
رغم كثافة الدراسات المتعلقة بالإرهاب والتطرف، إلا أنّ عدداً من الأسئلة المحورية ما يزال بلا إجابة حاسمة، خصوصاً تلك التي تتصل بعلاقات التنظيمات الإرهابية مع بعض الأنظمة والأجهزة الاستخباراتية. ما يبدو كتنظيمات متطرفة ذات دوافع دينية أو إيديولوجية، يخفي وراءه طبقات معقدة من التوظيف السياسي والاستخدام الوظيفي ضمن استراتيجيات الفوضى الموجّهة.
في دراسة تحليلية جديدة، يسلّط الدكتور محمد بن سعيد الفطيسي الباحث في "مركز السلام للدراسات" الضوء على التحولات البنيوية في الظاهرة الإرهابية، من التأسيس الجهادي إلى تسليع العمليات الإرهابية، مستعرضاً أمثلة من تعاون التنظيمات مع قوى دولية ودوائر مظلمة في السوق السوداء الدولية.
من المستفيد من الإرهاب؟ الأسئلة المحظورة التي تفتح أبواب الحقيقة
تساؤلات عديدة تفرض نفسها عند تفكيك الظاهرة الإرهابية: من يدير خيوط التنظيمات المتطرفة؟ من يزودها بالسلاح؟ من يفتح لها الحدود؟ والأهم: من يجني أرباح العمليات الإرهابية؟ الدراسة تشير إلى أنّ التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها القاعدة وداعش، لم تكن في عزلة عن شبكات دعم سياسية واستخباراتية، بل لعبت أدواراً مفصلية في معادلات الضغط الإقليمي والدولي، من أفغانستان الثمانينات إلى الفوضى في العراق وسوريا بعد 2003.
بالإضافة إلى ذلك، يُشير الباحث إلى مفارقة خطيرة تتمثل في صمت التنظيمات الإرهابية حيال المجازر الإسرائيلية في غزة. معتبراً أنّ هذا الصمت لا يُعبّر عن فقدان القدرة أو التأثير، بل يعكس الأجندات الحقيقية التي تتحكم في قرارات هذه الجماعات وتوقيتها السياسي والإعلامي.
التحول الاستراتيجي: من "الكرّ والفرّ" إلى "الذئاب المنفردة"
تطور أداء التنظيمات الإرهابية لم يكن نتيجة عوامل داخلية فقط، بل كان نتيجة استيعاب عميق لتحولات البيئة الدولية، فالتحول من استراتيجية "الكرّ والفرّ" التي تبنّاها تنظيم القاعدة، إلى استراتيجية "إقامة الدولة" التي تبنّاها داعش، وصولاً إلى الإرهاب الفردي أو "الذئاب المنفردة"، يعكس قدرة هذه التنظيمات على التكيف والمرونة، كما يعكس تعايشها مع الردود الأمنية العالمية.
بحسب الدراسة، باتت التنظيمات اليوم أكثر مهارة في تفادي الملاحقات الأمنية، من خلال توظيف التكنولوجيا، وتنويع مصادر تمويلها، والتكامل مع شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود: تهريب آثار، تجارة سلاح، شبكات دعارة، عملات رقمية، وحتى الاتجار بالبشر.
الإرهاب كخدمة: السوق السوداء للعنف والتدمير
واحدة من أخطر الظواهر التي تطرقت إليها الدراسة هي نشوء نمط جديد من العمليات الإرهابية التي تُنفّذ "حسب الطلب"، فقد بات العنف الإرهابي يُباع كخدمة رقمية في أسواق مظلمة على الإنترنت، يُروج لها بالفيديوهات والرسائل المشفّرة، وتتداول باستخدام العملات المشفّرة، دون أن تُعرف الجهة الحقيقية الدافعة أو المستفيدة.
يُشير الباحث إلى مفارقة خطيرة تتمثل في صمت التنظيمات الإرهابية حيال المجازر الإسرائيلية في غزة. هذا الصمت لا يُعبّر عن فقدان القدرة أو التأثير، بل يعكس الأجندات الحقيقية التي تتحكم في قرارات هذه الجماعات وتوقيتها السياسي والإعلامي
بهذا المعنى، لم يعد الإرهاب فعلاً إيديولوجياً، بل أصبح نشاطاً اقتصادياً يُقايَض ويُستثمَر فيه، وغالباً ما يُدار في مناطق رمادية تخترقها أجهزة استخبارات أو ميليشيات عابرة للولاء. وقد تكون بعض العمليات النوعية التي شهدها العالم مؤخراً، مثل تفجير جسر القرم، أو هجمات "البيجرات" في لبنان، نماذج لما يمكن اعتباره "الإرهاب بالوكالة" أو العمليات السوداء ضمن حروب غير معلنة.
تقول الدراسة: "تحول الإرهاب من عمل قائم على الإيديولوجيا الدينية أو الثقافية أو حتى على موجهات دنيئة مثل الحقد والعنصرية والأمراض النفسية إلى عمل قائم على تبادل المصالح التجارية، وتقديم العمل الإرهابي كخدمة يتم تقديمها والترويج لها والمزايدة عليها على شبكة الإنترنت، حيث يمكن أن نسمع ونرى خلال المرحلة الزمنية المقبلة عن استحداث مواقع إلكترونية للمزايدة على عمليات إرهابية في بعض الدول، أو عبر طرح مناقصات إرهابية في الكهوف المظلمة على شبكة الإنترنت."
