محاربة الإرهاب أولوية أردنية في 2018

1164
عدد القراءات

2018-01-14

يرفض سكان مدينة الزرقاء الأردنية (50 كيلومتراً شرق عمّان) وصم مدينتهم بأنها حاضنة للتطرف والعنف. يقولون ليس لنا ذنب في ذاك "الترابط النكِد" في الأذهان، لا سيما خارج الأردن، بين المدينة وأبي مصعب الزرقاوي، زعيم تنظيم "القاعدة" في العراق سابقاً. ومع أنه يُقال، على نحو دارج، إنّ الانطباعات أقوى في كثير من الأحيان من الحقائق، فإنّ رفض أهالي الزرقاء لهذا القول يتكرر اليوم في ظل إعلان دائرة المخابرات الأردنية قبل نحو أسبوع عن إحباط مخطط إرهابي كان معدّاً للتنفيذ خلال احتفالات رأس السنة؛ خططت له خلية مؤيدة تنظيم "داعش" لاستهداف مواقع حيوية في المملكة، على ما قال بيان الدائرة. كان أفراد الخلية الـ17 جميعاً من الزرقاء.

"ديموغرافيا النشاط الجهادي" في الأردن

يجوز هنا لنا ملاحظة أنّ "ديموغرافيا النشاط الجهادي" في الأردن تتركز في بعض المخيمات الفلسطينية الأشد تهميشاً وفقراً وعشوائية، مثل مخيم البقعة للاجئين الفلسطينيين، على الأطراف الشمالية للعاصمة، عمّان. وقد شهد مكتب مخابرات البقعة في رمضان 2016 اعتداءً نفذه منتمٍ لفكر "داعش"، نجم عنه مقتل 5 عناصر من المخابرات. ويطال ذاك النشاط مدينتي المفرق ومعان جنوبي الأردن، حيث معدلات التنمية في أخفض مستوياتها، أو في الزرقاء، التي تعد المدينة الأكثر عشوائية، والأكثر اكتظاظاً بالسكان بعد العاصمة، وهو حال مدينة الرصيفة المحاذية للزرقاء، وهما معاً تشكلان "الخزّان البشري" الأكبر لتفريخ السلفيين الجهاديين في الأردن، ومعقلهم الرئيسي منذ نحو عقدين من الزمن، وهي كذلك معقل أساسي وتاريخي لجماعة "الإخوان المسلمين". وهذا لا يقلل من الانتباه لمدينة معان، كخاصرة رخوة جاذبة لمثل هذه الظاهرات، وقد كانت المسيرة الأولى والوحيدة المؤيدة لـ "داعش" خرجت قبل سنوات من معان رافعة شعار "معان فلوجة الأردن". وفي العامين الأخيرين طال الإرهاب الداعشي مدناً أخرى مثل إربد (80 كيلومتراً شمال عمان) والكرك (120 كيلومتراً جنوب البلاد).

ظاهرة التطرف هي ظاهرة أقلويّة جداً في الأردن والأكثرية الساحقة لا توافق على أسلوب الحياة المتشدد

تراجع الحوكمة

وإذا كانت الأصوليات تتغذى أحياناً على عوامل متعلقة بالإقصاء والتهميش الاجتماعي والسياسي، فإنها (أي الأصوليات) قد تلفح بآفتها بيئات تعد "آمنة من الناحية الديموغرافية" سواء من الناحية الطبقية، أو التجانس الاجتماعي، والأردن مثال في هذا السياق، حيث إنّ المخاوف تزداد من حدوث اختراقات أكبر وأوضح في النسيج الاجتماعي لمصلحة أفكار السلفية الجهادية، في ظل تراجع معايير الحوكمة وتفاقم الظروف المعيشية الصعبة، وانتشار الفساد المالي، والسياسي، والإداري، والتغافل عن ترسيخ تكافؤ الفرص، والعدالة في التنمية، وتفعيل الشراكة السياسية.

الفتاوى المتشددة

وقد لاحظ الباحث الأردني في الحركات الإسلامية، الدكتور محمد أبو رمان، منذ سنوات، أنّ الفتاوى الدينية الأردنية عموماً تنزع إلى الطابع المحافظ، وبدرجة كبيرة المتشدد، في الأحكام الفقهية، وهي ملاحظة تقتضي المناقشة والدراسة والتفكير، ويمكن التقاط ذلك، برأيه، حتى في فتاوى "جبهة العمل الإسلامي" - الذراع السياسية لجماعة "الإخوان المسلمين" في الأردن - وأطياف إسلامية أخرى رسمية وشعبية، تذهب باتجاهات متشددة دوماً في القضايا الاجتماعية، والثقافية، والفردية.

التطرف ظاهرة أقلويّة في الأردن

وحتى لا نقع في الشطط والمبالغة، يمكن القول هنا إنّ ظاهرة التطرف هي ظاهرة أقلويّة جداً في الأردن، والأكثرية الساحقة من الأردنيين لا توافق على أسلوب الحياة المتشدد، ونمط التدين المغلق، والفكر الماضوي الإقصائي الذي تبشّر به "القاعدة"، و"داعش"، و"النصرة"، وغيرها من الحركات العدمية. يظهر هذا من السلوك العام للأردنيين في المساجد، والجامعات، والأندية، والتجمعات، والاحتفالات والملتقيات بجميع مستوياتها وأشكالها. كما أنّ صفة الاعتدال والوسطية التي يتميز بها تاريخياً النظام السياسي في الأردن تعدُّ عاملاً أساسياً في تعزيز ابتعاد الأردنيين عن أفكار الجماعات الإرهابية والعنف. لكن هذا الاستدراك المهم لا يقلل من حقيقة أنّ مواجهة التطرف والإرهاب ستبقى أولوية وتحدياً في الآن ذاته للأردن في العام 2018، وما يجعل ذلك مُلِحّاً ثلاثة معطيات، على الأقل:

الأردن مكان محتمل لهجرة وتسلل العناصر الإرهابية المنهزمة من تنظيمات داعش والقاعدة والنصرة في سوريا والعراق

الأولى: أنّ ثمة تقديرات بأنّ أعداد الأردنيين الذين اجتذبتهم التنظيمات الإرهابية في العراق وسوريا يناهز ثلاثة آلاف عنصر، برغم أنّ بعضهم لقي حتفه في المعارك التي تدور منذ سنوات في العراق وسوريا.

والثانية: أنّ دراسة أعدّها الدكتور فارس بريزات أواخر 2016 على شباب من محافظات الزرقاء وإربد والطفيلة أظهرت أنّ 5% منهم أعلنوا صراحة أنّ "داعش" و"القاعدة" و"النصرة" تعبّر عن وجهة نظرهم. ونوّه بريزات، حين عرض دراسته على الإعلام، إلى أنّ الدراسة أشارت إلى أنّ "الفئة تتركز بين سكان المدن من الذكور، وأغلبهم كانوا متعلمين، وينتمون لأسر دخلها فوق 800 دينار شهرياً".
وقال بريزات وقتها: "يوجد في الأردن 5891 مسجداً منها ما يقرب من 1500 لا يتوافر فيها إمام، وبالتالي فإنّ أي شخص يمكن أن يصعد المنبر في المساجد التي لا يوجد فيها أئمة ويلقي خطبة، وهذا أمر خطير جداً، خاصة إذا تمكن من المنبر من هو غير مؤهل له"، على حدّ قوله.

والثالثة: أنّ الأردن، في ظل النقطتين السابقتين، مكان محتمل لهجرة وتسلل العناصر الإرهابية المنهزمة من هذه التنظيمات في سوريا والعراق.

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: