون في التكية توزيع ما توفر لديهم من طعام على أكبر عدد ممكن من الأسر، وتقول الهندي: "القائمون على التكايا يبذلون ما يستطيعون، لكنّ الأعداد أكبر من قدراتهم بكثير، والمشكلة ليست فيهم، بل في حجم الاحتياج الهائل، وكل يوم تصل عائلات جديدة وتزداد المعاناة".
وتؤكد الهندي بنبرة يختلط فيها الرجاء بالألم: "نحن لا نطلب المستحيل، نريد فقط أن يجد أطفالنا ما يسد جوعهم، وعندما يبكي الطفل من شدة الجوع ولا تستطيع أمه أن تقدم له شيئاً، فإنّ ذلك يترك جرحاً لا يندمل".
فارغ اليدين
وأمام إحدى التكايا في حي السلاطين شمال مدينة غزة، كان تيسير السلطان، وهو أب لستة أطفال ويعيش في خيمة نزوح منذ أشهر طويلة، ينتظر حاملاً وعاء بلاستيكياً فارغاً، على أمل أن يتمكن من العودة إلى أسرته ببعض الطعام.
يقول السلطان البالغ من العمر 52 عاماً: "أصبحت حياتنا مرتبطة بموعد فتح التكية، نستيقظ فجراً ونغادر الخيمة قبل شروق الشمس لنحجز مكاناً في الطابور، وأقف ما بين أربع إلى خمس ساعات متواصلة، وفي النهاية أحصل على كمية بسيطة من الطعام، وأحياناً أخرى أعود من دون أيّ شيء لأنّ الطعام ينفد قبل أن يصل دوري".
ويضيف وهو ينظر إلى عشرات المنتظرين حوله: "أكثر ما يؤلم الإنسان ليس الجوع نفسه، بل شعوره بالعجز أمام أطفاله، فعندما يعود الأب إلى خيمته فارغ اليدين، كيف يمكنه أن يواجه أبناءه الذين ينتظرونه منذ الصباح؟ كيف يشرح لطفل صغير أنّ الطعام لم يعد متوفراً؟".
ويتابع حديثه: "قبل الحرب كنت أعمل بشكل يومي وأوفر احتياجات أسرتي، ولم أكن أملك الكثير، لكننا لم نكن نجوع، اليوم فقدت عملي ومنزلي وكل ما ادخرته خلال سنوات طويلة، وأصبح همي الأول كل صباح هو تأمين وجبة واحدة فقط للعائلة، فتخيل أن يتحول طموح الإنسان من بناء مستقبل لأبنائه إلى مجرد البحث عن طبق من الطعام".
ويشير إلى أنّ أوضاع الأطفال أصبحت أكثر صعوبة مع استمرار الأزمة، ويواصل: "أطفالي تغيروا كثيراً خلال الأشهر الأخيرة، وإبني الصغير كان نشيطاً ومليئاً بالحيوية، أمّا الآن فقد أصبح كثير الصمت، ويجلس ساعات من دون كلام، وعندما أسأله ماذا يريد يقول لي: أريد خبزاً فقط، وهذا الطلب البسيط أصبح صعب التحقيق في كثير من الأيام".
ويستذكر السلطان موقفاً ترك أثراً بالغاً في نفسه، حين اضطر في إحدى الليالي إلى تهدئة أطفاله للنوم جوعاً لغياب الطعام، قبل أن تستيقظ ابنته الصغيرة باكية من ألم الجوع، ولم يجد ما يقدمه لها سوى الماء، في ليلة وصفها بأنّها من أقسى ما مرّ به في حياته.
رغيف الخبز حلم يومي
ويؤكد أنّ التكايا أصبحت الملاذ الأخير لمعظم العائلات النازحة، ويكمل: "لو توقفت التكايا بشكل كامل فستحدث كارثة حقيقية، آلاف الأسر تعتمد عليها بشكل أساسي، لكن الحقيقة أنّ هذه التكايا نفسها تعاني من نقص شديد في الإمكانات، والعاملون فيها يبذلون جهداً كبيراً، لكنّ الاحتياجات أكبر بكثير من قدرتهم".
وحول مشاهد الازدحام اليومية، يقول السلطان: "في بعض الأيام تحدث مشادات بين الناس بسبب شدة الحاجة، والجميع جائع والجميع يريد إطعام أطفاله، وعندما تكون الكميات قليلة والأعداد كبيرة يصبح الوضع صعباً جداً، والكثيرون يعودون من دون أن يحصلوا على شيء".
ويضيف: "لم يعد الحديث بين الناس يدور حول المستقبل أو العمل أو الدراسة كما كان سابقاً، ومعظم الأحاديث أصبحت عن الطعام، أين توجد تكية؟ هل وصلت مساعدات؟ هل يمكن الحصول على كيس دقيق؟ هذه هي الأسئلة التي تتكرر يومياً بين النازحين".
