
حميد قرمان
تمرّ اليوم ثلاثة أعوام كاملة على أحداث السابع من أكتوبر، وغزة الغارقة في ركامها تنزف بلا توقف، دافعةً الفاتورة الأكثر دموية وقسوة في تاريخ القضية الفلسطينية المعاصرة. لقد كانت هذه الأعوام كفيلة بإماطة اللثام عن زيف الشعارات التي تلهب الغوغائية العربية، وتأكيد المؤكد: أن تلك المقامرة العسكرية غير المحسوبة لم تكن سوى عبث سياسي وعسكري مكتمل الأركان، ارتهنت فيه حركة حماس لأجندات المحور الإيراني، مضحيةً بشعب أعزل منكوب تُرك يواجه آلة الدمار الإسرائيلية دون أدنى مقومات الحماية أو المسؤولية الأخلاقية.
منذ الأيام الأولى لما وصفته سابقاً بـ”بروفة الحرب العالمية”، كان المشهد ينحدر بوتيرة متسارعة نحو قاع الصراع. واليوم، وبعد مرور ثلاث سنوات، يتجلى التآكل الداخلي والتمزق التنظيمي داخل حركة حماس كحتمية تاريخية لنتائج ذلك اليوم؛ فالصراع المحتدم خلف الأبواب المغلقة، والتصدعات العميقة بين تيار خليل الحية المنحاز كلياً للمشروع الإيراني، وتيار خالد مشعل الذي يحاول المناورة السياسية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، يُثبت أن الحركة تعيش أزمة وجودية وشللاً مالياً وسياسياً خانقاً، لا سيما بعد المراجعات الإقليمية ورفع الغطاء الدبلوماسي والمالي التقليدي عنها.
لم تقتصر تداعيات السابع من أكتوبر على الجغرافيا الفلسطينية المحاصرة، بل امتدت لتحدث زلزالاً سياسياً وعسكرياً عصف بدول الجوار، وعرّى زيف نظرية “وحدة الساحات”. فمن لبنان الذي تحوّل جنوبه إلى ساحة استنزاف دفع فيها اللبنانيون كلفة باهظة من أمنهم واستقرارهم لحساب طهران وحزب الله، إلى سوريا التي آثر نظامها السابق النأي بالنفس تجنباً لأثمان حرب لا ناقة له فيها ولا جمل؛ فسقط بشار الأسد، ليرث النظام الحالي تركة ثقيلة تتطلب ميزاناً دبلوماسياً دقيقاً للتعامل معها، وصولاً إلى العراق الذي حاولت ميليشياته المناورة بالصواريخ والمسيّرات دون أثر استراتيجي؛ فتجلى انحسار هذا المفهوم الشعاراتي. لقد كشفت الأحداث أن “وحدة الساحات”. لم تكن سوى أداة وظيفية لإدارة النفوذ الإيراني، تخلت عنها طهران حين لاحت نذر الخطر على رأس النظام نفسه، ليُترك كل بلد يواجه مصيره منفرداً وسط الأزمات والرماد.
إن بقاء حماس وإصرار قياداتها على التمسك بسلطة الأمر الواقع الوهمية فوق الركام والقبور في غزة، بات يمثل خطراً مستداماً ووقوداً لدوامة حرب لا تنتهي. ولم يعد مجدياً الوقوف في المنطقة الرمادية، بل إن المسؤولية الوطنية والتاريخية تقتضي من القوى الإقليمية والدولية اتخاذ خطوات حاسمة لتفكيك هذه البنية الفصائلية العبثية، ومحاسبة قادة الحروب والمقامرات دولياً على تبديد مقدرات شعب بأكمله وإقحامه في نفق مظلم من التدمير والتهجير.
تداعيات هذا الطيش السياسي لم تتوقف عند حدود غزة والإقليم، بل منحت اليمين الإسرائيلي المتطرف ذريعةً ذهبية لتسريع مخططات حسم الصراع؛ عبر الاستفراد بالضفة الغربية، وتوسيع الاستيطان، ومحاولة فرض التهجير القسري والناعم لإنهاء الهوية الوطنية. إن غياب الإستراتيجية الوطنية الموحدة، والتمسك بالمكاسب الفصائلية الضيقة، فتح الباب على مصراعيه لتصفية القضية الفلسطينية جغرافياً وسياسياً، وتحويل ما تبقى من الأرض إلى كانتونات معزولة تفتقر إلى مقومات الدولة المستقلة.
إن المخرج لإنقاذ الكيانية السياسية الفلسطينية وقطع الطريق على تجار الحروب لا يكمن في تكرار جولات الحوار العقيمة أو اتفاقيات المحاصصة التي تولد ميتة، بل في مسار حازم قوامه: العودة الفورية وغير المشروطة إلى مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، والاحتكام المباشر لصناديق الاقتراع ليعود القرار إلى صاحبه الحقيقي؛ الشعب الفلسطيني. آن الأوان لإنهاء التفرد الفصائلي المدمر، والتمسك بواقعية سياسية تفضي إلى حل الدولتين والسلام الشامل، لإعادة بناء ما دمرته مغامرات تشرين، واستعادة الأمل لجيل حُرم من أبسط حقوقه في الاستقرار والعيش بكرامة.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A70_0.jpg.webp?itok=8AfEGZmv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84_7.jpg.webp?itok=6mI6YROu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF_2.jpg.webp?itok=fBPlGQsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84%20%D8%AB%D9%85%D8%A8_2.jpg.webp?itok=I739EkpH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A70_2.jpg.webp?itok=wfCFsWo3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%86%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A8.jpg.webp?itok=Sc89Icxk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%A8%D9%8A%D8%A8.png.webp?itok=5gcN-1Z1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D9%88%D8%A7%D8%B9%D8%B4_2.jpg.webp?itok=ESr3C0Ja)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84_4.jpg.webp?itok=yzd7mO_r)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%8A%D8%A7%D8%AF.jpeg.webp?itok=pUNyeol-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A700.png.webp?itok=uct3Guc2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B4%D8%A8%D8%B1.png.webp?itok=Xrnhq4Ko)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B41.png.webp?itok=JKfea8uV)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%8600_1.png.webp?itok=Jd04hQlB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_3.jpg.webp?itok=f_obAOzS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_5.jpg.webp?itok=0qOglt4v)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_1.jpg.webp?itok=xJV_iVmx)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%8A_0.jpg.webp?itok=tBMyYKB8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_129.jpg.webp?itok=aju99hfl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%81%D9%81_1.jpg.webp?itok=zXUGGeDE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1_0_1.jpg.webp?itok=EfTkqtIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_87.jpg.webp?itok=j3N6HAhd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)