
يمكن القول إنّ السؤال المطروح أمام الحكومات الأوروبية لم يعد مقتصرًا على كيفية منع الهجمات الإرهابية، بل أصبح يشمل أيضًا كيفية التعامل مع الشبكات التنظيمية والمالية والإيديولوجية التي قد تستغل المؤسسات المدنية لتوسيع نفوذها.
مواجهة هذه الظواهر تتطلب تطوير أدوات أكثر شمولًا، تشمل تتبع مصادر التمويل، والتحقق من الروابط التنظيمية العابرة للحدود، ومواجهة التدخلات الخارجية غير المشروعة، وضمان عدم استغلال الأموال العامة أو المؤسسات المدنية في أنشطة مخالفة للقانون.
ويمكن القول إنّ اعتماد البرلمان الأوروبي، في 8 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، قرارًا يدعو إلى استراتيجية أوروبية لمواجهة التغلغل الإسلاموي ونفوذ شبكات الإخوان المسلمين يعكس انتقال النقاش من نطاق السياسات الوطنية إلى مستوى التنسيق الأوروبي الأوسع، رغم استمرار الخلافات بشأن الأدوات المناسبة وحدود التدخل القانوني. لكنّ فاعلية هذه المقاربة ستظل مرتبطة بوضوح المعايير القانونية، وتوافر الأدلة، والتمييز بين النشاط المشروع والممارسات التي تنتهك القوانين، محذرًا من أنّ التوسع في الاشتباه دون أسس موضوعية قد يقوض الثقة في المؤسسات ويضعف شرعية الإجراءات الأمنية.
الإسلاموية وتنامي الخطاب الشعبوي
ينبغي الحذر من أن تتحول مواجهة الإسلاموية السياسية إلى مدخل لاستهداف المسلمين عمومًا، في ظل تنامي خطاب اليمين الشعبوي والمتطرف في بعض الدول الأوروبية، معتبرًا أنّ الخلط بين الإسلام والإسلاموية لا يضر بالتعايش المجتمعي وحده، بل يمنح الجماعات المتطرفة فرصة لتصوير المسلمين باعتبارهم في مواجهة دائمة مع المجتمعات التي يعيشون فيها.
وينبغي التأكيد أنّ جماعات الإسلام السياسي لا تملك حق احتكار تمثيل المسلمين أو التحدث باسمهم، مثلما لا يحق لتيارات اليمين المتطرف احتكار تعريف الهوية الأوروبية أو تحديد من يستحق الانتماء إلى المجتمعات الأوروبية. ذلك أنّ المسلمين في أوروبا يمثلون أطيافًا فكرية واجتماعية متنوعة، ومن حقهم ممارسة شعائرهم والمشاركة في الحياة العامة على قدم المساواة مع غيرهم، بعيدًا عن أيّ وصاية دينية أو سياسية.
الدفاع عن الديمقراطية يقتضي حماية حرية الاعتقاد وممارسة الدين، وكذلك حرية عدم الاعتقاد، وصون حقوق النساء والأقليات، ومنع أيّ جماعة من فرض مرجعيتها الإيديولوجية على الأفراد خارج إطار القانون. وبالتأكيد أوروبا ليست مضطرة إلى الاختيار بين التساهل مع الإسلاموية والخوف من مواطنيها المسلمين، بل تحتاج إلى مقاربة تحمي مجتمعاتها من التطرف، دون التخلي عن الحريات والحقوق التي تشكل أساس أنظمتها الديمقراطية، حيث إنّ مواجهة التطرف، سواء اتخذ شكلًا دينيًا متشددًا أو خطابًا يمينيًا إقصائيًا، يجب أن تنطلق من معيار واحد هو احترام القانون والمساواة وحقوق الإنسان، محذرًا من أنّ الديمقراطية قد تفقد جوهرها إذا تخلت عن مبادئها بذريعة الدفاع عن نفسها.
ظاهرة متعددة المصادر
لم تعد معضلة الإرهاب في أوروبا مرتبطة بتنظيمات محددة أو إيديولوجيات مغلقة، بل باتت ظاهرة متعددة المصادر، تتداخل فيها الدوافع الفكرية مع التحولات الاجتماعية والتوترات السياسية والتطورات التكنولوجية. وفي الوقت الذي تواصل فيه الدول الأوروبية تطوير تشريعاتها وأجهزتها الأمنية، تتغير أنماط التهديد بوتيرة متسارعة، من الهجمات التي تنفذها تنظيمات منظمة إلى أعمال عنف يرتكبها أفراد بصورة مستقلة، أو تتشكل دوافعها داخل مجتمعات رقمية عابرة للحدود. وتتجاوز العوامل المغذية لهذه الظاهرة حدود الاعتبارات الأمنية المباشرة؛ إذ تطرح التحولات الديموغرافية وتعاقب أجيال المهاجرين، وما يصاحبها من تحديات الاندماج والانتماء، أسئلة معقدة بشأن العلاقة بين التنوع المجتمعي والتماسك الوطني. وتزداد هذه التحديات حدة حين تتقاطع مع الاستقطاب السياسي والخطابات الإقصائية، بما قد يفاقم الشعور بالتهميش لدى بعض الفئات، ويوفر بيئة تستغلها التيارات المتطرفة لترويج أفكارها وتوسيع نطاق تأثيرها.
وفي موازاة ذلك، أسهمت الثغرات التشريعية والتفاوت في تعريف التهديدات والتعامل معها بين الدول في خلق مساحات تتحرك خلالها بعض التيارات المتشددة، بينما أتاح الفضاء الرقمي وسائل جديدة للتجنيد والدعاية والتواصل، وجعل انتقال الأفكار المتطرفة إلى ممارسات عنيفة أكثر سرعة وتعقيدًا. وضمن هذا السياق، يقدّم تقرير الاتحاد الأوروبي بشأن حالة الإرهاب واتجاهاته لعام 2026، المعروف اختصارًا باسم EU TE-SAT، قراءة لأنماط التهديد الإرهابي وتطوراته، كاشفًا عن تعدد مرجعياته الفكرية وتداخل بعض مكوناته. وتثير هذه المعطيات تساؤلات بشأن مدى قدرة السياسات الأوروبية على مواكبة التحولات، ومدى اتساق المقاربات المعتمدة في مواجهة مختلف التيارات، فضلًا عن التداعيات الأمنية والسياسية المحتملة لاستمرار التباين في تعريف مصادر الخطر والتعامل معها.
يعتمد التقرير الأوروبي تصنيفًا منهجيًا للتهديدات الإرهابية يقوم على أربعة أنماط رئيسية: الجهادي، واليميني، واليساري والفوضوي، والقومي الإثني والانفصالي. غير أنّ هذا التقسيم لا يعني وجود حدود فكرية واضحة وثابتة بين هذه الأنماط؛ إذ يرصد التقرير تراجع الالتزام بأطر إيديولوجية متماسكة، وصعود أنماط من العنف تتشكل دوافعها من خليط من المعتقدات والمظالم والتأثيرات الثقافية. ويبرز هذا التداخل بصورة خاصة في الإرهاب الجهادي والتطرف العنيف اليميني، حيث لم يعد الانتماء إلى تنظيم هرمي أو تبنّي عقيدة متكاملة شرطًا للانتقال إلى العنف. وفي حالات عديدة، باتت البيئات الرقمية والشبكات غير الرسمية تؤدي دورًا مؤثرًا في تشكيل القناعات وتوجيه السلوك، بما يصعب معه حصر التهديد في التنظيمات المعروفة وحدها.
يكشف التقرير عن استمرار النشاط الجهادي بوصفه أحد أبرز مصادر التهديد الإرهابي داخل أوروبا، مع تنامي دور الأفراد الذين يتحركون بصورة مستقلة أو ضمن شبكات غير رسمية تجمع أصحاب التوجهات المتقاربة، من دون ارتباط تنظيمي هرمي واضح. وقد نُفذت الهجمات الإرهابية المكتملة التي يرصدها التقرير بوساطة أفراد منفردين، استخدموا وسائل بسيطة ومتاحة، مثل الأسلحة البيضاء والنارية، من دون الحاجة إلى تلقي تعليمات مباشرة من قيادة تنظيمية. وفي المقابل، أظهرت التحقيقات تنوعًا في خلفيات المشتبه بهم ومرجعياتهم، بين مؤيدين لتنظيمي "داعش والقاعدة"، وأفراد متأثرين بتيارات متشددة أخرى لا تنتمي بالضرورة إلى السلفية الجهادية. وفي المجال الدعائي، يواصل تنظيم داعش توظيف خطاب يقوم على احتكار تمثيل المسلمين، والطعن في شرعية التيارات المنافسة، بما فيها تنظيم القاعدة، فضلًا عن انتقاد جماعات يعتبرها متقاعسة عن تبنّي نهجه، ومن بينها جماعة الإخوان المسلمين وبعض التيارات السلفية.
كذلك يركز التنظيم على تقديم الأحداث السياسية والدينية بوصفها أدلة على استهداف الإسلام والمسلمين، مستثمرًا الصراع في غزة، وحوادث حرق المصحف أو تدنيسه، وبعض الإجراءات المتصلة بمكافحة الإرهاب، لتعزيز سردية المظلومية واستقطاب المتعاطفين. ولا يقتصر هذا الخطاب على الترويج للأفكار، بل يتضمن تمجيد منفذي الهجمات وتقديمهم نماذج يُحتذى بها، في محاولة لتحويل العمليات الفردية إلى أدوات للتعبئة والتحريض على تكرار العنف، حتى في غياب توجيه مباشر من التنظيم. ويقوم الإرهاب اليميني المتطرف على رفض أسس النظام الديمقراطي والسعي إلى إعادة تشكيل النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي وفق تصورات سلطوية، تستند في كثير من الأحيان إلى ادعاءات التفوق العرقي أو الثقافي لجماعة على أخرى.
ويشير التقرير إلى أنّ هذا النمط يعتمد بدرجة كبيرة على أفراد منفردين وخلايا محدودة العدد، لكنّ استقلالية المنفذين لا تعني انقطاعهم عن محيط متطرف أوسع؛ إذ يتأثر بعضهم بشبكات رقمية ومجتمعات افتراضية، وقد تنشأ بينهم روابط مباشرة تسهم في تداول الأفكار والخبرات وتسهيل الانتقال من التحريض إلى النشاط العملي. ولم يعد تسليح هذه التيارات مقتصرًا على الأدوات التقليدية، مثل الأسلحة النارية والبيضاء والمتفجرات البدائية، بل امتد الاهتمام إلى وسائل أكثر تطورًا، من بينها الأسلحة المصنعة بالطباعة ثلاثية الأبعاد والطائرات المُسيّرة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_76_1_6.jpg.webp?itok=21uKhHnT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_9.jpg.webp?itok=cJkeDBI8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_137.jpg.webp?itok=HnhMzQlS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_29.jpg.webp?itok=jjxltkfu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%860_5.png.webp?itok=uy9-QkPN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%AF%D9%89_3.jpg.webp?itok=GzVSVcLb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%86_79.jpg.webp?itok=7rXr9kK6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A74_0_1_2.jpg.webp?itok=8A8Zg-x4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B4%D8%A7%D9%84_5.jpg.webp?itok=T4nm0oxH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_2.png.webp?itok=KvwDNfyu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A72_1.png.webp?itok=YYGzHrYP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%8A%D9%86_13.jpg.webp?itok=yRHQ2GxB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%88%D9%8A_1.jpg.webp?itok=PG4F23Pr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_102.jpg.webp?itok=8kyi51xo)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%831.png.webp?itok=pqRItlwk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_2_1.jpg.webp?itok=e_F0F3EZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%AC%D8%AF.png.webp?itok=UXF0wEpY)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%832.jpg.webp?itok=AQjEmokX)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%860_3.jpg.webp?itok=nAqwYt3Q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_21.jpg.webp?itok=7QoqemGI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_11.jpg.webp?itok=XKFZ_04A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_7.jpg.webp?itok=wRDX_4Wm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D8%A7%D9%8A_0.jpg.webp?itok=SXMpXSdR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