مستقبل الإرهاب: التحول إلى اقتصاد مظلم بلا هوية
الدراسة تنذر بتوسع ما يمكن تسميته "الاقتصاد الإرهابي"، حيث تتحول التنظيمات من كيانات عقائدية إلى "مقاولي عنف" يبيعون خدماتهم لأطراف مجهولة. سيكون هذا الإرهاب الجديد أكثر انتشاراً، وأصعب في الرصد، وأشد خطورة، لأنّه يعمل في بيئة رقمية افتراضية مفتوحة، تتجاوز الحدود والسيادة الوطنية، وتخترق المجتمعات من خلال أدوات متاحة ومنخفضة التكلفة.
ما يُحذّر منه الباحث بوضوح هو أنّ هذا النوع من الإرهاب قد يُستخدم مستقبلاً كذراع تنفيذية للابتزاز السياسي أو الاقتصادي، أو لزعزعة أنظمة دون الحاجة إلى إعلان حرب أو تدخل مباشر.
ويلفت الباحث إلى أنّ التنظيمات، في سبيل مواجهة الحصار الأمني الذي قامت به الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الدولية وما نتج عنه من تبعات على مستوى تقليص مستويات التمويل بالإضافة إلى الخسائر البشرية التي تكبدتها تلك التنظيمات، فقد اتجهت إلى العمل على توسيع مصادر التمويل والمساندة، ومن ضمن تلك التوجهات التي عملت عليها تلك التنظيمات التعاون مع تجار المخدرات والمافيا الدولية العاملة على الآثار وتهريب البشر والعملات والجنس وما إلى ذلك من وسائل التمويل والدعم اللوجستي.
نحو فهم سياسي لا أمني فقط للإرهاب
ما تطرحه الدراسة من أسئلة وتحليلات يكشف الحاجة إلى تجاوز المقاربة الأمنية في فهم الإرهاب. فالإرهاب لم يعد مجرد خطر خارجي، بل أداة جيوسياسية تستخدمها دول وقوى دولية لتحقيق مصالحها على حساب أمن الدول الضعيفة أو المأزومة. والحل لا يكمن فقط في المواجهة الأمنية أو العسكرية، بل في كشف الشبكات المتشابكة التي تدير هذه التنظيمات، وفضح التحالفات غير المعلنة التي توظف العنف كسلاح استراتيجي في عالم لم يعد فيه شيء مجانياً، حتى الموت.
وأخيراً يتوقع الباحث، توسع العمل الإرهابي القائم على الخدمات التجارية التي يمكن أن تقدمها التنظيمات الإرهابية خلال المرحلة الزمنية القادمة، سواء كان ذلك من باب التعاون مع التنظيمات والعصابات الإجرامية الدولية، أو من خلال السوق السوداء في المناطق الرمادية التي تستغلها بعض الدول وأجهزتها الاستخباراتية أو بعض وكلائها للتعامل مع الخصوم أو الأعداء، أو للقيام بعمليات تستهدف نشر الفوضى وعدم الاستقرار الأمني، يضاف إلى ما سبق ستتوسع تلك الأعمال الإرهابية التجارية في البيئة الافتراضية كثيراً، وسيبرز العديد من المواقع الرقمية التي يصعب تعقبها للقيام بأعمال البيع والاستثمار والترويج والابتزاز الإرهابي القائم على الأعمال والخدمات والسلع الإرهابية العابرة للحدود الوطنية.



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A74_0_1_2.jpg.webp?itok=8A8Zg-x4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_137.jpg.webp?itok=HnhMzQlS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%AF%D9%89_3.jpg.webp?itok=GzVSVcLb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_76_1_6.jpg.webp?itok=21uKhHnT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%860_5.png.webp?itok=uy9-QkPN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_41.jpg.webp?itok=On1h3rLn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_29.jpg.webp?itok=jjxltkfu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%86_79.jpg.webp?itok=7rXr9kK6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B4%D8%A7%D9%84_5.jpg.webp?itok=T4nm0oxH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A72_1.png.webp?itok=YYGzHrYP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_102.jpg.webp?itok=8kyi51xo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%88%D9%8A_1.jpg.webp?itok=PG4F23Pr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_2.png.webp?itok=KvwDNfyu)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%8A%D9%86_13.jpg.webp?itok=yRHQ2GxB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%831.png.webp?itok=pqRItlwk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_13.jpg.webp?itok=BSEQt7fN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%AC%D8%AF.png.webp?itok=UXF0wEpY)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%832.jpg.webp?itok=AQjEmokX)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_21.jpg.webp?itok=7QoqemGI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_7.jpg.webp?itok=wRDX_4Wm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_11.jpg.webp?itok=XKFZ_04A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%860_3.jpg.webp?itok=nAqwYt3Q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D8%A7%D9%8A_0.jpg.webp?itok=SXMpXSdR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