ويشرح كيف تغير نمط حياة أسرته بالكامل، ويكمل: "في الماضي كانت زوجتي تُعدّ الطعام لأفراد العائلة وتختار ما يناسب الأطفال، واليوم لم يعد لدينا خيار، ونأكل ما يتوفر فقط، وتمر أيام لا نرى فيها سوى صنف واحد من الطعام، حتى هذا الصنف قد لا يكون متاحاً بشكل دائم".
ويواصل حديثه قائلاً: "الجوع لا يؤثر على الجسد فقط، بل على النفس أيضاً، وعندما يقضي الإنسان يومه كله وهو يفكر في كيفية تأمين الطعام لعائلته، فإنّه يفقد القدرة على التفكير بأيّ شيء آخر، وأصبحنا نعيش تحت ضغط نفسي هائل لا يمكن وصفه".
وعن أكثر ما يخشاه خلال الفترة المقبلة، يقول: "أخاف من استمرار هذا الوضع لفترة أطول، وأخاف على الأطفال وكبار السن والمرضى، والجوع يزداد يوماً بعد يوم، والناس أصبحت أضعف من السابق، وهناك عائلات كثيرة لا تجد ما تأكله بشكل منتظم، وهذا أمر خطير جداً".
ويختم السلطان حديثه بنبرة مثقلة بالحزن:" عندما يصبح الحصول على رغيف خبز حلماً يومياً، فهذا يعني أنّ المعاناة وصلت إلى مستوى لا يمكن احتماله".
التكايا تحت الضغط
بدوره، يقول هاني صيدم مسؤول تكية أبواب الخير بحي الزيتون شرق مدينة غزة: إنّ "التكية كانت تقدم الوجبات الساخنة للنازحين يومياً، أمّا اليوم فأعداد المحتاجين تضاعفت بشكل كبير، وأصبح الطلب على الطعام أكبر بكثير من قدرتنا على الاستجابة، وهناك عائلات كاملة تعتمد على التكية كمصدرها الوحيد للغذاء".
ويضيف صيدم: "الإمكانات المتوفرة محدودة جداً مقارنة بحجم الاحتياج، ونحاول الاستفادة من كل ما يصلنا من مواد غذائية، لكنّ الكميات لا تكفي الجميع، وغالباً نضطر إلى تقليل حجم الوجبات أو عدد المستفيدين حتى نتمكن من خدمة أكبر عدد ممكن من الأسر".
ويوضح: "أصعب ما نراه هو الأطفال الذين يقفون مع ذويهم لساعات طويلة بانتظار الطعام، وكثيراً ما نشاهد أمهات وآباء يطلبون أيّ كمية متاحة لإطعام أطفالهم، هذه المشاهد مؤلمة جداً وتترك أثراً نفسياً كبيراً على العاملين في التكية".
ويضيف صيدم: "في كثير من الأيام تنفد الكميات قبل تلبية جميع الطلبات، ونجد أنفسنا مضطرين للاعتذار لعشرات الأسر، وهذا من أصعب المواقف التي نواجهها، لأننا ندرك أنّ من يغادر دون طعام قد لا يجد بديلاً آخر لإطعام أسرته في ذلك اليوم".
ويؤكد صيدم أنّ "الواقع الإنساني صعب للغاية، والجوع بات يهدد آلاف العائلات، والاحتياجات تتزايد بشكل مستمر بينما الموارد المتاحة تتراجع، والمطلوب هو دعم أكبر وأسرع لضمان وصول الغذاء إلى الأسر المحتاجة، فهناك أناس يعيشون أياماً طويلة وهم لا يعرفون من أين ستأتي وجبتهم التالية".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86_113_0_0.jpg.webp?itok=tveF5mr8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_1_5_0.png.webp?itok=SL0FoY8v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_4_0_0.jpg.webp?itok=0fGkKl2T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1_1.jpg.webp?itok=BcB6begQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%A4%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9%20%D9%83%D8%A8%D8%B1%D9%89_0_2_1_2_3_0.jpg.webp?itok=CNFeXliw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%AA_0_2.png.webp?itok=8FS_cDro)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/904_0.jpg.webp?itok=HyA0CWFx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_2.jpg.webp?itok=Hw6CwrtR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0068f-41_0_5.jpg.webp?itok=EmV0YXRo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE_1.png.webp?itok=PLML64yY)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/hq720_2.jpg.webp?itok=ECn_9gRg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_2_2_0.jpg.webp?itok=DoXxkB7I)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%8A%D9%8A_0_0_0.jpg.webp?itok=UOU1EvQz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_170_0.jpg.webp?itok=YAt6qb4U)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_130.jpg.webp?itok=yI3FnUfI)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84.png.webp?itok=vCyRKOE9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_137_1.jpg.webp?itok=pcYAW8xm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)