سوسيولوجيا المساجد: المسجد في التاريخ المصري الحديث والمعاصر

سوسيولوجيا المساجد: المسجد في التاريخ المصري الحديث والمعاصر

سوسيولوجيا المساجد: المسجد في التاريخ المصري الحديث والمعاصر


29/10/2026

تُمثّل المساجد في مصر أكثر من مجرد دور للعبادة وإقامة الشعائر؛ فقد شكّلت عبر العصور ملتقى شديد الأهمية لتقاطع الحياة الدينية مع شؤونها الاجتماعية، والسياسية، والثقافية، وعكست تحولات النسيج الطبقي والمعماري وتوازنات السلطة والسيادة. وإذا كان المقال الأول قد أضاء على قضية الاستخدام الإيديولوجي والسياسي للمساجد وتتبّع جذوره التاريخية منذ تأسيس أول مسجد في عهد الرسول الكريم في المدينة وما تلاه من حقب، فإنّ هذا المقال الثاني يسعى إلى مدّ جسور تلك القراءة ودراسة تجلياتها في السياق المصري تحديداً؛ للوقوف على كيفية تحول المسجد من مركز حضري حيوي ينبض بحركة المجتمع وأوقافه الأهلية، إلى محطة تتشابك فيها الأبعاد السياسية بالاجتماعية والطبقية.

فمنذ الفتح الإسلامي وتأسيس جامع عمرو بن العاص بالفسطاط، مروراً بالحواضر الإسلامية المتعاقبة كالعسكر والقطائع ثم القاهرة الفاطمية، وصولاً إلى العصرين المملوكي والعثماني، ظل المسجد مركزاً شاملاً تتداخل في رحابه علوم الدين بأساليب تسيير الدولة، وتتشكل بداخل مجتمعاته هوية المدينة ورؤيتها لذاتها في إطار أهلي مرن. وانطلاقاً من هذا التراكم التاريخي الطويل، عندما دخلت مصر عصرها الحديث والمعاصر، اتخذ التحميل الرمزي والطبقي لمكان المسجد أبعاداً أكثر تعقيداً وصرامة؛ فمع تشكل الدولة الوطنية الحديثة وبيروقراطيتها المركزية، تسللت السلطة إلى عمق الحقل الديني لتنظيمه والسيطرة على منبره، متحولةً بالمكان من حيز مشاع للجماعة الأهلية إلى أداة للتنظيم الاجتماعي وبث الإيديولوجيا الرسمية، وفي المقابل أضحى المسجد بالنسبة إلى الحركات الاجتماعية والقوى المعارضة ملجأ للتعبئة وبناء المضاد الرمزي في مواجهة هيمنة الدولة. 

وهنا يُقرأ المسجد سوسيولوجياً بوصفه نطاقاً لا يخلو من التناقض، ففي الوقت الذي يُروج له كفسحة لإذابة التراتبيات والتمايزات الطبقية في خطوط الصلاة المتوازية، يظل حيزاً محكوماً بعلاقات القوة والهيمنة التاريخية، إذ لم يعد المكان المقدّس بمنأى عن انقسامات التخطيط الحضري وتفاوتاتها، وعكس التباين التصميمي والجمالي بين مجمعات الإسكان الفارهة والأحياء المترفة وبين مساجد الزوايا والقرى المهمشة عمق الاستقطاب الاجتماعي، لتتحول تشكيلات المسجد وطبيعة رواده والخطاب المتردد بين جدرانه إلى مرآة صريحة للتراتبية الطبقية والسياسية التي تتقاطع فيها مصالح النخب مع صراعات الهوية وإعادة إنتاج السلطة.

وتتسع القراءة الأنثروبولوجية الحديثة للمسجد بوصفه نطاقاً اجتماعياً وثقافياً تُضبط من خلاله حركة الجسد وتُدار عبره علاقات السلطة والرمز، استناداً إلى مقاربات كليفورد جيرتز في المغرب وإندونيسيا حول تحول الرموز الثقافية إلى ممارسات يومية، ورؤية طلال أسد للمواقع المسجدية كأطر لتدريب السلوك الأخلاقي والجسدي، وإلى جانب ذلك قدّم نزار الصياد قراءة للجامع كنواة تخطيطية لعلاقات القوة والهوية في الفسطاط والقاهرة التاريخية، بينما رصد حسن فتحي في المسجد القروي نواة عاطفية تنبع من البيئة المحلية، وحلل سيد عويس ظاهرة المكاتبات الموجهة إلى ضريح الإمام الشافعي ومساجد آل البيت كمؤسسة قضائية روحية لطقوس التظلم، وتناول أحمد زايد وريم سعد دور زوايا الأحياء والموالد كساحات لإعادة إنتاج الشبكات الأهلية وتضامنها بعيداً عن التنازع السياسي المباشر.

تحولات المسجد في مصر الحديثة (من عبد الناصر إلى مبارك)

ومع تبلور مشروع الدولة الوطنية الحديثة في مطلع الحقبة الناصرية لتصفية مراكز القوى التقليدية، أدركت السلطة خطورة الحقل الديني غير المنضبط، وبدأت مساراً لتأميم الشأن الروحي عبر قرارات الضم المتدرج للمساجد الأهلية وإخضاع المنابر لرقابة أمنية وفكرية تحول دون استخدامها للتحريض، خصوصًا بعد الصدام مع الإخوان المسلمين. لقد تحول منبر المسجد الناصري إلى أداة لإنتاج "دين التنمية" وعملية التحديث من أعلى؛ إذ سخّرت الدولة رموز المؤسسة الدينية كشيوخ الأزهر ووزراء الأوقاف لتحويل المساجد الكبرى إلى مسارح للترويج للمشروع الاشتراكي وتبرير قوانين الإصلاح الزراعي وتأميم الشركات، مستشهدة بالآيات والأحاديث لتصوير الاشتراكية على أنّها التطبيق العملي للعدالة واختزال البُعد الاجتماعي للمسجد في مظلة "الدولة الرعائية".

ومع انتقال السلطة إلى عهد أنور السادات، شهدت الخريطة الدينية زلزالاً نفعياً سعى لتقويض الإرث الناصري عبر منح الضوء الأخضر لظهور قوى التيار الإسلامي والسيطرة على مساجد الجامعات والمدن الجامعية التي تحولت إلى بؤر  للتعبئة؛ وقد تزامن هذا التحول الموقعي مع التخلي عن نموذج "الدولة الرعائية" واعتناق سياسات الانفتاح الاقتصادي، ممّا أفرز طبقة رأسمالية طفيلية جديدة وتراجعاً حاداً في الخدمات الحكومية، وهناك ملأت المساجد الأهلية والزوايا الفراغ الخدمي والاجتماعي عبر الجمعيات الشرعية والشبكات الإسلامية التي حوّلت المساجد إلى مراكز تقديم خدمات طبية وتعليمية وإغاثية، لينتقل المسجد من مجرد منبر للتوجيه الإيديولوجي إلى سلطة خدمية بديلة تفرض بشرعيتها الشعبية تحدياً وجودياً لسيادة الدولة وتؤسس لشرخ طبقي وسياسي عميق.

وفي عهد حسني مبارك، غلب على المشهد هاجس الضبط الإداري والأمني الصارم؛ حيث دمجت الدولة بين الإدارة البيروقراطية الباردة والهاجس الأمني لمواجهة صعود الإسلام السياسي في التسعينيات؛ فأصدرت وزارة الأوقاف تشريعات تحظر خطب الجمعة في الزوايا والمساجد الصغيرة التي تقل مساحتها عن ثمانين متراً ولا تخضع للسيطرة الكاملة لقطع الطريق على الدعاة المستقلين. ورغم هذه القبضة الحديدية ظلت مساجد كبرى مثل النور والاستقامة ومصطفى محمود تحتضن الغضب الشعبي في أوقات الأزمات الكبرى؛ كانتفاضة الأقصى واحتجاجات كفاية، ليتدخل الأمن بفرض طوق أمني أو إغلاق مؤقت. وقد مثل الدعاة والخطباء عبر العقود حلقة الوصل الأكثر تأثيرًا بين الخطاب الديني والوجدان الجمعي، حيث برزت في السبعينيات والثمانينيات رموز جماهيرية كالشيخ عبد الحميد كشك من فوق منبر مسجد عين الحياة بحدائق القبة، لمزج النقد الساخر للسياسات الحكومية بتعرية الفوارق الطبقية عبر أشرطة الكاسيت. بينما ظهر مع مطلع الألفية واقتصاد السوق دعاة جدد عبر الفضائيات، وجهوا خطابهم للطبقة الوسطى العليا بلغة ناعمة تجمع بين التنمية البشرية والتدين العصري بما أسهم في نزع التسييس عن الحقل الديني وتبرير التفاوت الطبقي بوصفه "تفاضلاً في الأرزاق"، في حين اقتصر خطاب الأوقاف على ترسيخ الطاعة والدعوة إلى الصبر.

ومثل تلاحم أشرطة الكاسيت مع محيط المسجد في أواخر القرن العشرين ثورة اتصال وثقافة سياسية أعادت تشكيل الوعي الجمعي، إذ خرج الخطاب الديني من إطاره المؤسسي ليمتلك أجنحة صوتية متنقلة تخترق الجدران وتتداول في الأسواق وحافلات النقل ومقاهي الطلاب كوثائق معارضة، ممّا دفع الأجهزة الأمنية لتطوير استراتيجيات قامت على تجفيف منابع الإنتاج ومداهمة استوديوهات التسجيل وفرض تراخيص صارمة لتسجيل الخطب وملاحقة حائزي الأشرطة قانونياً. وعلى الصعيد الطبقي واصلت شبكات العمل الأهلي الديني ملء الفراغ الاجتماعي عبر شبكات الأمان الخيري واستقطاب الطبقة العاملة المنهكة من التضخم والخصخصة، وفي المقابل انزاح الخطاب الرسمي نحو الطاعة والاصطفاف بينما لبى الخطاب الاستهلاكي احتياجات الطبقات العليا.

السيطرة التامة وجغرافية النفوذ الديني الراهنة

وفي مرحلة ما بعد أحداث 2011 و2013 وصولاً إلى المشهد الراهن، بلغت عمليات تنظيم الحقل الديني ذروتها الشاملة عبر التخلي النهائي عن سياسة المطاردة والاحتواء لصالح إعادة السيطرة المطلقة على الساحة المجتمعية. حيث استُبدلت التلقائية العمرانية بالمشروعات القومية الكبرى، وانتقلت الدولة من الضبط الأمني الميداني إلى الضبط المؤسسي والتخطيطي الصارم عبر فرض الخطبة الموحدة وتعميم الأئمة المعينين رسمياً وحظر الاعتكاف والأنشطة الأهلية غير المراقبة. وقد يفضي هذا المسار التاريخي في النهاية إلى تبلور ما يُعرف بـ "جغرافية النفوذ الديني للمساجد" التي تتجلى في السيطرة المكانية والسيطرة الأمنية؛ بضم الزوايا وفرض الخطبة الموحدة، وصياغة البيئة العمرانية السيادية بإنشاء المساجد الضخمة كمسجد الفتاح العليم ومركز مصر الثقافي الإسلامي في العاصمة الإدارية الجديدة لتأكيد هيبة السلطة وشرعيتها، وتطوير مساجد آل البيت بالقاهرة التاريخية لربط الجغرافيا الروحية بالترقية الحضرية والسياحية، فضلاً عن توظيف التشكيلات العمرانية والإيفاد الأزهري لمواجهة الأفكار المتطرفة وتأكيد الريادة الثقافية، ليثبت التحول التاريخي للمسجد من حيز بؤري أوّلي للتكافل والتجميع إلى مؤسسات معقدة تتدافع حولها قوى السياسة والتخطيط أنّه يظل دائمًا مرآة عاكسة لتكوينات المجتمع ونمط السلطة وطبيعة التحولات الحضارية.

وهكذا، يظل المسجد عبر مسيرته الطويلة متحولاً باستمرار من مجرد منبر تعبدي محايد إلى حلبة صراع كبرى تتصارع على توجيهها السلطة والمجتمع معاً. وإذا كانت الجغرافيا السياسية للمسجد وشبكات تنظيمه قد وضعتنا أمام مرآة تعكس أزمات التحول وتباينات الطبقات، فإنّ السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة على هذا المشهد يتعلق بما يدور داخل تلك الجدران؛ فكيف تشكّل "الخطاب المسجدي" ذاته وتطور، وكيف تحول المنبر من أداة روحية خالصة إلى لسان ناطق بإيديولوجيات الصراع والاحتواء؟ هذا ما سنفصله في المقال القادم. 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية