ألم يحن الوقت لإعادة التفكير بقيمنا؟

ألم يحن الوقت لإعادة التفكير بقيمنا؟

مشاهدة

12/12/2021

بينما تتخذ المبادئ شكلاً عالمياً ثابتاً يستعصي تغييرها أو التلاعب في تفسيرها، متمثلةً بالحقائق التي تتجاوز الفوارق الثقافية والفردية بين المجتمعات كمبادئ الحرية والمساواة والمسؤولية والتشاركية ـــــ مبادئ عامة تتمتع بوضوحٍ وثباتٍ ذاتي ـــــ على العكس من ذلك، فإنّ القيم وخلافاً لما يعتقد الكثير منّا محكومةٌ بالطابع الشخصي أو المجتمعي للزمان والمكان الذي توجد فيه، وهذا ما يمنحها إمكانيّة التغيّر والتطوّر، ولكن حين تفقد القيم مثل هذه الإمكانيّة، فإنها ستأخذنا إلى الأنساق التقليدية للمجتمعات، والتي تعتبرُ قيمها قيماً عُليا وثابتة أزلية وغير قابلة للتغيير.

اقرأ أيضاً: في فهم التنافس: عذراً ميكافيلي.. الغاية لا تبرّر الوسيلة

إنّ المقارنة بين المبدأ والقيمة تستهدف توضيح الطبيعة الداخليّة لكل منهما؛ إذ إنّ التباسهما  في المجتمعات التقليديّة، يجعل من الخلط بينهما أمراً شائعاً، فعدم الوضوح الذي يميّزهما، سيكون مسؤولاً عن التأخر والجمود التاريخي، فحين تُستخدم القيم كمبادئ؛ أي حين نمنحها خاصيّة الثبات وعدم التغيّر، هذا يعني أنها أصبحت قيماً ماضوية، يتم تأويلها وتفسيرها واتباعها في واقعٍ لم تعد على مقاسه. ربما إذا ما تساءلنا الآن: لماذا هناك من يعمل جاهداً على ثبات القيم واستمرارها؟ قد نعثر على الإجابة وبالنظر إلى الواقع فقط، فواقع معظم مجتمعاتنا ينضح بالقهر والعجز والانحطاط؛ لأنّ ما يصنع الواقع هي القيم التي تحكمه وتحرسه في آن؛ أي المنظومة الأخلاقيّة، التي يستمدّ منها مرجعيته الثقافيّة والاجتماعيّة، ويتخذها معياراً يحتكم إليه.

القيم خلافاً لما يعتقد الكثيرون محكومةٌ بالطابع الشخصي أو المجتمعي للزمان والمكان الذي توجد فيه

 إذا أمعنّا التفكير في مفهوم القيم، قد نعثر على دلالات مفاجئة، ربما تسعفنا على قراءة القيم بشكل مختلف، فقد تحيلنا قراءة الجذر اللغوي للقيمة إلى أين ننتهي ونقيم، وإذا ما كانت إقامتنا جديرة أم حقيرة،  والقيمة أيضاً تشير بدلالة واضحة إلى الثمن،  فما قلّ ثمنه غير ذي قيمة وما زاد فهو ثمين، ولكن هل نعرف حقاً أن نفرّق بين ما هو قيّم وما هو غير ذي قيمة؟ وهل تمكنّا عبر تاريخنا من تمييز الرخيص من الثمين؟ فالأثمان التي دفعتها البشرية في مسرى تاريخها وفي مجتمعاتنا خاصةً لم تمكّنها حتى الآن من معرفة أين تبدأ بداياتٍ صحيحة، لقد كانت المشكلة دائماً أمام أعيننا، ومع ذلك تعامى الجميع عن رؤيتها، فالقيم التسلطية ذات الطبيعة البطريركيّة، وهي القيم المتنفذة في مجتمعاتنا تبرر بصفاقةٍ كل ما يحدث لنا وكل ما يهدد وجودنا.

اقرأ أيضاً: ثقافة اللاعنف.. عالم يتسع للجميع

إنّ المصلحين الكبار في تاريخ البشرية، إنما استهدفوا منظومة القيم وكشفوا مواطن الخلل فيها، ولهذا وقفت دائماً السلطات الحاكمة بالمرصاد لهم، هذه السلطات التي تفرض وتعمم قواعدها ونظمها الأخلاقية، والتي تعتبر الاختلاف والتغيير أكبر مهدداتها، هي من جعلت، (لا كرامة لنبيّ في وطنه)، إنها المعنيّة بغرس الأصنام داخل كل فرد، وحراسة تخلّفه وانحطاط كرامته الإنسانيّة، فهي تنحّي متعمدةً القيمَ الأفقيّة للمجتمع والتي تقوم على الحريّة والمساواة والتشاركيّة، وتؤبّد قيماً عامودية تسلطيّة بطريركيّة، تقوم على روابط القرابة والدين والطائفة والمنطقة والعرق والجنس والتفاوت، هذه الروابط المنتِجة للشخصية التقليدية أو الجمعية التي رصدها بعمق "حسن حميد" في كتابه "الذهنية العربية"، هذه الشخصية التي تؤسس دولة الرعيّة، لا دولة المواطنة، حيث إنّ بنيتها المستبِدّة والمستبَدة تتناقض تناقضاً تاماً مع قيم المواطنة ومبادئها.

الأثمان التي دفعتها البشرية في مسيرتها لم تمكّنها حتى الآن من معرفة أين تبدأ بدايات صحيحة

قد يفسّر هذا تمييز "علي الوردي"، في ورقته البحثية "حول صراع القيم في المجتمع العربي" بين مفهومي المحاباة والمساواة؛ إذ يعتبر أنّ الدولة الحديثة تؤسس للمساواة باعتبارها تكافؤ الفرص بين جميع أفرادها، حيث تكون الكفاءة هي المعيار الذي يضع الأفراد في أماكنهم، فالفرد المناسب في المكان المناسب، ولكن في مجتمعاتنا التي لم تدخل الحداثة إلّا مواربةً، تنزاح المساواة إلى المحاباة، ممّا يمنح الولاء والوجاهة والمعرفة الشخصيّة والجنس دوراً رئيساً في تحديد مكانة ودور الأفراد وفاعليتهم، وغالباً ما يعيّنون في أماكن يفتقرون لأهلية إدارتها، فحيث تسود الوساطة والتفاضل مقابل الكفاءة والجدارة، يستشري الفساد الإداري والمالي والقانوني والأخلاقي في مفاصل المؤسسات، ويهدر طاقتها وإنتاجيتها ومردودها العام.

اقرأ أيضاً: مفاتيح الجنّة متاحة للجميع.. ولكن!

القيم الثابتة والنهائية، تجعل حكم القيمة حكماً مطلقاً ونهائيّاً، فهي تفسح المجال أمامه لمصادرة الفرديات والحريّات، وتعزز أنماط تربية التلقين والتقليد من دون أن تسمح للأفراد القيام إلّا بما طُلب منهم، فالوصاية التي تمنحها القيم لأحكام القيمة، وتتذرّع  بطفليّة وعدم نضوج الأفراد، تؤسس لأفراد خاضعين طيّعين تتم برمجتهم على أوليّة الغريزي على العقلي، وأوليّة المثالي على الواقعي، عبر تنمية روابط عاطفية ما قبل عقلانيّة تترك الوطن للأغنياء والوطنيّة للفقراء، فالقيم التي فقدت إمكانيّة النمو والتغيّر، تفرغ المواطنة من مبادئها، والوطنيّة من قيمها، إنها تحمل الواقع بجميع إمكانياته وطاقاته إلى حالة من الجمود والانغلاق، تتناسل داخلها مفردات الفقر الإنساني، في مصادرة علنيّة لإرادة الأفراد وحرّياتهم.

ساهمت القيم خلال تاريخها بما يكفي من الصراعات والنزاعات والحروب مما يوجب إعادة تقييمها

إذا ما تساءلنا في النهاية لماذا استحق "نيتشه" لقب (الفيلسوف الذي يفكّر بالمطرقة)؟ هذا لأنّ كل فلسفته تلخصت في هدم الأوثان المعرفيّة والأخلاقيّة لعصره؛ أي في هدم منظومة القيم التي استبدت بالواقع وشلّت حركته، لقد رأى "نيتشه" بوضوح موضوعيّ أنّ إنكار الواقع يؤدي إلى إنكار الحياة، والقيم التي تغذي هذا الإنكار ما هي إلّا التجاهل الأقصى لإنسانيّة الإنسان والمصادرة الأخيرة على حريته، وعليه قرر نيتشه في وقتٍ مبّكر، يجب أن يكون هناك عالم أفضل على عكس العالم الذي نعيش فيه اليوم، فقد ساهمت القيم خلال تاريخها بما يكفي من الصراعات و النزاعات والحروب، مما يتوجب إعادة التفكير بها وهي التي أنتجت واقعاً يرفضه الجميع، علينا أن نرصد جيداً أين نقيّم، وكيف نقيّم وجودنا.  




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية