أهلا بكم في مأزق العقل العربي!

أهلا بكم في مأزق العقل العربي!

أهلا بكم في مأزق العقل العربي!


25/01/2026

حين كتب مصطفى حجازي عن العصبيات وآفاتها كان كمن يضع نفسه في مواجهة مع الذات الجمعية بجرأة معرفية جارحة، ليس بقصد الإدانة الأخلاقية ولا بدافع جلد الذات، إنما بوصفٍ تشخيصي يكشف موقعنا الحقيقي بين زمنين، إذ لم يرَ العرب مجتمعات بدائية خارجة من التاريخ، كما لم يرَهم حداثةً مكتملة قادرة على إدارة ذاتها بعقل المواطنة، إنما رآهم عالقين في برزخ ملتبس، تتجاور فيه مؤسسات ذات واجهات حديثة مع وعي جمعي ما يزال محكومًا ببنى عصبوية فاعلة، تتحكم في السياسة والاقتصاد والعلاقات اليومية، حيث الطائفية والقبلية والمذهبية والحزبية الضيقة ليست بقايا خاملة من ماضٍ منقضٍ، إنما آليات حيّة يعاد إنتاجها يوميًا لتوزيع السلطة والامتياز، فتغدو الدولة الوطنية مشروعًا ناقص التحقق، وتبقى المواطنة شعارًا معلقًا في الخطاب، ويظل الوعد العقلاني مؤجلًا إلى إشعار غير معلوم.

وفي موضع آخر من الخريطة الفكرية، جاء عبد الله العروي ليُعمّق موضع العطب، مشيرًا إلى أن الخلل لا يقف عند العصبية الاجتماعية وحدها، إنما يمتد إلى صميم الوعي التاريخي ذاته، حيث لم تُنجز الذات العربية بعدُ القطيعة المعرفية التي تجعلها تنظر إلى نفسها بوصفها فاعلًا في الزمن، وليست موضوعًا له، فظلّ التذبذب قائمًا بين استدعاء ماضٍ يُستحضر بوصفه ملاذًا رمزيًا، ومحاكاةٍ للغرب تكتفي بالمظاهر الخارجية دون استيعاب منطقها التاريخي، وعند العروي ليست الحداثة مؤسسات تُستورد، إنما رؤية تاريخانية تُعيد قراءة الماضي بعين نقدية، وتُنتج الحاضر باعتباره فعلًا عقلانيًا، ومن دون هذا الشرط تظل الإيديولوجيا العربية المعاصرة مجرد ترقيع لغوي، عاجزة عن حمل مشروع نهضوي ذي جذور.

أما علي الوردي، فقد اقترب من المجتمع من داخله، وليس من علياء التجريد الفلسفي، كاشفًا عن الازدواجية العميقة التي تمزق الفرد العربي بين منظومتين قيميّتين متناقضتين، إذ يمجّد العصبية والغلبة عند اشتداد الأزمات، ثم يتغنى بالمدنية والتسامح حين ينشد الاستقرار، فتتكوّن حالة اضطراب دائم، تُرفع فيها شعارات الحداثة، غير أنّ السلوك الفعلي يرتد سريعًا إلى الولاءات الضيقة عند أول اختبار، وهنا يتصل خيط الوردي بحجازي اتصالًا عضويًا، لأن العصبية لا تظهر بوصفها بنية سلطوية فحسب، إنما نمطًا قيميًا متغلغلًا في الوعي اليومي، يعيد إنتاج نفسه تلقائيًا.

ومع محمد عابد الجابري تنتقل المشكلة إلى مستوى أعمق، مستوى البنية الإبستمولوجية للعقل ذاته، إذ رأى أن تعثر النهضة يعود إلى بقاء العقل العربي أسير بنيات معرفية موروثة، حيث لم يُفسح المجال للعقل البرهاني النقدي الذي أسس للتنوير الحديث، وبقي البيان والعرفان مهيمنين على آليات التفكير، فنستهلك التقنية ونبني مؤسسات حديثة، وليس لدينا إنتاج متين لمعرفة عقلانية نقدية، ومن دون إعادة تأسيس هذا العقل، يظل أي إصلاح سياسي أو اجتماعي مهددًا بالارتداد والنكوص.

ويذهب هشام شرابي إلى أن المجتمعات العربية، حتى حين تبنت مؤسسات حديثة، أعادت إنتاج بنيتها الأبوية داخل هذه المؤسسات ذاتها، فالسلطة تُدار بمنطق الأب المتسلط، والأسرة تُعيد تشكيل الطاعة، والاقتصاد يرسّخ الزبونية، في ما أسماه “الأبوية الجديدة”، حيث لم تختفِ الأبوية القديمة، إنما ارتدت قناعًا تكنولوجيًا عصريًا، وبذلك تغدو الديمقراطية ممارسة شكلية، أقرب إلى مسرح سياسي، تؤديه أنظمة تستند في عمقها إلى المنطق ذاته الذي حكم القبيلة والعائلة، وهنا يتلاقى شرابي مع حجازي في أن المظهر الحديث ليس كافيًا لتجاوز البنية العميقة، وأن العصبية والأبوية أداتان متجدّدتان لتكريس الاستبداد.

ويأتي مالك بن نبي ليضع الإصبع على الجرح الأشد حساسية، حين يؤكد أن الهزيمة ليست فعل الخارج وحده، إنما استعداد داخلي سمّاه “القابلية للاستعمار”، فالأمة التي لا تُنتج أفكارًا حيّة، ولا تُعيد تنظيم علاقتها بالزمن والعمل والإنسان، تظل عاجزة عن المقاومة الفعلية، حتى وهي ترفع شعارات التحرر، وهنا تتحول العصبية عند حجازي، والازدواجية عند الوردي، والأبوية عند شرابي، إلى عناصر داخلية تُغذّي هذه القابلية، وتفتح الباب للغزو الخارجي، لأن التحرر الحقيقي يبدأ من الداخل، من إعادة إنتاج الفكرة الحيّة التي تصنع الوعي وتمنح المناعة.

ثم يأتي إدوارد سعيد ليكشف البعد الثقافي لعلاقات القوة، موضحًا كيف صاغ الغرب صورة “الشرق” بوصفه موضوعًا للهيمنة، لا شريكًا في المعرفة، فالاستشراق لم يكن خطابًا بريئًا، إنما أداة سلطة، والأخطر أن بعض النخب العربية استبطنت هذا الخطاب أو ردّت عليه بردود عصبية زادت من ترسيخه، وعند سعيد ليست المعركة مع الذات وحدها، إنما مع خطاب الآخر الذي يعيد إنتاجنا ضمن موقع التابع، ولهذا يغدو التحرر الثقافي والمعرفي شرطًا ملازمًا للتحرر السياسي.

وحين تتجاور هذه الأطروحات جميعًا، تتشكل خريطة واحدة متعددة المداخل، متفقة في الجوهر، تشير إلى أن الحداثة العربية بقيت سطحية لأنها لم تمسّ البنية العميقة، فحجازي يفضح العصبية، والعروي يطالب بالتاريخانية، والوردي يكشف الازدواجية، والجابري ينبه إلى مأزق العقل، وشرابي يعرّي الأبوية، وبن نبي يفضح القابلية للاستعمار، وسعيد يكشف خطاب الهيمنة، لتتكامل هذه الحلقات في تشخيص دائرة حداثة معلّقة، دول بمؤسسات شكلية، ومجتمعات بواجهات حضرية، إنما عقلها الجمعي وسلوكها السياسي والثقافي ما زالا أسرى بنى قديمة.

ومع ذلك، فإن هذه الخريطة، على قتامتها الظاهرة، ليس مقصدها إغلاق أفق الأمل، إنما فتحه على شرطه الحقيقي، إذ ما لم تتكامل هذه الرؤى في مشروع شامل يعالج البنية الاجتماعية والثقافية والعقلية والسياسية معًا، تظل كل محاولة إصلاح مجرد تجميل للقشرة، أما إذا التقت هذه الجهود في أفق نهضوي متكامل، فقد يصبح ممكنًا أن يجد العرب طريقهم إلى حداثة أصيلة، حداثة لا تستنسخ الغرب، وليس فيها تقوقع في الماضي، إنما تُصاغ من داخل الذات، وتخاطب العالم بندّية ووعي جديد.

عن صفحة الكاتب الشخصية في فيسبوك



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية