
لسنوات عديدة ظل التيار الديني، بمكوناته المختلفة، صاحب اليد الطولى كفاعل في المجال الديني، والأكثر حضورًا وتأثيرًا مقارنة بالمؤسسة الدينية الرسمية في مصر، واستطاع أن يسهم في تشكيل الوعي لشريحة كبيرة من المجتمع عبر آليات ووسائل مختلفة.
لكن خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد سقوط جماعة الإخوان من الحكم في العام 2013م، تسعى المؤسسة الدينية إلى زيادة مساحة حضورها وتأثيرها في المجتمع، انطلاقًا من رؤيتها بأنّها الفاعل الأهم في المجال الديني مقابل تيار لديه العديد من الأخطاء في قراءة وتفسير النص الديني، كان لها دور في إحداث الأزمات والصراعات في المجتمع.
ورغم العديد من الأنشطة التي تقوم بها المؤسسة الدينية مؤخرًا؛ إلا أنّها لم تستطع صناعة رموز دعوية تستطيع أن تجذب الجمهور وتؤثر فيه، وهو الأمر الذي يتميز به التيار الديني، خاصة السلفي، حيث استطاع خلال العقود السابقة أن يصنع العديد من الرموز التي كان لها دور كبير في قدرة هذا التيار على الانتشار والتأثير في شريحة كبيرة من المجتمع.
والسؤال هنا هو: ما السبب في عدم قدرة المؤسسة الدينية على صناعة الرموز، وما نتائج ذلك فيما يتعلق بالمنافسة بينها وبين التيار الديني على المكانة والحضور والتأثير؟
صناعة الرموز بين المؤسسة الدينية والتيار الديني
في حديث مع أحد الشباب الذين ينتمون إلى "جيل زد"، الذي لا ينتمي بشكل من الأشكال إلى التيار الديني، بل إنّ تخصصه العلمي ومجال عمله يدور في إطار مواجهة ونقد هذا الفكر، قال إنّه يستمع إلى العديد من الشيوخ المنتمين إلى التيار السلفي سواء الدعوي أو الجهادي، فيستمع إلى دروس الشيخ سمير مصطفى وإلى محاضرات أمجد سمير ومحمد الغليظ وأمير منير، وكان جوابه عند سؤاله عن سبب تفضيل هؤلاء على غيرهم إنّ حديثهم جذاب ولا يوجد بديل آخر مناسب!
كان هذا مثيرًا للانتباه والتساؤل حول أسباب عدم إنتاج المؤسسة الدينية رموزًا دعوية يلتف طيف من الجمهور حولها، ويكون لها حضورها المؤثر الذي تستطيع من خلاله منافسة التيار الديني.
يمكننا هنا أن نوضح بعضًا من هذه الأسباب:
تأتي في مقدمة هذه الأسباب الصورة الذهنية الراسخة حول المؤسسة الدينية والتيار الديني لدى شريحة من الجمهور، التي أسهم في صناعتها بشكل كبير هذا التيار؛ حيث يقدم التيار الديني، بمكوناته المختلفة، نفسه على أنّه تيار معارض، يرفض الواقع الذي يراه بعيدًا عن الإسلام، ويطرح نفسه على أنّه البديل الذي يملك الفهم الصحيح للدين، والذي يملك مفاتيح الحلول لأزمات المجتمع ومشكلاته انطلاقًا من هذا الفهم، وفي الوقت نفسه يرسخ صورة ذهنية عن المؤسسة الدينية بأنّها تعمل في خدمة السلطة وتقوم بتطويع النصوص الدينية لتحقيق مصالحها، وينتج عن هذا انجذاب شريحة من الجمهور إلى التيار الديني ورموزه، حيث فكرة المعارضة فكرة جذابة تمنح الثقة لمن يتبناها، سواء كان صادقًا في ذلك أم لا، وتجعله أكثر قدرة على اقناع الآخرين وجذبهم إليه.
السبب الثاني أنّه، في كثير من الأحيان، ينطلق التيار الديني في نشاطه من منطلق أنّه يؤدي رسالة، وهذا نابع من تصوراته حول الواقع الذي يراه بعيدًا عن الإسلام، وأنّه من ثم ينبغي إعادته مرة أخرى إلى الحياة بعد أن تم تهميشه؛ فتتشكل لدى الفرد قناعة بأنّه يقوم بعمل وجودي بدونه لن يكون للإسلام حضور، وبالتالي يبذل من ينتمون إلى هذا التيار جهدًا كبيرًا في نشر أفكارهم، وهذا يظهر على الأداء الحركي والدعوي لهذا التيار، وهذا لا يتوافر في أحيان كثيرة لدى المؤسسة الدينية، حيث يتم أداء الأنشطة الخاصة بها في إطار تقليدي نابع من واجبات الوظيفة والدور المنوط بها.
السبب الثالث هو أنّ المؤسسة الدينية تعمل بشكل مؤسسي أكثر، ولذلك لا تهتم كثيرًا بفكرة صناعة الرموز، بينما التيار الديني يهتم بفكرة الرمز بشكل كبير، ويدرك مدى تأثيره ودوره في انتشار الأفكار وترسيخ حضوره في المجتمع، لذلك يحرص على إعداد هذه الرموز، ليس في مجال الدعوة فقط ولكن في مجالات أخرى عديدة، بل إنّ تنظيمًا مثل الإخوان يحرص عند اختيار الأفراد وضمهم إلى التنظيم منذ البداية على المتميزين منهم علميًا واجتماعيًا وماديًا، لأنّهم أداة تسويق للتنظيم وجذب لغيرهم من الأفراد.
السبب الرابع هو أنّ طبيعة الخطاب الذي يقدّمه التيار الديني، في أغلبه، يقوم على العاطفة أكثر من العقل، ويطرح نفسه كحقائق مطلقة لا تقبل الشك، وهو خطاب جاذب لشريحة كبيرة من الجمهور، لأنّه يرسخ بداخلهم قدرًا من اليقين والطمأنينة، ولو بشكل غير حقيقي، لكنّه قادر على إشباع هذ الشعور لديهم، عكس الخطاب الذي يعتمد على العقل والأدلة ومناقشة الأفكار والرد عليها.
والسبب الخامس أنّ التيار الديني يمتلك قنوات فضائية خاصة به، خاصة قبل الربيع العربي، استطاع من خلالها صناعة وترميز العديد من شخصياته التي أصبح لها جمهور كبير، بعكس المؤسسة الدينية التي لم تكن تمتلك ذلك، كما أنّ هذا التيار بعد الربيع العربي هو الأكثر قدرة على استخدام وتوظيف الفضاء الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي في الانتشار والتأثير في شريحة كبيرة، وفي ترميز شخصياته وجذب الناس إليها.
ينتج عن ذلك، على الرغم من تزايد حضور المؤسسة الدينية في السنوات الأخيرة، وتنوع أنشطتها وتركيزها على الحضور الميداني بين الناس، قدرة التيار الديني على جذب شريحة كبيرة من الأفراد إليه، حيث ينجذب كثير من الناس إلى الشخصيات الكاريزمية أكثر من المؤسسة، خاصة في ظل عصر فرداني تتغلب فيه النزعة الفردية التي أثرت على أنماط كثيرة من الحياة، ومنها أنماط التدين، يفضل خلاله العديد من الأفراد التدين غير الخاضع أو المرتبط بمؤسسة أو تنظيم أو جماعة، ويمثل هذا الأمر أحد التحديات التي تواجهها المؤسسة الدينية التي تسعى بكل جهد إلى إثبات حضورها واستعادة مكانتها بعد أن طغى عليها هذا التيار.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_16.jpg.webp?itok=s5Dbl3BY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%861_2.jpg.webp?itok=S14p8ITh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AF_2.jpg.webp?itok=FKnR3tYy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%860_5.jpg.webp?itok=YKNQmIT8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_16.jpeg.webp?itok=ISW64wxG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_93.jpg.webp?itok=qgH1Givn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%86%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A8_2.jpg.webp?itok=IPhE58Nz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%86_80.jpg.webp?itok=oEO7D_Tq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B41_2.jpg.webp?itok=_4S_bwoW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_10.jpg.webp?itok=oLjjqwPg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA_61_0_3_0_2_0_0.jpg.webp?itok=pEu2Hd26)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%BA%D9%8A_0.jpg.webp?itok=cB4aXrzB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B0%D8%A7%D8%A1_0.png.webp?itok=_l21XXdm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B2%D9%87%D8%B1_0_0.jpg.webp?itok=E0bxIKTf)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B40_2.jpg.webp?itok=h-BqKSyo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%A8_3.jpg.webp?itok=t9lBWJnB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_7.jpeg.webp?itok=K8Lv-QOz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_139.jpg.webp?itok=P1Gim0tZ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B7%D8%B1%D9%81_13_0_2_1_0_0.jpg.webp?itok=MVKfEVYw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%AC%D8%AF_0.png.webp?itok=km0ltUK9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-10-29%20105658.png.webp?itok=KHsHX29B)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%865_4.jpg.webp?itok=kPFtr5y3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%831_1.png.webp?itok=95lw6ge3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A72_1.png.webp?itok=YYGzHrYP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_136.jpg.webp?itok=CrSbMw9-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%84%D9%81_2_4_1_1.jpg.webp?itok=V8hLmgWo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)