فرنسا... كيف خرج الإخوان من رحم البيئة الإسلامية الطلابية؟ (3 ـ 1)

فرنسا... كيف خرج الإخوان من رحم البيئة الإسلامية الطلابية؟ (3 ـ 1)

فرنسا... كيف خرج الإخوان من رحم البيئة الإسلامية الطلابية؟ (3 ـ 1)


25/10/2026

جاء تشكّل الوجود الإخواني في فرنسا نتيجة مسار طويل ومعقد، فلم يصل إلى البلاد في صورة تنظيم مكتمل المعالم، وإنّما بدأ في بيئة اجتماعية ودينية أخذت تتسع تدريجيًا مع نمو الجاليات المسلمة وتزايد أعداد الطلاب القادمين من البلدان العربية والإسلامية، وما صاحب ذلك من محاولات لتأسيس جمعيات ومؤسسات تُعنى بالنشاط الديني والثقافي. وداخل هذه البيئة وجدت الأفكار المرتبطة بالإسلام الحركي طريقها إلى مساحات لم تكن قد استقرت بعد على شكل محدد للعمل الإسلاموي، فتقاطعت مبادرات قادمة من مصر وسوريا وتونس وغيرها، وتداخل النشاط الدعوي والثقافي مع محاولات بناء أطر تنظيمية أكثر تماسكًا، إلى أن بدأت تتبلور الملامح الأولى لتنظيم إسلاموي سيصبح، مع مرور السنوات، نقطة الارتكاز الأساسية لشبكة الإخوان المسلمين في فرنسا. ويقتضي فهم هذه التجربة، بالتالي، العودة إلى الظروف الاجتماعية والدينية التي مهدت لظهور التنظيم، وتتبع الشبكات البشرية والفكرية التي أسهمت في انتقال أفكار الجماعة إلى أوروبا، ثم رصد الكيفية التي تحولت بها هذه الروابط تدريجيًا إلى مؤسسات قادرة على الاستمرار والتوسع داخل المجتمع الفرنسي.

من الهجرة العمالية إلى تشكّل المجال الإسلامي الفرنسي

بعد الحرب العالمية الثانية كانت فرنسا قد دخلت مرحلة جديدة في علاقتها بالمسلمين، خصوصًا مع اتساع الهجرة القادمة من شمال أفريقيا، وفي القلب منها الجزائر ثم المغرب وتونس. لم تكن هذه الهجرة في بدايتها مشروعًا إسلاميًا سياسيًا، بل كانت في جانب كبير منها هجرة عمالية مرتبطة بحاجة الاقتصاد الفرنسي إلى الأيدي العاملة. كان العامل المسلم يعيش ويعمل داخل مجتمع فرنسي علماني، ويحافظ في الوقت نفسه على شعائر دينية تمارس غالبًا في نطاق محدود، بينما ظلت المؤسسات الإسلامية قليلة ومبعثرة. وكان مسجد باريس أحد المراكز المهمة في هذه البيئة، لكنّه لم يكن وحده؛ فقد ظهرت جمعيات ومساحات دينية وثقافية متعددة، من بينها "رابطة المسلمين في أوروبا" (Amicale des musulmans en Europe) التي تأسست في الستينيات وأصدرت منذ عام 1967 مجلة France-Islam، وهي وثيقة مهمة لفهم طبيعة المشهد الإسلامي الفرنسي قبل أن يصبح الإسلام الحركي لاعبًا رئيسيًا فيه.

محمد حميد الله ونشأة البيئة الطلابية الإسلامية 

داخل هذه البيئة ظهر اسم محمد حميد الله، العالم الهندي المسلم الذي استقر في فرنسا بعد خروجه من حيدر آباد عام 1948، وعمل في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS) بين عامي 1954 و1978. ارتبط حميد الله بدوائر الإخوان المسلمين، ولا سيّما الفرع السوري، وجمعته صلات بسعيد رمضان، أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بالتنظيم، وارتبط اسمه بتأسيس المركز الإسلامي في جنيف عام 1961. وأسهم حضوره الفكري وصلاته بالدوائر الإسلامية في استقطاب طلاب مسلمين من جنسيات مختلفة، لتنشأ في باريس عام 1962 نواة جمعية طلابية تحولت في العام التالي إلى "جمعية الطلاب الإسلاميين في فرنسا" (AEIF)، التي أصبحت إحدى المحطات المبكرة في تشكّل الشبكات الإسلامية المنظمة داخل فرنسا. 

وتكشف تفاصيل النشأة الأولى أنّ الجمعية لم تولد بوصفها فرعًا فرنسيًا للإخوان المسلمين. كان الطلاب الذين يجتمعون بعد صلاة الجمعة في مسجد باريس يريدون إنشاء جمعية تجمعهم، وكان الاسم المقترح في البداية "جمعية الطلاب المسلمين في فرنسا"، لكنّ حميد الله دفع باتجاه اسم "جمعية الطلاب الإسلاميين في فرنسا". وفي 2 أيلول (سبتمبر) 1963 سُجلت الجمعية رسميًا، ثم نشر إعلان تأسيسها في الجريدة الرسمية الفرنسية في 3 تشرين الأول (أكتوبر) من العام نفسه.

وفي الوقت نفسه لم تكن هذه البيئة خالية من تيارات إسلامية أخرى. فحركة التبليغ كانت قد بدأت تجد لها حضورًا بين المسلمين في فرنسا منذ الستينيات، ولا سيّما بين العمال القادمين من شمال أفريقيا، قبل أن تتخذ لنفسها أطرًا أكثر انتظامًا في السبعينيات. وهذا التفصيل مهم لأنّ نشأة الإسلام الحركي في فرنسا لم تحدث داخل فراغ، كما أنّه يوضح أنّ "الإسلاميين" في فرنسا لم يكونوا كتلة واحدة، وأنّ التبليغ مثلًا كان تيارًا مستقلًا عن الإخوان، حتى لو التقت بعض البيئات البشرية أو المساجد أو الأفراد في بعض المراحل.

ومع مرور الوقت بدأ التكوين الطلابي العام يتحول إلى ساحة للتنافس بين تيارات أكثر تحديدًا. وكان العامل التونسي شديد الأهمية في هذه المرحلة. فطلاب إسلاميون تونسيون، ارتبط بعضهم بالحركة التي عُرفت باسم "حركة الاتجاه الإسلامي" MTI، وجدوا طريقهم إلىAEIF، وهنا بدأت الصلة بين البيئة الطلابية الفرنسية وشبكات الإخوان المسلمين تصبح أكثر وضوحًا. ويشير محضر لجنة التحقيق في مجلس الشيوخ الفرنسي عام 2020 إلى أنّ دخول هؤلاء الطلاب التونسيين أدى إلى ارتباط AEIF الناشئة بالفرع المصري من الإخوان المسلمين، بينما ظل جزء كبير من أعضاء الجمعية تحت تأثير الفرع السوري.  

التنافس التنظيمي والانفصال وتأسيس GIF

هذه الجملة الواردة في الوثيقة البرلمانية الفرنسية تكشف شيئًا بالغ الأهمية: لم يكن "الإخوان" في فرنسا آنذاك تنظيمًا واحدًا مستقرًا، بل كانت هناك تأثيرات متقاطعة لفروع مختلفة من التنظيم الدولي، وكان الطلاب التونسيون يتحركون داخل شبكة أوسع من الإسلاميين العرب. ومن هنا بدأت فرنسا تتحول من مجرد محطة للدراسة أو الهجرة إلى مساحة لإعادة ترتيب العلاقات بين الإسلاميين أنفسهم.

وكان راشد الغنوشي واحدًا من الشخصيات التي مرت بهذه البيئة في تلك المرحلة. وتذكر دراسة للباحث لورنزو فيدينو أنّه شغل منصب سكرتير AEIF في عامي 1968 و1969، قبل أن يصبح لاحقًا أبرز قادة الحركة الإسلامية التونسية. 

ومع اقتراب نهاية السبعينيات، وصل التوتر داخل هذه البيئة إلى لحظة فاصلة. فبحسب الرواية التي أوردتها لجنة التحقيق في مجلس الشيوخ الفرنسي، غادر المؤيدون للاتجاه المصري داخل AEIF الجمعية عام 1979، وأسّسوا "التجمع الإسلامي في فرنسا" GIF. ويقدّم لورنزو فيدينو الرواية نفسها بصورة أكثر مباشرة، معتبرًا أنّ مجموعة صغيرة من أعضاء AEIF الذين تبنوا الرؤية طويلة المدى للفرع المصري أرادت نقل النشاط من الإطار الطلابي إلى التأثير في المسلمين المقيمين في فرنسا، فأنشأت GIF.  

هنا تحديدًا يمكن القول إنّ شيئًا جديدًا بدأ يتشكل. فـAEIF  كانت جمعية طلابية ذات طابع ديني وفكري، أمّا GIF فكان يحمل منذ البداية طموحًا مختلفًا: الانتقال من جمع الطلاب إلى العمل وسط المسلمين المقيمين في فرنسا. لم تعد المسألة مجرد تدريس الإسلام أو نشر الكتب، وإنّما بناء حضور منظم داخل المجتمع المسلم الفرنسي نفسه. لكنّ التأسيس التنظيمي لم يكن نهاية الطريق، بل كانت تونس على وشك أن تدفع بالمشروع خطوة أخرى إلى الأمام.

شهدت تونس عام 1981 تصاعدًا في المواجهة بين نظام الحبيب بورقيبة والحركة الإسلامية التونسية، في ظل تنامي نشاطها السياسي والتنظيمي. واتخذت السلطات إجراءات ضد قيادات الحركة وأنصارها، وغادر عدد من الإسلاميين تونس إلى الخارج، وكانت فرنسا إحدى وجهاتهم. ويشير مجلس الشيوخ الفرنسي إلى وصول إسلاميين تونسيين إلى فرنسا في أعقاب هذه التطورات، وانضمام عدد منهم إلى مجموعة الإسلام في فرنسا (GIF). وتؤكد الدراسات الأكاديمية التي بحثت النشاط الإسلامي التونسي في فرنسا أهمية هذه الهجرة السياسية في زيادة الوزن البشري والتنظيمي للشبكة الإسلامية التي كانت قد بدأت تتشكل في فرنسا منذ السبعينيات.  

الهجرة التونسية وتأسيس اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا

وهنا تلتقي ثلاثة مسارات في نقطة واحدة: بيئة AEIF القديمة، والانفصال الذي أنتج GIF عام 1979، ثم موجة الإسلاميين التونسيين التي وصلت بعد 1981. وفي الخلفية كانت هناك شخصيات ذات وزن فكري وتنظيمي، أبرزها اللبناني فيصل مولوي، الذي كان قد ارتبط بالبيئة الإسلامية في باريس ثم أصبح لاحقًا من أهم المرجعيات التي أثرت في المشروع الجديد، إلى جانب راشد الغنوشي الذي أصبح قائد الحركة الإسلامية التونسية.

وفي صيف 1983 وصلت العملية إلى لحظة التأسيس المؤسسي الجديد. ففي مدينة نانسي بمقاطعة مورث وموزيل تأسس "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا" UOIF. لم تولد UOIF من قرار يصدره فرع مصري للإخوان بتعيين مكتب فرنسي، وإنّما خرجت من شبكة تكونت تدريجيًا على الأرض الفرنسية، بدأت بطلاب، ثم جمعيات، ثم تيارات إسلامية متنافسة، ثم انفصال تنظيمي، ثم موجة من الإسلاميين المنفيين، قبل أن تتجمع هذه الخبرات في اتحاد جديد.

وهكذا، إذا أردنا فهم قصة الإخوان في فرنسا بعيدًا عن الأساطير التنظيمية المبسطة، فإنّ البداية لا تكون عند UOIF، وإنّما قبلها بعشرين عامًا تقريبًا. تبدأ القصة من مسجد باريس، ومن طلاب اجتمعوا حول محمد حميد الله، ومن جمعية لم تكن إخوانية في لحظة تأسيسها، ومن كتب وأفكار جاءت من خارج فرنسا، ومن إسلاميين تونسيين وسوريين ومصريين تقاطعوا داخل البيئة نفسها، ثم من صراع داخلي انتهى بخروج تيار وتأسيس GIF.

كان الفرق بين المرحلة الأولى والثانية أنّ الإسلاميين لم يعودوا يبحثون فقط عن مكان يمارسون فيه دينهم أو يدرسون أفكارهم؛ أصبحوا يبحثون عن صيغة تنظيمية تستطيع البقاء داخل المجتمع الفرنسي والتأثير فيه. وفي عام 1983 وُلدت  UOIF.

لكنّ ولادتها لم تكن هي اللحظة التي أصبح فيها الإخوان قوة ظاهرة في فرنسا؛ كانت مجرد بداية مرحلة جديدة. ففي السنوات التالية سيتغير السؤال من "كيف ننظم أنفسنا؟" إلى "كيف نبني شبكة؟"، ومن الجمعية الصغيرة إلى المسجد، ومن المسجد إلى المدرسة والمعهد، ومن النشاط الديني إلى المجال العام، وصولًا إلى لحظة ستجبر الدولة الفرنسية نفسها على التعامل مع هذا التيار بوصفه فاعلًا داخل المشهد الإسلامي والسياسي الفرنسي.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية