
حين تشتعل الضواحي الفرنسية وتتحول شوارع كبرى المدن إلى ساحات للمواجهة، وتُحرق المقار الأمنية وتُنهب المتاجر، تسارع الأجهزة الإعلامية والسياسية الغربية غالباً إلى تفسير المشهد عبر ثنائية جاهزة ومريحة: انفجار عفوي لغضب شبابي محتقن، ناتج عن تهميش اجتماعي ومظالم اقتصادية مزمنة، أو مجرد سلوك طائش لعصابات وجنوح مراهقين بلا بوصلة. غير أنّ هذا التفسير الاختزالي لا يصمد أمام التحليل السوسيولوجي والإيديولوجي الرصين الذي يغوص عميقاً في تفكيك التربة الفكرية التي تُغذي هذا العنف وتمنحه شرعيته الرمزية وتوجه مساراته.
في هذا السياق بالتحديد، جاءت التحليلات والتحذيرات التي أطلقتها عالمة الأنثروبولوجيا الفرنسية فلورنس بيرجو-بلاكير (Florence Bergeaud-Blackler)، الباحثة في "المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي" (CNRS) ومؤلفة كتاب "الإخوانية وشبكاتها: التحقيق"، في حديثها لصحيفة "دي تليغراف" (De Telegraaf) الهولندية، لتدق ناقوس الخطر وتكشف ما وصفته بـ "الإيديولوجيا الخفية" الكامنة وراء تلك الاحتجاجات العنيفة، رابطةً بشكل مباشر بين ديناميات التخريب في الشارع الفرنسي وبين الاختراق المنهجي لشبكات جماعة الإخوان المسلمين، المتحالفة عضوياً وتكتيكياً مع تيارات اليسار الراديكالي.
تفكيك وهم "العفوية": الشغب كفعل معياري مؤدلج
ترفض بيرجو-بلاكير بحزم النظر إلى المشاركين في أعمال الشغب وحرق الممتلكات بوصفهم مجرد "رعاع" تائهين، أو عناصر منفلتة تفتقر إلى الوعي السياسي؛ إذ ترى أنّ هذا الطرح يُنكر حقيقة أساسية مفادها أنّ هؤلاء الشباب يتحركون داخل منظومة معيارية وإيديولوجية محددة تم تشكيلها وتغذيتها على مدار عقود.
وتوضح الباحثة أنّ عمليات النهب، واستهداف رموز الدولة الفرنسية، وتدمير المرافق العامة والاعتداء على رجال الشرطة، لا تُمارَس بوصفها جرائم عبثية في المنظور الذاتي لمرتكبيها، بل تُبرَّر داخل وسطهم بوصفها استهدافاً مشروعاً لـ "كفار" (Mécréants) أو "مستعمرين" (Colons).
وهنا يبرز الأثر الخفي لسنوات من التغلغل الإيديولوجي الإخواني؛ فالخطاب الحركي نجح في تحويل الدولة الفرنسية، بنموذجها الجمهوري والعلماني، إلى "عدو محتل ومستبد"، وزرع في نفوس الأجيال الناشئة في الضواحي سردية مظلومية مُركّبة تُقنع الفرد بأنّه في حالة حرب دائمة مع مجتمع مضطهِد يجب إسقاط هيبته وسلبه. هذا البناء النفسي والعقائدي هو الذي يحيل الفوضى المادية إلى ما يشبه "واجباً إيديولوجياً" يكتسب غطاءً أخلاقياً زائفاً في أعين منفذيه.
التحالف الهجين: براغماتية "ميلانشون" وشبكات "الإخوان"
تضع دراسة بيرجو-بلاكير يدها على العصب السياسي الحرج للأزمة، والمتمثل في التحالف غير المعلن بين اليسار الراديكالي الفرنسي، وتحديداً حزب "فرنسا الأبية" (LFI) بزعامة جان لوك ميلانشون، وبين أئمة وشبكات جماعة الإخوان المسلمين الناشطة في الضواحي والمناطق الحضرية الهامشية.
تصف الباحثة هذا اللقاء بأنّه زواج مصلحة شديد الخطورة؛ حيث اختار اليسار الشعبوي الراديكالي التخلي عن قضايا الطبقة العاملة التقليدية لتبنّي "سياسات الهوية"، متخذاً من الكتلة التصويتية الإسلامية في الضواحي رافعته الانتخابية الرئيسية. ولكي يحصل قادة هذا الحزب على مفاتيح تلك المناطق نسجوا علاقات وثيقة مع الأئمة والجمعيات المرتبطة بفكر الإخوان، التي تمثل السلطة الفعلية القادرة على ضبط وتوجيه الشارع وتعبئة الأصوات.
في المقابل، قدّم اليسار الراديكالي للإسلامويين غطاءً سياسياً وقانونياً وإعلامياً غير مسبوق:
ـ تبييض أعمال العنف: تصوير الاحتجاجات التخريبية على أنّها ثورة مشروعة ضد "عنصرية الدولة المزعومة"، والمزايدة في مهاجمة الشرطة الفرنسية ونزع الشرعية عن أدوات إنفاذ القانون.
ـ النزول إلى الشارع جنباً إلى جنب: التقاء مجموعات "البلاك بلوك" (Antifa) التابعة لليسار الفوضوي مع مجموعات الشباب المتشدد في الضواحي، لتنسيق الفوضى وإحداث شلل أمني يعتقد ميلانشون وتياره أنّه سيقود إلى زعزعة استقرار النظام القائم وخدمة طموحاته الرئاسية.
ـ شرعنة الخطاب الإخواني: تبني مصطلحات الجماعة وتدويرها في البرلمان والمنابر الإعلامية تحت لافتات حداثية خادعة مثل "مكافحة الإسلاموفوبيا" و"الدفاع عن الأقليات المضطهدة"، ممّا يمنح الإسلام الحركي حصانة ضد النقد والمساءلة.
استدعاء نموذج "الانتفاضة": تصدير الصراع إلى قلب الغرب
من بين الأطروحات المفصلية التي تسوقها بيرجو-بلاكير، هي أنّ العنف المنظم في فرنسا بات يستلهم صراحة تكتيكات "الانتفاضة"؛ فالشبكات الإخوانية لا تسعى إلى الاندماج أو إصلاح الخلل الاجتماعي، بل تكرّس عزل الضواحي وتحويلها إلى "كانتونات منفصلة" تحكمها الأعراف الدينية الصارمة ونفوذ الجماعة. وعندما تقع أيّ حادثة أمنية، تُفعل الماكينة الإخوانية شبكاتها لتسخين الشارع، عبر تصوير التدخل الأمني بوصفه "اعتداءً من قوى احتلال" على مجتمع محلي أعزل، في محاكاة مقصودة لنموذج الانتفاضات الشعبية في بؤر النزاع الإقليمية.
هذا التحويل للصراع الداخلي إلى "حالة جهادية منخفضة الحدة" يحقق هدفين استراتيجيين للجماعة:
ـ ابتزاز الدولة والبلديات: إجبار السلطات الفرنسية على تقديم تنازلات مؤسسية ومادية، والاعتراف بتلك الجمعيات الإخوانية كـ "مفاوض وحيد وممثل حصري" لتهدئة الضواحي، وهو جوهر مشروع "التمكين" الإخواني.
ـ قطع خطوط الرجعة على مسلمي فرنسا: تعميق القطيعة بين الأجيال المسلمة الشابة وبين مجتمعهم الفرنسي، وتدمير أيّ إمكانية للاندماج العلماني والمدني، عبر إشعارهم بأنّهم منبوذون ومستهدفون، ممّا يجعل الارتماء في أحضان الجماعة بديلاً وحيداً للهوية والحماية.
تحذير لأوروبا: هولندا ورياح الفوضى القادمة
لم تقصر بيرجو-بلاكير تحذيرها على الداخل الفرنسي، بل وجهت رسالة مباشرة وعاجلة إلى الرأي العام وصناع القرار في هولندا وعموم أوروبا، مؤكدة أنّ "الشبكات ذاتها التي تحرك خيوط الفوضى في فرنسا تنشط بالآليات ذاتها فوق الأراضي الهولندية والأوروبية".
وترى الباحثة أنّ هولندا، بما تمتلكه من مناخ تسامح مفرط وتسهيلات قانونية لتأسيس الجمعيات والتمويلات، تشكل بيئة مثالية لنمو تلك الشبكات الإخوانية التي تتحرك تحت أسماء جمعيات خيرية، ومراكز ثقافية، ومنظمات شبابية. وحذرت من أنّ التراخي الهولندي والأوروبي في مواجهة هذا التغلغل بحجة احترام التعددية الثقافية يكرر الخطأ القاتل نفسه الذي ارتكبته فرنسا لعقود؛ ممّا يمهد لولادة جيل موازٍ معادٍ للدولة الديمقراطية، قابل للاشتعال عند أول شرارة أو أزمة مفتعلة.
استحقاق اليقظة أمام "الإسلاموية المؤسسية"
إنّ الأهمية الفكرية لطرح فلورنس بيرجو-بلاكير ـ التي تدفع ثمن أبحاثها بالعيش تحت حماية أمنية مشددة إثر تهديدات طالت حياتها ـ تكمن في شجاعتها المنهجية لتسمية الأشياء بمسمياتها؛ إذ تسقط القناع عن الطبيعة المُركّبة لأعمال العنف، وتكشف كيف تتحول أدوات الديمقراطية وحرية التعبير إلى ثغرات يستغلها تحالف غير مقدس يجمع بين العدمية اليسارية الثورية والشمولية الإخوانية الهادفة لتقويض الدولة الوطنية.
تؤكد الدراسة أنّ حماية السلم الأهلي ومستقبل الديمقراطيات في أوروبا لم يعد شأناً أمنياً صرفاً، بل يتطلب قبل كل شيء وعياً إيديولوجياً واستراتيجياً يفصل فصلاً قاطعاً بين المواطنين المسلمين وحقوقهم الطبيعية في المواطنة الكاملة، وبين الشبكات الإخوانية التي تسعى لاختطافهم واستخدامهم كوقود لمعارك الهيمنة وإسقاط المجتمعات في مستنقع الفوضى والانقسام.
رابط الدراسة للاطلاع:
https://bergeaud.blackler.eu/actualites/netwerken-achter-franse-rellen-nederland-telegraaf/

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A74_0_1_2.jpg.webp?itok=8A8Zg-x4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_137.jpg.webp?itok=HnhMzQlS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%AF%D9%89_3.jpg.webp?itok=GzVSVcLb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_76_1_6.jpg.webp?itok=21uKhHnT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%860_5.png.webp?itok=uy9-QkPN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_41.jpg.webp?itok=On1h3rLn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_29.jpg.webp?itok=jjxltkfu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%86_79.jpg.webp?itok=7rXr9kK6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B4%D8%A7%D9%84_5.jpg.webp?itok=T4nm0oxH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A72_1.png.webp?itok=YYGzHrYP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_102.jpg.webp?itok=8kyi51xo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%88%D9%8A_1.jpg.webp?itok=PG4F23Pr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_2.png.webp?itok=KvwDNfyu)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%8A%D9%86_13.jpg.webp?itok=yRHQ2GxB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%831.png.webp?itok=pqRItlwk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_13.jpg.webp?itok=BSEQt7fN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%AC%D8%AF.png.webp?itok=UXF0wEpY)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%832.jpg.webp?itok=AQjEmokX)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_21.jpg.webp?itok=7QoqemGI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_7.jpg.webp?itok=wRDX_4Wm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_11.jpg.webp?itok=XKFZ_04A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%860_3.jpg.webp?itok=nAqwYt3Q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D8%A7%D9%8A_0.jpg.webp?itok=SXMpXSdR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
