الإرهاب الرقمي: كيف تُسخِّر الجماعات المتطرفة الذكاء الاصطناعي لتوسيع الدعاية والتجنيد؟

الإرهاب الرقمي: كيف تُسخِّر الجماعات المتطرفة الذكاء الاصطناعي لتوسيع الدعاية والتجنيد؟

الإرهاب الرقمي: كيف تُسخِّر الجماعات المتطرفة الذكاء الاصطناعي لتوسيع الدعاية والتجنيد؟


24/07/2025

يشهد الفضاء الرقمي تحوّلًا نوعيًا مع الانتشار الواسع للأدوات التوليدية للذكاء الاصطناعي التي خفّضت الكلفة التقنية والزمنية لإنتاج الدعاية المتطرفة، ورفعت من قدرتها على التخصيص والوصول الخفي لجماهير جديدة، كما تحذر تقارير متخصّصة من أن جماعات متشددة بدأت بالفعل استخدام هذه الأدوات في التجنيد، وصناعة المواد السمعية والبصرية، وتحسين أمنها الإلكتروني.

ورغم أن العديد من الخبراء يشيرون إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يخلق تهديدات جديدة بالكامل بقدر ما يضخّم التهديدات القائمة، فإن سرعة انتشاره، وسهولة استخدامه، و"التخصيص الفائق" للمحتوى، تجعل قدرات الرصد التقليدية أقل فاعلية ما لم يتم تحديثها، بينما توضح أبحاث متخصصة أن النماذج الحالية للذكاء الاصطناعي لم ترفع بعد المخاطر الكبرى (مثل الهجمات البيولوجية) بشكل جوهري، وهو ما يتطلب توازناً بين التحذير وتجنب المبالغة.

تتصاعد المخاوف من استخدام الذكاء الاصطناعي في التأثير على الانتخابات عبر حملات تضليل أو هجمات إلكترونية

من هذه الزاوية، تبرز الحاجة إلى فهم مشهد "الإرهاب الرقمي" الجديد: من أدواته وأساليبه، إلى الثغرات التنظيمية لدى المنصّات الرقمية، مرورًا باستجابات الحكومات والتحالفات التقنية، وصولًا إلى السيناريوهات المقبلة التي قد تشهد "تخصيصًا آليًا" للتطرف و"روبوتات دعوية" ذاتية التشغيل.

من الدعوة إلى التشغيل… كيف يوسّع الذكاء الاصطناعي نطاق عمل الجماعات المتطرفة؟

هذا وتشير تقارير حديثة إلى أن جماعات مثل "داعش" وتنظيمات نازية جديدة بدأت تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لتوليد مواد دعائية متقنة، وتحويل بيانات نصّية إلى فيديوهات وصوتيات مقنعة، مع توظيف "أفاتارات" وروبوتات محادثة داخل قنوات مشفرة لتوجيه الأنصار وتدريبهم على أساليب الأمان الرقمي، ويضاعف هذا "التصنيع السريع" للمحتوى حجم الرسائل ويُربك آليات المراقبة.

كما يشمل الاستخدام التزييف العميق لإنتاج شخصيات وهمية أو انتحال هويات شخصيات عامة، مما يخلق ضوضاء معلوماتية ويُعقد الاستجابة المبكرة، حيث تحذر أبحاث حلف شمال الأطلسي من أن التطور التقني وانخفاض التكلفة يمكّن الفاعلين المتطرفين من استخدام هذه الوسائط بكفاءة أكبر.

قدمت مراكز أبحاث أوروبية تقارير للبرلمانات تحذر من تعقيد مشهد التطرف بفضل الذكاء الاصطناعي وتوصي بإجراءات جديدة 

كذلك، توثق الدراسات الأكاديمية استخدام الروبوتات البرمجية في تطبيقات مثل «تليغرام» لتوزيع المحتوى المتطرف تلقائيًا، وأرشفة الدعاية، وتوجيه المستخدمين إلى قنوات بديلة يصعب تعطيلها. هذه الأتمتة تزيد من استمرارية المحتوى وتوسع دائرة انتشاره.

إضافة إلى ذلك، بدأ بعض المتطرفين باستخدام النصوص التوليدية في صياغة خطابات إقناعية موجّهة بدقة لكل فئة عمرية أو ثقافية، وهو أسلوب يُعرف بـ"التخصيص الخوارزمي"، ما يمنح خطاب الكراهية قدرة أكبر على التأثير النفسي.

البنية الرقمية وثغرات التنظيم… أين تفشل المنصات؟

هذا وكشفت تقارير لهيئات الأمن الإلكتروني عن ثغرات كبيرة في قدرة المنصات الكبرى على رصد ومنع المحتوى الإرهابي، خاصة في البث المباشر، إلى جانب قصور في تغطية اللغات المختلفة، وصعوبة التعامل مع النسخ المعدلة من المقاطع العنيفة، كما حدث في حادثة مجزرة نيوزيلندا.

ويحاول المنتدى العالمي للإنترنت ضد الإرهاب سدّ بعض هذه الفجوات عبر قاعدة بيانات مشتركة لتتبع المحتوى، لكن مراجعات حديثة أظهرت الحاجة إلى توسيع نطاق هذه الآليات لمواكبة أشكال المحتوى الجديدة، خصوصًا ما يُنتَج بالذكاء الاصطناعي.

وتشير تقارير الشرطة الأوروبية إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من مشهد الجريمة الإلكترونية بشكل عام، مما يستدعي تحديث أدوات إنفاذ القانون، وبناء تعاون أعمق بين الحكومات والشركات التقنية الكبرى لرصد المحتوى المضلل أو الموجه.

إلى جانب ذلك، تتأخر المنصات الصغيرة في تطبيق سياسات الرصد الفعالة بسبب نقص الإمكانات، ما يجعلها ملاذًا للمحتوى الإرهابي. هذه المنصات أصبحت تمثل الحلقة الأضعف في شبكة التواصل الرقمي، الأمر الذي يستدعي دعمها تقنيًا وتنظيميًا.

كيف ترد الحكومات والتحالفات التقنية؟

وتعمل مبادرات مثل التحالف الدولي ضد الإرهاب الرقمي على دعم المنصات الصغيرة والمتوسطة بالأدوات التقنية لكشف النشاط الإرهابي، مع الدعوة إلى عدم المبالغة في المخاطر حتى لا تُفرض تشريعات مفرطة تعيق الحريات الرقمية.

بدوره، يطور المنتدى العالمي للإنترنت ضد الإرهاب سياسات جديدة لتعزيز الشفافية، ويطلق دراسات حول البيئات الرقمية الأكثر خطورة، مثل منصات الألعاب، لفهم طرق استغلالها في الدعاية والتجنيد.

الذكاء الاصطناعي يؤدي دورًا مزدوجًا إذ يمكن أن يُنتج محتوى متطرفًا يصعب كشفه لكنه أيضًا يمكن أن يُسهم في تطوير أدوات رقابية أكثر تطورًا لمكافحته

 

كما قدمت مراكز أبحاث أوروبية تقارير للبرلمانات تحذر من تعقيد مشهد التطرف بفضل الذكاء الاصطناعي، وتوصي بإجراءات جديدة تشمل اختبارات أمنية دورية للنماذج التوليدية وأدوات التحقق من المحتوى.

من ناحية أخرى، بدأت بعض الحكومات في توظيف الذكاء الاصطناعي المضاد، أي استخدام تقنيات مماثلة لرصد الخطاب المتطرف وتتبعه عبر خوارزميات دقيقة، إلى جانب تطوير أدوات تعتمد على الوسم المائي لتحديد المحتوى المصطنع.

 سيناريوهات الغد… روبوتات دعوية وحملات تضليل انتخابي

إلى ذلك، يحذر خبراء بريطانيون من أن روبوتات المحادثة قد تُستغل للترويج للأفكار المتطرفة أو لتوجيه الأفراد إلى منصات سرية، مع الإشارة إلى وجود حالات مؤكدة بالفعل تتطلب يقظة تشريعية دون التسرع في القيود.

على الصعيد السياسي، تتصاعد المخاوف من استخدام الذكاء الاصطناعي في التأثير على الانتخابات عبر حملات تضليل أو هجمات إلكترونية، بما يشكل خطراً على سلامة العمليات الديمقراطية.

وتشير أبحاث أكاديمية إلى أن الذكاء الاصطناعي يؤدي دورًا مزدوجًا، إذ يمكن أن يُنتج محتوى متطرفًا يصعب كشفه، لكنه أيضًا يمكن أن يُسهم في تطوير أدوات رقابية أكثر تطورًا لمكافحته.

وتتوقع دراسات أمنية مستقبلية أن تشهد السنوات المقبلة نشوء منصات قائمة بالكامل على الذكاء الاصطناعي لتجنيد الأفراد، حيث تعمل كـ"مراكز تدريب افتراضية" قادرة على بناء مجتمعات مغلقة تدار بخوارزميات ذاتية، ما يعقد عمليات الرصد التقليدي.

ويشير مراقبون إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يحدث ثورة جديدة في الإرهاب بقدر ما يمثل أداة تسريع وتضخيم رخيصة وسهلة الاستخدام. ومع ذلك، تبقى خطورته في سرعة انتشاره وإمكانية تخصيصه للمحتوى، بما قد يمنح الجماعات المتطرفة قدرة مضاعفة على التأثير.

ويشيرون إلى أن الحل يكمن في تطوير آليات كشف جماعية بين الحكومات والمنصات، مع الاعتماد على سياسات قائمة على الأدلة، وتحديث التشريعات بما لا يضر بحرية التعبير، وتفعيل الشراكة مع المجتمع المدني لبناء وعي رقمي يحد من انتشار الدعاية المتطرفة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية