فرنسا: قانون جديد لمكافحة الإرهاب.. ومخاوف من تطبيقه

2122
عدد القراءات

2017-11-01

وقّع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رسميًا على قانون جديد لمكافحة الإرهاب يمنح الحكام المحليين والشرطة وقوات الأمن سلطات واسعة النطاق -دون الحاجة إلى الحصول على موافقة مسبقة من قاض- لتفتيش المنازل، ووضع الأشخاص تحت الإقامة الجبرية، وإغلاق دور العبادة. هذا التدبير أيضًا يخول الشرطة إجراء عمليات التحقق من الهوية على الحدود الفرنسية.

القانون الجديد، الذي أقره مجلس الشيوخ الفرنسي في 18 تشرين الأول (أكتوبر) 2017، يرسخ كثيراً من الإجراءات الاستثنائية التى فرضت فى ظل حالة الطوارئ التي أعلنت قبل عامين، والتى بدأت بعد الهجمات الجهادية التي وقعت فى باريس في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015. وحالة الطوارئ هذه كان من المقرر أن تنتهي فى الأول من تشرين الثاني (نوفمبر).

القانون الجديد يخول الحكام المحليين إغلاق المساجد أو دور العبادة الأخرى إذا اعتبر أنّ وعاظها يعبرون عن أفكار أو نظريات تحرض على العنف أو الكراهية أو التمييز

خلال مراسم التوقيع فى قصر الإليزيه يوم 30 تشرين الأول (أكتوبر)، قال ماكرون إنّ الإجراء التوفيقي يحقق التوازن الصحيح بين الأمن واحترام الحريات المدنية. ويعارض المتشددون بأنّ القانون الجديد لا يذهب بعيدًا بما فيه الكفاية، في حين تشكو منظمات حقوق الإنسان من أنه سوف يترك فرنسا في حالة طوارئ دائمة.
القانون الجديد -قانون تعزيز الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب- يتألف من سبعة أجزاء رئيسة:

مناطق أمنية
القانون الجديد يخول الحكام المحليين، كبار المسؤولين الحكوميين في كل من الإدارات أو المناطق في فرنسا، سلطة تعيين المناطق العامة والفعاليات الرياضية والثقافية، بما في ذلك الحفلات الموسيقية، التي تعتبر معرّضة للإرهاب، كمناطق أمنية. والقانون يجيز للشرطة تفتيش جميع الأشخاص أو المركبات التي تحاول دخول هذه المناطق أو تلك الفعاليات. وكل شخص يرفض الخضوع لمثل هذه العمليات التفتيشية لن يسمح له بالدخول.

إغلاق دور العبادة
القانون الجديد يخول الحكام المحليين إصدار أمر بإغلاق المساجد أو دور العبادة الأخرى لمدة تصل إلى ستة أشهر إذا اعتبر أنّ وعاظها يعبرون عن "أفكار أو نظريات" من شأنها أن "تحرض على العنف أو الكراهية أو التمييز، أو تحث على ارتكاب أعمال الإرهاب أو تعبر عن الثناء على مثل هذه الأعمال". والانتهاكات يُعاقب عليها بالسجن لمدة ستة أشهر وبغرامة قدرها 7,500 يورو (8,750 دولار). معارضو القانون يجادلون بأنّ "الأفكار" و"النظريات" ذاتية، وبالتالي فهي عرضة للعسف.

الإقامة الجبرية
القانون الجديد يخوّل وزير الداخلية تقييد حركة الإسلامويين المشتبه بهم، حتى أولئك الذين لا يتهمون بجريمة محددة، بالبلدة أو المدينة التي يقيمون بها. فأي شخص توجد "أسباب جدية للاعتقاد بأنّ سلوكه يشكل تهديدًا خطيرًا بوجه خاص على الأمن العام والنظام العام" قد يتم وضعه تحت الإقامة الجبرية -دون الحصول على موافقة مسبقة من قاض- لمدة ثلاثة أشهر، قابلة للتجديد لفترات إضافية مدتها ثلاثة أشهر إلى فترة أقصاها عام واحد. وسوف يُطلب من الأفراد الخاضعين لهذا التقييد أن يقدموا تقريرًا إلى مركز الشرطة المحلي التابع لهم مرة واحدة في اليوم. وكبديل عن ذلك، يمكن وضع الأفراد تحت المراقبة الإلكترونية المتنقلة. ووزير الداخلية أيضًا له أن يحظر على الأفراد الاتصال المباشر أو غير المباشر بأشخاص معينين، يتم تحديدهم بالاسم، يعتقد أنّهم يشكلون تهديدًا على الأمن العام. والانتهاكات لهذه التدابير يعاقب عليها بالسجن لمدة ثلاثة أعوام وغرامة قدرها 45 ألف يورو (52,500 دولار).
 

التفتيش والمصادرة
القانون الجديد يخول الحاكم المحلي أن يطلب من قاض أن يصدر أمرًا بتفتيش منزل أي شخص يشتبه بأنه يشكل تهديدًا على الأمن العام. والشخص الذي يجري تفتيشه يجوز احتجازه لمدة تصل إلى أربع ساعات إذا كان يمثل "خطرًا ذا خطورة خاصة على الأمن والنظام العام" ولديه "اتصال معتاد بأشخاص أو منظمات ذات أهداف إرهابية" أو يدعم ويناصر أفكارًا تحرض على مثل هذه الأعمال. والقانون أيضًا يخول الشرطة الاستيلاء على أي وثائق، أو أغراض، أو بيانات إلكترونية في المكان الذي يجري تفتيشه.
موظفون حكوميون "أصوليون"

الموظف الحكومي الذي يعمل في ميادين تتصل بالأمن القومي أو الدفاع الوطني يمكن نقله أو حتى فصله من الخدمة العامة إذا وجد أن لديه/ا معتقدات لا تتفق مع ممارسة واجباته/ا". وأيضًا يمكن صرف العسكريين لدوافع مماثلة.

المراقبة الإلكترونية وجمع البيانات
القانون الجديد يخوّل وزير الداخلية، ووزير الدفاع، ووزير النقل التحصل على الاتصالات الهاتفية والبريدية للأفراد المشتبه بهم "من أجل منع الجرائم الإرهابية والجرائم الخطيرة، وكشفها، والتحقيق فيها، وملاحقة مرتكبيها". والقانون أيضًا يسمح للأجهزة الأمنية بالوصول إلى معلومات السفر، بما في ذلك عن طريق وكالات السفر، الخاصة بالركاب الجويين والبحريين. ومن شأن جمع البيانات أن "يستبعد البيانات الشخصية التي قد تكشف عن الأصل العرقي أو الإثني للشخص، أو المعتقدات الدينية أو الفلسفية، أو الآراء السياسية، أو العضوية النقابية، أو البيانات المتعلقة بصحة الشخص المعني أو حياته الجنسية".
التحقُقَات الحدودية. القانون الجديد يخول الشرطة إجراء عمليات تفتيش للهوية بدون إذن تفويضي في أكثر من 118 منطقة حدودية و373 مطارًا وميناء ومحطة قطار، فضلًا عن مناطق محيطة يصل نصف قطرها إلى 20 كيلومترًا. وهذا يشتمل على 28.6 في المائة من الأراضي الفرنسية و67 في المائة من السكان الفرنسيين، وفق صحيفة اللوموند. والنقاد يقولون إنّ هذا يشمل العديد من الضواحي التي يسكنها المهاجرون بشكل رئيس ويمكن أن يؤدي إلى مضايقة للأقليات العرقية.

القانون الجديد يخول الشرطة إجراء عمليات تفتيش للهوية بدون إذن تفويضي في أكثر من 118 منطقة حدودية و373 مطارًا وميناء ومحطة قطار

"ماكرون" أكد أنّ القانون الجديد سوف يسمح للسلطات بمكافحة الإرهاب "دون التخلي عن قيمنا ومبادئنا" وأنّه سوف يكرس "الاحترام الكامل والدائم للنظام الدستوري لفرنسا وتقاليد الحرية". كما تعهد بمراجعة القانون خلال عامين وإجراء أي تغييرات تعتبر ضرورية.
مارين لوبان، زعيمة حزب الجبهة الوطنية المناهض للهجرة، انتقدت القانون على أنّه ضعيف للغاية:
"هذا القانون هو عملية احتيال، بل هو شِبه حالة طوارئ، ونحن لن نصوت لهذا النص الضار. فهو سيكون أقل فعالية من حالة الطوارئ؛ لأنّه أقل قابلية للتطبيق. هذا النص لا يتناول البعد الإسلامي النوعي للإرهاب أو الأيديولوجية الإسلاموية التي أعلنت الحرب علينا".
جماعات الحقوق المدنية، على النقيض من ذلك، انتقدت ما وصفته بأنّه "تطبيع سلطات الطوارئ". وكتبت هيومن رايتس ووتش:
"إنّ القانون يأخذ عناصر من ممارسات الطوارئ -سلطات التفتيش التطفلية، والقيود المفروضة على الأفراد الذين تم تقييدهم بالإقامة الجبرية، وإغلاق دور العبادة- التي استخدمت بشكل مسيء منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، ويجعلها ممارسة جنائية وإدارية طبيعية. وكل هذا يضعف من سلطة القضاء على القدرة على التحقق من إساءة استخدام سلطات مكافحة الإرهاب الجديدة من قِبل الحكام المحليين والمندوبين المعينين من قِبل وزارة الداخلية في كل منطقة".
وقامت منظمة العفو الدولية بترديد هذه المخاوف:
"بدلًا من الإرشاد نحو فترة من الحقوق والحريات المدنية المُستعادة، يهدد التشريع بفعل العكس من خلال تضمين مجموعة من التدابير القمعية في القانون العادي".
القانون الجديد واجه مقاومة قليلة من الجمهور. فقد وجد استطلاع للرأي أجري في 26 أيلول (سبتمبر) في صحيفة لوفيغارو أنّ 57 في المائة من المستطلعين قالوا إنّهم يؤيدون القانون الجديد؛ و62 في المائة من المستطلعين قالوا إنّ هذا الإجراء سوف ينتهك الحريات المدنية؛ و85 في المائة قالوا إنّه سوف يحسن أمنهم.
يذكر أنّ أكثر من 230 شخصًا قد قتلوا فى هجمات جهادية فى فرنسا منذ كانون الثاني (يناير) عام 2015 عندما هاجم إسلاميون راديكاليون مقر المجلة الساخرة شارلي إيبدو في وسط باريس.
وجاء آخر ضحايا هذه الحوادث في الأول من تشرين الأول (أكتوبر) عندما قام مهاجر غير شرعي من تونس يبلغ من العمر 29 عامًا بطعن امرأتين حتى الموت في محطة القطار المركزية في مرسيليا. وكان الرجل، الذي يعرف باسم أحمد أ.، يستخدم سبع هويات مختلفة وله تاريخ طويل من الجرائم الصغيرة. وقد ألقي القبض عليه قبل أيام قليلة من الهجوم في محاولة للسرقة من أحد المحلات، ولكن تم إسقاط التهم عنه بسبب عدم وجود أدلة. ولا يزال من غير الواضح لماذا لم يرحَّل.
الشرطة الفرنسية وأجهزة الاستخبارات تقوم بمراقبة حوالي 15 ألف جهادي يعيشون على الأراضي الفرنسية، كما ذكرت صحيفة لو جورنال دو ديمانش في 9 تشرين الأول (أكتوبر). وهناك نحو 4 آلاف من هؤلاء "من ذوي الخطورة العالية" ومن المرجح أن يقوموا بهجوم.
ومن بين 1900 جهادي فرنسي يقاتلون مع تنظيم الدولة الإسلامية، حصل خُمسهم على مبلغ 500 ألف يورو (580 ألف دولار) ضمن مدفوعات الرعاية الاجتماعية من الدولة الفرنسية، كما كشفت لوفيغارو في 26 تشرين الأول (أكتوبر).

المصدر
سويرن كيرن- معهد غيتستون- نشر بتاريخ 31 تشرين الأول 2017
اقرأ المزيد...

الوسوم: