
قضت الحياة على الإنسان بالاختلاف، وليس الاختلاف بين البشر وبعضهم البعض فحسب، بل اختلاف الفرد نفسه من مرحلة عمرية إلى أخرى؛ فالخبرة الإنسانية والمعاملات والإخفاقات والقراءات والخيبات تصنع من الفرد نسخًا جديدة وفق ما اعتدنا في الحياة.
وتسير عملية اختلاف الفرد عادة حسب قناعته ورؤيته. وبدأ سيد قطب رحلته مع الأدب والثورة الأدبية والوجودية التي ترى حق الفرد في تحديد مصيره، ومع صدامه بالمجتمع الأمريكي وتفوقه ونظرته المتفوقة المعتادة، والتي تتجلى اليوم في سياسات الهيمنة الأمريكية، بدأ سيد قطب في البحث عن نظام اجتماعي بديل يضع المجتمعات العربية في حالة ندية مع المجتمع الأمريكي.
بحث في بناء نظام اجتماعي جديد، ولكنّه فشل في ذلك، واتجه بعد ذلك إلى ما يُسمّيه بالنظام الإسلامي، لنزعته الإيمانية التي تمكنه من الحضور السريع، وإمكانية الحديث عنه من زاوية المُقدّس. واتفق في هذه الناحية مع جماعة الإخوان المسلمين، وقد عدّوه المُنظّر الرئيس للجماعة، وبدأ رحلته للتنظير للجماعة ووضعها كغاية من أجلها وُجد الفرد.
الفرد بوصفه غاية
كان سيد قطب تلميذًا وفيًّا لعباس محمود العقاد، ومن أشدّ المدافعين عن مدرسة "الديوان" الشعرية في مواجهة الكلاسيكية ومدرسة أبولو. وقد ورث عن العقاد نزعته الفردية الحادة، التي ترى في الأدب تعبيرًا عن "الذات" الفريدة للمبدع، لا محاكاة لقوالب جاهزة أو التزامًا بوظيفة اجتماعية مسبقة.
اهتم قطب بالمسألة الفردية في كتاباته الذاتية والإبداع، وفي كتابه "النقد الأدبي: أصوله ومناهجه"، أعلى قطب من شأن التجربة الشخصية والانفعال الذاتي بوصفهما مصدرًا للقيمة الجمالية، وانتقد بشدة الأدب الذي يذوب فيه الفرد في قالب جمعي أو غرض نفعي مباشر.
لم تكن هذه النزعة الفردية مجرد موقف نقدي، ولكنّها امتدت إلى رؤيته للإنسان عمومًا. ويظهر انشغاله بالتجربة الفردية الحميمية في ديوانه "الشاطئ المجهول" وروايته شبه السريالية "أشواك"، من خلال عرضه للحب والحرمان والحيرة الوجودية، بمعزل عن أيّ إطار عقدي أو تنظيمي جامع.
ويُمكن القول إنّ سيد قطب يعدّ الفرد هنا مركز الكون الأدبي: وعيه، وحساسيته، ووحدته، وحتى تمرّده على القيم الاجتماعية السائدة، كلها أمور تستحق أن تُروى لذاتها، لا لأنّها تخدم قضية جماعية. وتأثر قطب في هذه المرحلة بالأدب الإنجليزي الرومانسي، وبكُتّاب مثل توماس هاردي، الذين عُرفوا بتصويرهم للفرد في مواجهة قدر أعمى أو مجتمع قاسٍ.
وكان قطب في هذه المرحلة علمانيَّ التوجه إلى حد بعيد، بل إنّ بعض كتاباته المبكرة تحمل نقدًا صريحًا لرجال الدين والمؤسسة الدينية التقليدية، ودفاعًا عن حرية الفكر والتعبير الفردي.
البحث عن نظام للعدالة
اتجه سيد قطب بعد ذلك إلى بناء رؤية تنظيمية للحياة، تحل أزمات العالم ويكون العالم كله في حاجة إليها. وسعى لوجود نظام اجتماعي متوازن، لا يحمل الفوارق الاجتماعية الكبرى، ويعمل على توزيع عادل للثروات، وأطلق عليه اسم "المجتمع المتوازن"، ويتطلب خروج هذا النظام من الإطار النظري وجود برنامج اجتماعي شامل يعمل على ميلاد هذا النظام وبنائه.
وظهر الأمر في بدايته سهلًا ويسيرًا حتى حكم الواقع بفشل هذا البرنامج؛ ومن ثم لجأ سيد قطب إلى المشروع الإسلامي كمشروع جاهز بدلًا من إصلاح العقلية الاجتماعية. ويُمثّل كتاب "العدالة الاجتماعية في الإسلام" (1949) نقطة تحوّل مفصلية، من الفردانية إلى الجماعة، وإن لم تتكون القطيعة الكاملة بعد.
فقد كتبه قطب بعد عودته من بعثته إلى الولايات المتحدة، وحاول فيه التوفيق بين حساسية اجتماعية جديدة اكتسبها من احتكاكه بالمجتمع الأمريكي وتفاوتاته العرقية والطبقية، وبين إطار مرجعي إسلامي بدأ يتبلور لديه.
والفرد في هذا الكتاب ما يزال يحتفظ بشيء من مكانته، إلا أنّ صفته الوجودية أصبحت مرهونة بمنظومة العدالة الإسلامية، التي تحدد مهمته في الحياة، وتُشكل مستوى حريته الاقتصادية والاجتماعية لصالح التوازن الجماعي الذي يُقدّمه الإسلام.
من هنا بدأت ملامح انتقال سيد قطب من الفرد كغاية في ذاته، إلى الفرد كوسيلة لتحقق النظام الاجتماعي المتزن، وأخذت رؤيته في التبلور نحو نظام اجتماعي يكون هو الغاية، ويذوب فيه الفرد، وإن كانت الصياغة ما تزال أقرب إلى الإصلاحية منها إلى الراديكالية التي ستظهر لاحقًا.
الفرد بوصفه أداة للجماعة
بعد انضمام قطب إلى جماعة الإخوان المسلمين مطلع الخمسينيات، ومحاولة اغتيال جمال عبد الناصر عام 1954، التي كانت أصابع الاتهام فيها تُشير إلى جماعة الإخوان المسلمين، تم حبس سيد قطب ومرّ بتجربة السجن التي أحدثت التحول الكامل عنده. والفرد الذي كان في الثلاثينيات مركزًا للقيمة ومصدرًا للتجربة الجمالية، أصبح في أدبيات قطب المتأخرة، وعلى رأسها "معالم في الطريق" و"في ظلال القرآن"، أداة يُحرك بها مفهومه الأشمل، وهو "الحاكمية الإلهية".
انطلاقًا من تبنيه المشروع الإسلامي، رأى قطب أنّ العالم يعيش حالة من الإفلاس القيمي الذي يضعه في جاهلية تامة، رغم التقدم الحضاري الذي يسمّيه بالتقدم المادي. وهذه الجاهلية تقوم على أساس السطو على سلطان الله في أرضه من قبل البشر، وعلى الحاكمية التي يراها أخصّ خصائص الألوهية؛ فكلّ مجتمع يحكمه بشر هو جاهلي في نظر سيد قطب.
فهو يجعل البشر بعضهم لبعض أربابًا، ليس بالصورة البدائية المعروفة، ولكن في صورة ادعاء حق وضع الشرائع والقوانين والقيم والأنظمة بعيدًا عن المنهج الإلهي للحياة. ويتمثل المنهج الإلهي للحياة في المنهج الإسلامي، حيث إنّه يحرر الناس من عبادة البشر لعبادة الله عزّ وجلّ.
فالسيادة والحرية الحقيقية ليستا للفرد، بل لله وحده، والفرد لا يتحقق وجوده الشرعي إلا حين يخضع إرادته بالكامل لهذه الحاكمية، عبر الالتزام بالشريعة والانتماء إلى "الجماعة المسلمة" التي تجسّد هذا الالتزام تنظيميًا وعقديًا.
والفرد بهذه الصورة لم يعد ذاتًا مستقلة، وكيانًا له الحق في تحديد مصيره ونظامه المعرفي والسياسي، بل أصبح أداة يتحقق بوساطتها الوجود الفعلي للدين في ظنه، وذلك في صورة الأمّة أو الجماعة، وكان لهذه النظرية تأثيرها الكبير في بناء جماعة الإخوان فيما بعد، حيث نظرت لنفسها على أنّها دعوى دينية تتجاوز ما هو فردي إلى ما هو إنساني، ويُحيي المجتمع والدين.
وكان الهدف عند قطب وجود كيان اجتماعي وسياسي يوازي القوة الأمريكية، وصاغ هذا الكيان في المنهج الإسلامي الذي يُقدّمه وفي جماعة الإخوان المسلمين. ورأى أنّ المجتمعات القائمة، بما فيها المجتمعات التي تصف نفسها بالإسلامية، هي في حقيقتها مجتمعات "جاهلية" ما لم تُحكم بالشريعة الإلهية حصرًا، وأنّ على "الطليعة المؤمنة"، وهي تكوين جماعي منظّم لا فردي، أن تنفصل شعوريًا عن هذه الجاهلية وتعمل على تغييرها.
ويقول في كتابه "الإسلام ومشكلات الحضارة": "نحن - أصحاب المنهج الإسلامي للحياة - نملك للبشرية ما لا يملكه أحد آخر على هذه الأرض...، وحدنا مكلفون أن نتقدم لحمل العبء، ولندلّ البشرية على هذا الطريق، ولننشئ الطريق أيضًا".
وقطب هنا ينفي الحرية البشرية وحقّ الاختلاف والفردانية، ليس على المسلمين فحسب ولكن على الجميع، إذ يكون على البشرية جميعًا اتباعه والفناء في جماعته وقضيته. ويذهب إلى أنّ الفردية، بالمعنى الذي دافع عنه وهو شاب - حق الإنسان في التفرّد والتمرّد والتجربة الذاتية المستقلة عن أيّ سلطة عليا - تصبح الآن من علامات "الجاهلية" ذاتها، إذ إنّها تعني في جوهرها ادّعاء الإنسان السيادة لنفسه بدلًا من تسليمها لله.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%A6_0.jpg.webp?itok=TYlXPcoT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_0.jpeg.webp?itok=pOj_zz6V)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_24_0_0_0.jpg.webp?itok=_8GVUFtm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0_0.jpg.webp?itok=Ch-mrl3u)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%AA%D9%8A_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=BPVEcBqw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A5%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7%20%D9%8A%D9%82%D8%AA%D8%B1%D8%AD%D9%88%D9%86%20%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9%20%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86%20%D9%84%D8%AD%D8%B8%D8%B1%20%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%A8%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%82%D8%B9%20%D9%81%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A7%D9%83%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%A9_1.jpg.webp?itok=A9BdK_zM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%A7%D8%AA%D8%B3%D8%A7%D8%A8_0_0.png.webp?itok=JmXKBBAU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1591977953393945200_0_0_0_0.jpg.webp?itok=wJPMbiER)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%86_6_2_0_4_1_0.jpg.webp?itok=3BWgxlXr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%86_19_0_0_0_0.jpg.webp?itok=_tJT6dEv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_3.jpg.webp?itok=ZtcTiEs_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_10_0.jpg.webp?itok=6-BCnQiw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/9ac9f2d8-fccc-4485-88bc-f0133e15bb31_0.png.webp?itok=aWbKcAYD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_2_0.png.webp?itok=M3unTI3i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4%20_0_0.jpg.webp?itok=uoeFySPp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_5_0_3.jpg.webp?itok=3aAe4Gpw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D8%B1%D9%81_8_2_2.jpg.webp?itok=DOVRyzEA)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%8A%D9%83%D8%AA%D9%88%D9%83_1_0_0.jpg.webp?itok=0mP0eL9Q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%85%D8%A7%D8%B3_22_4_0.jpg.webp?itok=MvMKGF4p)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
