منهاج التربية الدينية وأثره في المراحل التعليمية الأولى

صورة أدونيس غزالة
كاتبة وشاعرة سورية مهتمة بشؤون الطفل
1270
عدد القراءات

2017-11-21

انتشرتْ، على مواقع التواصل الاجتماعي، مؤخراً، حملة تطالب بإلغاء كتاب التربية الدينية من المناهج المدرسية، وإبداله بكتاب السلوك والأخلاق، وأثارت الحملة بلبلة وجدلاً واسعين في المجتمعات العربية، ذات الطابع التعددي؛ دينياً ومذهبياً وطائفياً وثقافياً. ونلمس ذلك من خلال الردود والتعليقات الواسعة بين مؤيد ومعارض لها، ولكن بالتدقيق في هذه الردود والتعليقات، نرى أنّ قسماً كبيراً من الطرفين  تناول هذا الموضوع بحساسية مفرطة مبنية على مسبقات، وركز كلّ فريق جلَّ انتباهه على كلمتيّ "إلغاء" و"الدينية"، مما جعل هذه الحملة، تُقرأ في إطار ضيق ووحيد، وهو "إلغاء الدين"، هنا تحديداً "التربية" تسقط من الجملة كما تختفي من جميع الحجج التي يقدمها الطرفان، فتصبح القضية قضية إيمان وكفر، وتتحول إلى معركة إيديولوجية، آخر ما يعنيها الطفل، سبب هذه الحملة الرئيس.
بين هذين الخطابين يبرز خطاب ثالث عقلاني، يؤكد أنّ رفض كتاب التربية الدينية لا يعني رفض الدين أو التدين، وإنما رفض هذا المقرر يتأتى من الطبيعة التعددية للمجتمع. هذا ما أعرب عنه الدكتور محمد حبش لسيريانيوز إذ قال : "إنّ من أبشع المظاهر فصل الطلبة عن بعضهم في حصة التربية الدينية. إنه موقف غير حضاري وغير مقبول و يتناقض مع العملية التربوية. أنا مع مادة ثقافة دينية تدرّس لكل الطلاب، وتتناول معلومات عن كل الأديان، فلنترك التربية الدينية للمساجد والكنائس، ولنتوجه في المدارس إلى الثقافة الدينية. أنا أريد لأولادي تعلم فكرة صحيحة عن الدين، ومن مصدر موثوق هو وزارة التربية". وهذه القضية أكدها البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم لسيريانيوز أيضاً. كما طالبت الدكتورة المصرية نادية هنري، نائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب المصريين الأحرار، بإلغاء مادة التربية الدينية من المناهج الدراسية، واستبدالها بمادة الأخلاق، لمنع التمييز الديني، والتطرف بين الطلاب. واعتبر إكرام لمعي رئيس المجمع الأعلى للكنيسة الإنجيلية في مصر، أنّ المناهج الدينية التي تدرّس في كلا الجانبين "تحرض على التعصب، وإخراج أجيال كاملة ترفض بعضها بعضاً".

رفض البعض لمنهاج التربية الدينية لا يعني رفض الدّين أو التديّن، وإنما رفض محتوى لا يشمل الطبيعة التعددية للمجتمع

ومع تباين الآراء التي لم تلامس إلا من بعيد موضوعي التربية والتعليم، اللذين يشكلان حجر الأساس في تشكيل ذات الطفل، لا بد من طرح مجموعة إشكاليات تتعلق بإمكانية أو عدم إمكانية ملازمة كتاب التربية الدينية للمراحل التعليمية الأولى من منظور تربوي وتعليمي.
أولى الإشكاليات تتعلق في ردم الهوّة بين الواقع والمخيلة؛ إذ إنّ حضور الخيالي كواقع في وعي الطفل يؤسس لمبدأ التناقض مما يساهم في هدم التفكير السببي الذي يشكل حجر الزاوية في موضوعة التعلم، أسئلة الأطفال الماهوية، لا يمكن الإجابة عليها من دون البحث عن الجذور الحسية للمسؤول عنه، فتحويل المجرد إلى محسوس، هو أحد أساسات التعلم عند الطفل، ومضامين كتاب التربية الدينية لا تتصل بالخصوصيات النمائية للطفل؛ لأنها تتطلب درجة معينة من التجريد شأنها في ذلك شأن الفكر الفلسفي الذي لا يدرس إلا في المرحلة الثانوية؛ أي عندما يكون الطفل قد وصل إلى مرحلة الفكر المجرد، هذا يجعلنا لا نجد ممارسة فعلية لمضمون هذا الكتاب لدى تلامذة التعليم الابتدائي، إلّا في الإطار التلقيني، فهذا المضمون بالضرورة يتجاوز إمكاناتهم النمائية ويبقى داخل مجال التلقين والحفظ، دون استيعابه وتمثّله. وبهذا قد تعطي هذه المادة مفعولاً عكسياً لما يراد منها.

فصل الطلبة عن بعضهم في حصة التربية الدينية، موقف غير حضاري وغير مقبول و يتناقض مع العملية التربوية

المناهج الحديثة تقوم على النظرية البنائية في التعلم، والتي من أهم أسسها الفهم والاستدلال والتجربة، وهذا ما لا ينطبق على معظم كتب التربية الدينية بالنسبة لمراحل التعليم الأولى، وليس من استراتيجية لإعطائه إلا عن طريق التلقين وحفظ المحتوى؛ إذ ليس بإمكان الطفل بعد القدرة على تشكيل وتمثل المعتقد الديني حتى يتمثل مبادءه. وتدارك عيوب المناهج القديمة في كتاب التربية الدينية في المناهج الحديثة لم يغيّر من مضمون عملية التلقي السلبية، التي تختصر العقل إلى إمكان القبول دون الرفض. ما تغير فقط هو الاستراتيجيات التي يُعطى من خلالها هذا المحتوى، ففي كتاب التربية الإسلامية للصف الأول الأساسي في سورية، على سبيل المثال، نجد في أول درس جملة تقول "يوم الدين هو يوم الحساب"، وليس هناك شرح لما هو يوم الحساب، وهذا ما يضع الطفل أمام مسألتين؛ الأولى أن يحفظها كما هي ويرددها من دون فهم لها؛ أي سترسل له عن طريق التلقين وهذا يتناقض مع آليات عمل المنهاج الحديث، والمسألة الثانية أن يتم شرح هذه الجملة له من قبل المعلم، وهنا مشكلة أخرى؛ حيث سيتلقى فكرتي الجنة والنار، وهنا سيضع الطفل أولى خطواته على درب الترهيب والترغيب الطويل، الذي يتمثل بالعقوبة والثواب، في آلية منتجها الأساسي هو الخوف.
تشترك التربية الدينية مع التربية التقليدية بفضاء واحد، يرتكز على فكرتي الثواب والعقاب، والفارق الوحيد بينهما أنّ الثواب والعقاب في التربية الدينية مؤجلان "لا تكذب تدخل الجنة، اكذب تدخل النار"، أمّا التربية التقليدية فثوابها وعقابها آنيان "لا تكذب أكافئك، اكذب أعاقبك"، فالثواب والعقاب هما الأداة التي تنتج السلوك، على النقيض من هذا نجد في التربية الحديثة، أنّ الكذب والصدق ليسا مرتبطين بالعقوبة والمكافأة؛ لأنها تساعد الفرد على تشكيل المبادئ كونها صحيحة أو خاطئة، ليصبح الرادع عند الطفل ذاتياً وليس خارجياً. في شكلي التربية الدينية والتقليدية الروادع خارجية، بالتالي النتيجة تكون متضمنة سلفاً بالمقدمة "أريد أن أكون صادقاً محباً متعاوناً...كي أدخل الجنة"، أما في التربية الحديثة فتصبح الروادع ذاتية والنتيجة تأتي بسياقها الطبيعي "أنا صادق وفيّ، محب... من الطبيعي أن أدخل الجنة"، وبالتالي الثواب سيتبدّى كنتيجة لسيرورة فعل ينظر إلى ذاته من الداخل، ولا يُنظر إليه من الخارج.

المناهج الحديثة تقوم على النظرية البنائية في التعلم، والتي من أهم أسسها الفهم والاستدلال والتجربة

المبدأ لغةً: هو فكر أساسي تبنى عليه أفكار فرعية أخرى، فعندما أقول إنّ الصدق مبدئي، فأقصد أنّ الصدق هو الأساس الذي أقيم عليه معاملاتي، وهذا الفكر الأساسي تنبثق عنه أفكار وعقائد ونظم للحياة، أما المعتقد لغوياً: هو ما يعتقدهُ الإنسان ويؤمن به بحيث لا يقبل الشّك، وتختلف الشعوب في معتقداتها وتتباين، وبالمقارنة بين المفهومين نجد أنّ المبادئ هي قيم كونية تخص كل إنسان بغض النظر عن لونه أو وطنه أو عقيدته أو نسبه وعرقه، وهذا ما يسمى في النظام التربوي "الأخلاق" الذي يعلم القيم النبيلة باعتماد العقل والدين والتجارب الإنسانية من مختلف الثقافات، التي راكمت هذه القيم وساهمت في بروزها، والتي بدورها تساهم في صناعة مواطنين ينتمون إلى وطن يتقاسمه جميع أبنائه، مهما كانت عقيدتهم أو انتماءاتهم، وتعلي من شأن إنسانيتهم، بعيداً عن أي أدلجة لعقولهم، وتحررهم من سلبيات التربية التلقينية، المبنية على حفظ واستظهار نصوص في لغة مستعصية على الأطفال، لتخلق إرادة حرة متشكلة وفق مجتمع مدني ضمن منظومة أخلاقية إنسانية، تعترف بحرية الآخر في الاعتقاد والانتماء.

اقرأ المزيد...

الوسوم: