ميكافيلية الإخوان وسذاجة البرهان في موسكو

ميكافيلية الإخوان وسذاجة البرهان في موسكو

ميكافيلية الإخوان وسذاجة البرهان في موسكو


01/11/2026

أسامة أحمد المصطفى

حين تستبدّ بعقلية (الإخوان) لوثة التمكين، وتتأصل في ميكافيلية البرهان بوصلة الضياع، يتراءى للرجل، وهو في عاصمة القلاع الروسية، أن مقدرات أمة بأسرها سقط متاع يُباع ويُشترى في مزاد العجز.

لقد طالعنا بخطاب يقطر سذاجة وأنانية، متجرداً من غيرة الأوطان، فاستباح جغرافيا السودان ومآثر ثرواته ومياه بحره الأحمر على مائدة الاستجداء، ناسياً أن التاريخ لا يغفر للمتأبطين وزر الخيانة، وأن عواصم العالم لا تحفل بالبضاعة المزجاة إذا خلت من سند الشعوب وبريق الشرعية.

لم يكن العجب يوماً حكراً على الأساطير، بل صار واقعاً معاشاً يطالعنا كلما تفتقت قرائح السلطة الفردية عن خرائط افتراضية تبيع ما لا تملك لمن لا يستحق. وفي مشهد يتنكب جادة الدبلوماسية الرصينة، طالعنا الخطاب الأخير للجنرال البرهان من الأراضي الروسية؛ حيث تماهى مع دور المالك الأوحد لبلاد ترزح تحت أطنان الوجع والمآسي. وكأن الدولة صارت ملكية شخصية تُعرض دون تفويض شعبي، وكأن مصائر الملايين يمكن أن تُرسم بإشارات عابرة في أروقة السياسة الدولية، بعيداً عن إرادة أصحاب الحق الأصيل.

لقد جاءت رسائله البائسة تشبه بضاعة المزجي التي لا تُقبل، إذ تبرع بسيادة متآكلة، وموارد بكر تُستباح، وبقعة جغرافية استراتيجية على سواحل البحر الأحمر، وكأن السودان بات إرثاً محاصصاً في دكان حزبي ضيق، لا شأن للشعب فيه، ولا حساب لدول الجوار والشراكة الإقليمية وحوض النيل وحواضن البحر الأحمر. فهذه الجغرافيا ليست تفصيلاً عارضاً في دفتر المساومات، بل ركيزة أمن إقليمي وممر حيوي تتقاطع عنده مصالح شعوب ودول، ولا يجوز اختزالها في وعود مرتجلة أو مقايضات تُعقد باسم سلطة متنازعة الشرعية، إن البحر الأحمر ليس صفحة في سجل الامتيازات الشخصية، بل شريان استراتيجي تتجاوز أهميته حدود السودان، وتتشابك حوله مصالح إقليمية ودولية لا يمكن القفز عليها بخطاب مرتجل أو صفقة عابرة.

إنها الفهلوية العشوائية في أبشع صورها، تلك التي تظن أن السياسة الدولية مجرد حانة لصفقات اللحظة الأخيرة، أو بازار رخيص يُباع فيه التاريخ والسيادة بلا ثمن، لقد غاب عن ذهن الرجل، أو غيبته غشاوة التمكين، أن الدول الكبرى لا تشتري البضائع المزجاة من سماسرة بلا سند شعبي، وأن الكرملين ليس مؤسسة خيرية لتوزيع صكوك الحماية على الهائمين في ملكوت السلطة، فالمصالح الدولية تُدار بحسابات القوة والاستقرار والوفاء بالتعهدات، لا بأوهام المناورة ولا باستعراضات سياسية تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية.

وما هذا الاستعراض الارتجالي سوى محاولة فجة ومكشوفة لاستعداء واشنطن بورقة روسية مشروخة، وكأن الأبواب الأمريكية التي أُوصِدت في وجهه بسبب سوء الفعال وعقم الإدارة، يمكن أن تفتحها إشارات غامضة أو ابتسامات باردة في موسكو، ينسى الملبوس أن الدول الكبرى تزن الأمور بموازين الذهب، لا بميزان العواطف الرخيصة والمغامرات الصبيانية. فالتلويح بمحور دولي لا يصنع استراتيجية ولا يعالج أزمة الداخل، بل يكشف ارتباك القرار ويجعل البلاد ساحة لتجاذبات لا طاقة لشعبها بها، ومن يظن أن استدعاء الخصومات الدولية يمنحه حصانة سياسية، إنما يخلط بين المناورة العابرة والقدرة الحقيقية على إدارة الدولة وصيانة مصالحها.

ولا تنفصل هذه السذاجة السياسية عن الجذور العميقة لعقيدة (الإخوان المسلمين) التي تربى في أكنافها، تلك العقيدة التي تُبدع باستمرار في ترسيخ قاعدة (الغاية تبرر الوسيلة). فالتنظيم الذي اعتاد، طوال عقود، بيع الأوطان لشراء البقاء، لا يرى غضاضة اليوم في تقديم ثروات البلاد ومقاليد سيادتها قرابين على مذبح البقاء في سدة الحكم، ولو كان الثمن أشلاء دولة منهارة وشعباً جائعاً، إنها الأنانية المطلقة والميكافيلية البحتة، حيث تتساوى خيانة العهود مع حسن التدبير، ويغدو الوطن ورقة محروقة في لعبة الكراسي الموسيقية.

وحين تُختزل الدولة في التنظيم، ويُختزل الشعب في جمهور يُستدعى لتبرير القرارات، تصبح السيادة شعاراً انتقائياً لا مبدأ ثابتاً. تُرفع رايتها حين تخدم السلطة، وتُعرض للمساومة حين تضيق بها السبل. وهذه هي المفارقة الفادحة، من يتحدث باسم الوطن لا يملك أن يتصرف في حقوقه، ومن يلوح بثرواته لا يملك تفويضاً يجيز له رهن مستقبل أجياله. إن السودان ليس غنيمة حرب، ولا تركة حزبية، ولا منصة لتصفية الحسابات مع الخصوم. وما يفضح هذه العقلية أكثر من اعتقادها أن بقاء السلطة يعلو على بقاء الدولة .

لكن العزاء في ليل السودان الطويل أن القارة السمراء ليست غافلة عن خبايا النفوس والنوايا، وأن واشنطن لا تدير مصالحها بمنظور الانفعال السطحي، بل ببراغماتية صلبة تدرك قيمة المواقع الاستراتيجية وحساسيتها. إن الإشارات الضعيفة التي يطلقها البرهان من موسكو لن تحرك ساكناً في واشنطن، ولن تخدع عواصم القرار في أفريقيا التي سئمت تجار الشعارات ومنتهكي السيادة. فالدول تقرأ الوقائع وموازين المصالح، لا أوهام المناورة، وتدرك أن أي تفاهم لا يستند إلى استقرار حقيقي وشرعية سياسية يظل رهيناً بتقلبات اللحظة.

وليس في مقدور أي عاصمة أن تمنح حاكماً صكاً مفتوحاً للتصرف في وطنه، فالحماية الخارجية، إن عُقدت عليها الآمال، لا تعوض غياب التوافق الداخلي، ولا تطفئ نار الحرب، ولا تعيد للمواطن أمنه وكرامته. إن الطريق إلى الاستقرار لا يمر عبر بيع الموانئ أو المراهنة على تناقضات القوى الكبرى، بل عبر وقف النزيف، وصون وحدة البلاد، واحترام إرادة أهلها، وإقامة حكم يستمد مشروعيته من الناس لا من صفقات الغرف المغلقة. فالأوطان لا تستعيد عافيتها باستبدال الارتهان بآخر، ولا تُبنى مستقبلاتها على رهانات الخارج، وإنما على إرادة شعوبها وحقها في تقرير مصيرها.

حين تتجرد السياسة من الحكمة، وتتعرى السلطة من الشرعية، لا يبقى سوى صدى الأماني الكاذبة، وهكذا يعود البرهان من موسكو محمّلاً بأوهام المناورة، كأنما اكتشف في الكرملين مفتاحاً سحرياً لأبواب الشرعية الموصدة، ناسياً أن الأوطان ليست حقائب تُحمل إلى موائد الاستجداء، ولا السيادة صكوكاً يوزعها فاقدو التفويض. فليهنأ بابتساماته الدبلوماسية الباردة، إذ لن تصنع له عرشاً من ذهب، ولن تحوّل البضاعة المزجاة إلى صفقة رابحة، وسيظل السودان أكبر من ميكافيليته، وأبقى من نزواته، حتى يدرك أن الشعوب لا تُباع، وأن العروش المستندة إلى رمال الوهم لا يحميها حتى الكرملين.

العين




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية