قواعد الفكر الإخواني (7): ريادة العنف والتنظير له

صورة أحمد بان
باحث مصري متخصص فى الشؤون الاسلامية
2083
عدد القراءات

2017-12-26

ما يزال "الجهاد" من أكثر المفاهيم الملتبسة في الثقافة الإسلامية، تلك الفريضة التي لم تحررْ مؤسساتنا الدينية معناها بحسم وانضباط فقهي وفكري حتى اليوم، تاركة الساحة لانتشار تعريفات مجموعات التطرف عنها.
ربطت بعض الجماعات الإسلاموية المسلحة في التاريخ الحديث نفسها بهذا المفهوم؛ مثل: جماعة الجهاد المصرية أو قاعدة الجهاد، فرفع جلُّها هذا الشّعار، حتى شاع مفهوم السلفية الجهادية للدلالة على جماعات تمارس العنف انطلاقاً من تفسيرات فقهية سلفية قديمة.
وكان لجماعة الإخوان مفهوم خاص عن الجهاد، يجعله يأتي ضمن قرار الدولة والسلطة الشرعية فيها، حتى قيل إنّ مفهوم الإخوان عن الجهاد يقترب من التيار الوسطى الإسلامي، الذى يشاركها هذا المفهوم الذى يعتبر الجهاد هو "جهاد الدفع" المشروع لأي أمة تدافع عن وجودها، وضمن دولة لها قيادة ومؤسسات تقرر قرار الحرب أو (الجهاد)، فقد يكون هذا اللفظ هنا أمضى للعزائم وأقدر على شحذ الهمم وتعبئة الطاقات على أسس دينية.

المرجعية الإخوانية للجهاديين
يزعم البعض أنّ ظهور جماعات الجهاد خلال هذا القرن بدأ بعيداً عن الإخوان الذين يختلف مفهومهم وسلوكهم عن باقي الجماعات الجهادية، ولكنّ الحال أبلغ دوماً من المقال، خصوصاً إذا كان مقالاً ينطلق من التقية التي أدمنها الإخوان.
هل ينكر أحدٌ أنّ من أسّسَ جماعة الجهاد في مصر واشتهر من قياداتها وهو أيمن الظواهري كان إخوانياً؟ وهل من قبيل الصدفة أنّ كتابات سيد قطب التي صنعت أرضية لكلّ جماعات العنف كانت امتداداً طبيعياً لأفكار حسن البنا كما اعترف محمد قطب في كتابه الشهير "واقعنا المعاصر"؟ وأن عبدالله عزام الذي قاد أكبر معسكر إعداد للإرهاب في أفغانستان كان إخوانياً ومعلّماً وملهماً لأسامة بن لادن؟

هل من قبيل الصدفة أن كتابات سيد قطب التي صنعت أرضية لكل جماعات العنف كانت امتداداً طبيعياً لأفكار حسن البنا؟

ألم يكن أهم منظري القاعدة أبو مصعب السّوري إخوانياً انتمى بعدها للطليعة المقاتلة، الذراع المسلح لإخوان سورية؟ وطالما كان يؤكد أنّ ما تتبناه القاعدة والسلفية الجهادية هو صحيحُ أفكار حسن البنا وقطب، التي يحرص الإخوان على إخفائها الآن، كان ذلك قبل انْ تظهر بعد انكشافهم السياسي والأخلاقي بعد ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013.
إنّ الوقائع الكثيرة اليوم تؤكد أنّ مفهوم الإخوان عن الجهاد لا يختلف عن فهم باقي الجماعات الجهادية الأخرى؛ فمن أين إذاً استقتْ حركات "حسم" و"لواء الثورة" و"العقاب الثوري" وغيرها من عناوين العنف الإخواني الأحدث على الساحة المصرية، مفاهيمَها عن الجهاد والعنف؟

  جهاد الدفع وجهاد الطلب
شاع في الفقه الإسلامي تقسيم الجهاد الى نوعين: جهاد الدفع، وجهاد الطلب، الأول لا خلاف على مشروعيته شرعياً وقانونياً وإنسانياً وتتشارك فيه كلّ الأمم، أما الثاني فقد كان فِرية تأسستْ على فقه معوجّ وانحياز لمطامع البشر في المال والغنيمة والسبايا والمتاع، تتغذى على قراءة مغرضة للتاريخ، حشرتْ هذا المفهوم الذي تموضع في الفقه الإسلامي عنوة، وظلّ ينتج آثاره في واقعنا تاريخياً، حتى تحوّل في وعي مجموعات حركية إلى إعلان حرب أزليّ من المسلمين على غيرهم لإكراههم على الدخول في طاعة جيوشهم، ثم الحديث بارتياح عن أنوار الوحي التي خالطت نفوس المسلمين الجدد، الذين يرسمون ابتسامات الإكراه الصفراء على وجوههم فراراً من حسبة الجيوش المنتصرة، ولا عزاء لحرية العقيدة التي تنهض واحدة من ثوابت الدين وركائزه الرئيسة.

الوقائع الكثيرة اليوم تؤكد أن مفهوم الإخوان عن الجهاد لا يختلف عن فهم باقي الجماعات الجهادية الأخرى

تاريخياً، ساهم هذا المفهوم الملتبس في إكراه شعوب على الدين، فلما تراختْ قبضة الجيوش وانحسرتْ رقعة سلطان الإمبراطوريات، التي ظلت محتفظة باسم الخلافة، عاد الناس إلى معتقداتهم واختياراتهم الحرة.
ويتجاهل كثيرون في هذا السياق أنّ أندونيسيا أكبر دولة في عدد المسلمين "فتحَها" تجار، أسَروا قلوب الناس بأخلاقهم لا بسيوفهم، لم يقرأ أحد تلك الصفحة المشرقة بينما أمعنوا النظر في صفحات السيف والنطع.
والإخوان، في ذلك، كغيرهم، باعتبارهم جماعة "سلفية"، وهذا الوصف ليس تجنياًّ عليهم فقد عدّ الإخواني راشد الغنوشي أنّ ضمن روافد حركة النهضة التونسية ما سماه السلفية الإخوانية الوافدة من المشرق شربوا من نفس النبع، كما يؤكد في كتابه "من تجربة الحركة الاسلامية في تونس"، وهو ما ورد صراحة على لسان حسن البنا في رسالة المؤتمر الخامس بقوله: "وتستطيع أنْ تقول ولا حرج عليك إنّ الإخوان المسلمين دعوة سلفية".

مفهوم الجهاد في أفكار البنا
عند تحرّي معنى الجهاد في أفكار البنا نجد أنه يتماهى مع مفهوم القاعدة وداعش وغيرهما من جماعات العنف المسلح، لكنّ التقية التي حرص عليها والخطاب المزدوج الملتبس لديه، لم يمكّن الكثيرين من تحرير مفهوم الإخوان عن العنف أو الجهاد كما سموه زوراً وبهتاناً، يقول البنا في معرض الحديث عن الجهاد في "رسالة الجهاد": "..والمسلمون الآن كما تعلمون مستذَلّون لغيرهم محكومون بالكفار قد ديست أرضهم وانتهكت حرماتهم، وتحكّم في شؤونهم خصومهم وتعطلت شعائر دينهم في ديارهم، فضلاً عن عجزهم عن نشر دعوتهم، فوجب وجوباً عيناً لا مناص منه أنْ يتجهز كل مسلم وأنْ ينطوي على نية الجهاد وإعداد العدة له حتى تحين الفرصة ويقضي أمراً كان مفعولاً".

حسن البنا لم يشرعن الجهاد فقط في مواجهة الكفار بل في مواجهة أهل الكتاب الذين أُمرنا ببرهم والقسط معهم

ويتبنى البنا منطقَ جماعات العنف وفهمهم لفريضة الجهاد، فنجد الأحاديث المتعسف في فهمها خارج سياقها أو الموضوعة كحديث "اعلموا أنّ الجنة تحت ظلال السيوف "، كما يعتمد مراجع لمفهومه مثل كتاب "العبرة فيما ورد عن الله ورسوله في الغزو والجهاد والهجرة" للسيد حسن صديق خان، الذى كتبه مؤلفه في أجواء الصراع بين الروس والعثمانيين، قائلاً إنه "يجب جهادها بقاءً للمسلمين وقياساً على قتال أبي بكر لمانعي الزكاة" وهي ذات الحجة التي يردّدها الجهاديون حتى اليوم.
حسن البنا لم يُشرْ إلى الجهاد فقط في مواجهة الكفار، بل إلى مواجهة أهل الكتاب الذين أمرَنا الله تبارك وتعالى ببرّهم والقسط معهم، يقول محتجّاّ بالحديث" عن عبد الخير بن ثابت بن قيس بن شماس عن أبيه عن جده قال، جاءت امرأة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقال لها أم خلاد وهي متنقّبة تسأل عن ابن لها قتل في سبيل الله تعالى، فقال لها بعض أصحابه جئتِ تسألين عن ابنك وانت متنقّبة، فقالتْ: إن أرزأ ابني فلن أرزأ حيائي، فقال لها النبي، عليه السلام، إنّ ابنك له أجر شهيدين، قالت ولم؟ قال لأنه قتله أهل الكتاب، ويعلق البنا على هذا الحديث دون غيره: "وفي هذا الحديث إشارة إلى وجوب قتال أهل الكتاب، وأنّ الله يضاعف أجر من قاتلهم" ثم في فقرة أخطر يؤكد "فليس الجهاد للمشركين فقط ولكنه لكل من لم يُسلم".

 

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: