أوروبا تغيّر قواعد المواجهة... من مكافحة الإرهاب إلى تطويق النفوذ الإخواني

أوروبا تغيّر قواعد المواجهة... من مكافحة الإرهاب إلى تطويق النفوذ الإخواني

أوروبا تغيّر قواعد المواجهة... من مكافحة الإرهاب إلى تطويق النفوذ الإخواني


22/10/2026

أعادت أحداث "السابع من أكتوبر 2023" طرح تساؤلات حول علاقات بعض تيارات الإسلام السياسي، وخاصة الإخوان، بالتنظيمات المسلحة والقوى الإقليمية، بما فيها إيران والحرس الثوري، مع ضرورة التمييز بين التقاطعات السياسية والعلاقات التنظيمية المثبتة.

نحن إذن أمام تحول في التفكير الغربي، من التركيز على التهديد الأمني المباشر إلى دراسة البنية الاجتماعية والمالية والفكرية التي قد تسمح بنشوء نفوذ سياسي طويل الأمد. غير أنّ التحدي الأساسي يبقى في مواجهة أيّ نشاط غير قانوني أو تهديد للمؤسسات الديمقراطية، من دون الخلط بين الإسلام السياسي بمختلف تياراته، والعمل المدني والديني المشروع.

مواجهة صارمة في فرنسا

كشف وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز عن توجه حكومته نحو تشديد المواجهة مع "التغلغل" و"الانفصالية" من قبل الإسلاموية، معلنًا عزمه تقديم مشروع قانون جديد يستهدف هذه الظواهر، في إطار التعامل مع التحديات المرتبطة بالعلاقة بين الإسلام ومؤسسات الجمهورية الفرنسية، وذلك في أيار/مايو الماضي.

وقال نونيز، في مقابلة مع صحيفة "لوموند": إنّ موقفه لا يستهدف الإسلام في حد ذاته، مضيفًا: "لا مشكلة لديّ مع الإسلام في فرنسا، لكنني أواجه من يستخدمونه لتقويض جمهوريتنا". وأوضح الوزير أنّ الحكومة انتقلت من التركيز على قضايا الإرهاب والانفصالية والتطرف العنيف إلى مواجهة "التغلغل" الإسلاموي، في إشارة إلى محاولات يُشتبه في أنّها تستهدف توسيع النفوذ داخل المجتمع والمؤسسات.

وفي سياق حديثه عن أسباب محاولته منع فعالية نظمتها منظمة "مسلمو فرنسا" في الأول من نيسان/أبريل، وهي منظمة لها صلات وثيقة بجماعة الإخوان، أشار نونيز إلى أنّ عددًا من المتحدثين المشاركين في الفعالية سبق أن أدلوا بتصريحات أثارت، بحسب تقديره، تساؤلات بشأن مدى التزامهم بقيم الجمهورية الفرنسية.

وأضاف أنّ بعض الكتب المعروضة للبيع خلال الفعالية أثارت بدورها مخاوف لدى السلطات، موضحًا أنّ تقييم الحكومة للحدث تغيّر مقارنة بالسنوات السابقة. وجاءت محاولة المنع رغم رفض القضاء الإداري الفرنسي قرار السلطات، في تطور يعكس الجدل القانوني والسياسي المحيط بحدود تدخل الدولة لمواجهة ما تعتبره تهديدًا لقيم الجمهورية.

وبالتوازي مع هذه القضية، كشف نونيز عن إعداد مشروع قانون جديد لمكافحة "التغلغل" و"الانفصالية"، من المقرر عرضه على مجلس الوزراء خلال الأسابيع التالية للمقابلة. ويأتي ذلك مع استعداد مجلس الشيوخ الفرنسي، في 5 أيار/مايو، لمناقشة مشروع قانون تقدم به وزير الداخلية السابق برونو ريتايو لمكافحة "التغلغل الإسلاموي"، بما يضع ملف نفوذ التيارات الإسلامية داخل المجتمع والمؤسسات الفرنسية في صلب النقاش السياسي والتشريعي.

خطة عمل جديدة في ألمانيا

من الأمور اللافتة أنّ الحكومة الألمانية باشرت في خطة عمل جديدة من 10 نقاط لتعزيز الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب الإسلاموي والتطرف، تتضمن تشديد إجراءات المراقبة الإلكترونية والاحتجاز الوقائي للأشخاص المصنفين خطرًا أمنيًا، إلى جانب تعديلات على القوانين الجنائية وقانون قضاء الأحداث. وأعلنت الحكومة الاتحادية، في منتصف أيلول/سبتمبر الماضي، أنّ الخطة التي أعدتها وزارتا الداخلية والعدل تستهدف تعزيز حماية المواطنين من الإرهاب والتطرف، مع الحفاظ على الحريات وسيادة القانون.

وقال وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت: إنّ "الإسلاموية، وجميع أشكال التطرف الأخرى، ستُواجَه بحزم باستخدام أدوات دولة القانون". وتشمل التدابير الجديدة توحيد القواعد المنظمة للمراقبة الإلكترونية للأشخاص الذين يشكلون تهديدًا أمنيًا، باستخدام السوار الإلكتروني، إلى جانب تنظيم إجراءات الاحتجاز الوقائي لهذه الفئة. وتتضمن الخطة تعديلات على القانون الجنائي، من بينها رفع الحد الأدنى لعقوبة السجن في جرائم الاعتداء الجسدي الخطير باستخدام السكاكين إلى عام واحد.

وفي ما يتعلق بقضاء الأحداث، تعتزم الحكومة إدراج اعتبارات الأمن العام صراحةً في التشريعات المنظمة له، إلى جانب منحها وزنًا أكبر عند اتخاذ القرارات المتعلقة بوقف تنفيذ العقوبات. وقالت وزيرة العدل وحماية المستهلك ستيفاني هوبيغ: إنّ الإجراءات الجديدة تستهدف تعزيز أمن ألمانيا من دون الإخلال بسيادة القانون ومبدأ التناسب، أو الانتقاص من الأدوات المجربة في نظام قضاء الأحداث.

وتولي الخطة أهمية للوقاية من التطرف ونزع الراديكالية، إذ تعتزم الحكومة الاتحادية والولايات الألمانية إعداد خطة عمل مشتركة لمكافحة الإسلاموية، في إطار مساعٍ أوسع للتصدي للتطرف قبل تحوله إلى تهديد أمني. ويأتي إقرار الخطة في أعقاب الهجوم الذي وقع على هامش فعالية "يوم كريستوفر ستريت" في برلين، في 25 تموز/يوليو الماضي، الذي أعاد تسليط الضوء على التحديات الأمنية التي تواجه البلاد.

وبالتوازي مع الإجراءات الجديدة، تعمل الحكومة الألمانية على تعديل صلاحيات الأجهزة الأمنية وجهات إنفاذ القانون وأجهزة الاستخبارات لتتلاءم مع مستوى التهديدات الراهن. وكان مجلس الوزراء قد أقر أيضًا مشروعًا لإدخال نظام الاحتفاظ بعناوين بروتوكول الإنترنت (IP)، ضمن الإجراءات الرامية إلى تعزيز قدرات السلطات على مواجهة التهديدات الأمنية. وأكدت الحكومة أنّ هذه التدابير تأتي في إطار مساعيها إلى حماية المجتمع الألماني المنفتح والمتسامح، وتعزيز الأمن الداخلي مع الالتزام بمبادئ سيادة القانون.

إلى ذلك، قال الكاتب المختص في شؤون الإسلام السياسي شيار خليل، في حديثه لـ"حفريات": إنّ التحولات التي تشهدها أوروبا في التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين والتيارات الإسلاموية تعكس مراجعة أوسع لمفهوم التهديدات التي تواجه المجتمعات الديمقراطية، ولم تعد تقتصر على التنظيمات المسلحة والهجمات الإرهابية، بل تشمل أيضًا أنماطًا من النشاط السياسي والاجتماعي تسعى إلى بناء نفوذ مؤسسي وإيديولوجي طويل الأمد.

وأوضح خليل أنّ هذا التحول جاء نتيجة تراكم تجارب إقليمية ودولية أعادت طرح أسئلة جوهرية بشأن علاقة الإسلام السياسي بالدولة والديمقراطية، مشيرًا إلى أنّ تداعيات ثورات الربيع العربي، واستغلال التنظيمات الجهادية للفراغات الأمنية في عدد من الدول، أسهما في تعزيز المخاوف الأوروبية من تمدد التيارات المتطرفة.

وأضاف أنّ هجمات "السابع من أكتوبر 2023" عمّقت هذه التساؤلات، خصوصًا في ضوء الخلفية التاريخية لحركة حماس وعلاقتها بجماعة الإخوان المسلمين، فضلًا عن علاقاتها بإيران، مؤكدًا ضرورة التمييز بين التنظيمات الإسلاموية المختلفة، وعدم افتراض تطابقها في الأهداف أو الوسائل لمجرد وجود تقاطعات إيديولوجية أو تنظيمية بينها.

وأشار خليل إلى أنّ التحول الأبرز في المقاربة الأوروبية يتمثل في إدراك أنّ مخاطر الإسلاموية السياسية لا ترتبط بالضرورة باستخدام العنف المباشر، بل قد تظهر أيضًا في محاولات توسيع النفوذ عبر الجمعيات والمؤسسات الدينية والتعليمية والشبكات المالية والاجتماعية، بما يستدعي دراسة طبيعة هذه الأنشطة ومدى توافقها مع القوانين والمبادئ الدستورية.

وفي هذا السياق، لفت إلى أهمية التقرير الفرنسي الصادر عام 2025 بشأن جماعة الإخوان المسلمين، الذي أعاد فتح النقاش حول حضور الجماعة وشبكاتها، والمخاوف المتعلقة ببناء نفوذ تدريجي داخل بعض القطاعات المجتمعية.

وأكد أنّ جوهر الإشكالية لا يكمن في ممارسة العمل الديني أو المدني، وإنّما في احتمال توظيف هذه الأنشطة لتحقيق أهداف إيديولوجية تتعارض مع المساواة وحقوق الأفراد ومبادئ الجمهورية، مشددًا على ضرورة أن تستند أيّ إجراءات تقييدية إلى أدلة واضحة وأسس قانونية قابلة للمراجعة القضائية.

وفي ما يتعلق بألمانيا، أوضح خليل أنّ السلطات تتابع منذ سنوات تيارات تصنفها ضمن ما يُعرف بـ "الإسلاموية القانونية"، وهو توصيف أمني يشير إلى تيارات يُشتبه في سعيها إلى تحقيق أهداف إيديولوجية من خلال العمل السياسي والاجتماعي، دون اللجوء بالضرورة إلى العنف.

وأضاف أنّ جهاز حماية الدستور الألماني يراقب جماعة الإخوان المسلمين وشبكات مرتبطة بها، من بينها الجماعة الإسلامية الألمانية، مشيرًا إلى أنّ تقرير الجهاز في برلين لعام 2025 قدّر عدد الأشخاص المنتمين إلى المحيط المرتبط بالجماعة بنحو 200 شخص، وفق التقييم الأمني الوارد فيه.

واعتبر أنّ الإجراءات التي اتخذتها ألمانيا بحق عدد من التنظيمات الإسلاموية خلال السنوات الأخيرة تعكس اتساع نطاق الأدوات الأمنية والقانونية المستخدمة لمواجهة التطرف، مستشهدًا بحظر أنشطة حماس وشبكة "صامدون"، وحظر المركز الإسلامي في هامبورغ عام 2024، ثم حظر تنظيم "مسلم إنتراكتيف" في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025.

وشدّد خليل على أنّ اختلاف خلفيات هذه التنظيمات وبناها التنظيمية وعلاقاتها الخارجية يحول دون التعامل معها باعتبارها كيانًا واحدًا أو امتدادًا مباشرًا لجماعة الإخوان المسلمين، موضحًا أنّ تقييم كل حالة ينبغي أن يستند إلى طبيعة أنشطتها والأدلة المتعلقة بها.

ورأى خليل أنّ إقرار الحكومة الألمانية، في أيلول/ سبتمبر الفائت، خطة من عشر نقاط لتعزيز مكافحة الإرهاب الإسلاموي والوقاية من التطرف، إلى جانب النقاشات المتعلقة بشفافية الجمعيات ومصادر تمويلها، يعكسان تحوّلًا في أولويات السياسة الأمنية الألمانية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية