مرجعيات الشيعة بين معارضة ولاية الفقيه والتحفظ على نهج الحكم في إيران

مرجعيات الشيعة بين معارضة ولاية الفقيه والتحفظ على نهج الحكم في إيران

مرجعيات الشيعة بين معارضة ولاية الفقيه والتحفظ على نهج الحكم في إيران


30/07/2026

منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 شكّلت نظرية "ولاية الفقيه" الركيزة الأساسية التي قام عليها النظام السياسي في إيران، بعدما منحها الإمام روح الله الخميني بُعدًا دستوريًا وسياسيًا جعلها المرجعية العليا في إدارة الدولة. غير أنّ هذه النظرية، التي تعدها القيادة الإيرانية أساسًا لشرعية الحكم، لم تحظَ بإجماع داخل المؤسسة الدينية الشيعية، بل واجهت منذ بداياتها اعتراضات فقهية وسياسية من عدد من كبار المراجع والعلماء الذين رأوا أنّ إدارة الدولة ينبغي ألّا تُختزل في سلطة فقيه واحد يمتلك صلاحيات مطلقة.

وعلى امتداد العقود الماضية، برزت مدارس فكرية ومرجعيات دينية قدمت رؤى بديلة لتنظيم السلطة، من أبرزها نظرية "شورى الفقهاء" التي تبنّاها المرجع محمد الشيرازي، إلى جانب مواقف مراجع بارزين مثل حسين علي منتظري وعلي السيستاني ومحمد حسين فضل الله وغيرهم، ممّن انتقدوا مفهوم الولاية المطلقة أو دعوا إلى تقييدها. ويستعرض هذا التقرير أبرز هذه الاتجاهات الفكرية، والخلافات التي أثارتها داخل الحوزات العلمية، وانعكاساتها على العلاقة بين المرجعيات الدينية والسلطة السياسية في إيران.

 الشيرازي ونظرية "شورى الفقهاء" بديلاً عن ولاية الفقيه

جهر محمد الشيرازي بنظرية "شورى الفقهاء" داخل إيران، من خلال إنشاء مجلس فقهي يتكون من أصحاب الدرجات العليا في العلم الشرعي، تختارهم الأمة لإدارة شؤون الحكم بأغلبية آرائهم، ليكون هذا المجلس بديلاً عن الفقيه الواحد، وذلك بناءً على مركزية الشورى في الخطاب القرآني، كما في قوله تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾. غير أنّ الشيرازي لم يكتفِ ببيان موقفه الشرعي من النظرية السياسية في الحكم، إذ سرعان ما تصدى لنموذج الحكم القائم على مفهوم الخميني لولاية الفقيه، الذي نزع عنه الشرعية الدينية، معتبرًا إيّاه نوعًا من الدكتاتورية، وهو الموقف ذاته الذي تبنّاه، بعد وفاته في 2001، شقيقه صادق الشيرازي ووريثه في قيادة المرجعية الشيرازية، التي يعتبرها البعض الثانية من حيث الانتشار والتأثير على مستوى العالم بعد مرجعية ولاية الفقيه، كما ذكر بوشيخي، حيث تمسك بمعارضته لـ"ديكتاتورية" ولاية الفقيه، لدرجة أنّ حسين بن صادق الشيرازي، وصف الخميني بـ "فرعون"، في كانون الأول/ديسمبر 2017، مشيرًا إلى أنّ "مبدأ أنا ربكم الأعلى وهذه طريقتكم المثلى يتجلى في ولاية الفقيه"، وأنّ البلاد "قائمة على هذا المفهوم بقضّها وقضيضها".

اعتقال حسين الشيرازي وتصاعد المواجهة مع السلطات الإيرانية

ومن اللافت أنّ المحكمة الخاصة برجال الدين في إيران، مطلع شباط/فبراير 2018، أصدرت مذكرة توقيف بحق رجل الدين الشيعي حسين الشيرازي، نجل المرجع الديني البارز وزعيم التيار الشيرازي آية الله صادق الشيرازي، وذلك على خلفية تصريحات انتقد فيها المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، ووصفه بـ"الديكتاتور" و"فرعون العصر". وأوقف الشيرازي، وخضع للاستجواب، قبل أن يُفرج عنه في اليوم نفسه.

وفي 6 آذار/مارس 2018 صعّدت السلطات الإيرانية إجراءاتها بحقه، إذ اعترضت عناصر من الاستخبارات الإيرانية سيارة المرجع صادق الشيرازي ونجله حسين في أحد شوارع مدينة قم، قبل أن تقوم باعتقال حسين الشيرازي، وسط تقارير وثقت تعرضه للضرب والسحل وإسقاط عمامته، ثم اقتياده إلى جهة غير معلومة آنذاك، في حادثة أثارت ردود فعل واسعة داخل الأوساط الدينية والسياسية المرتبطة بالتيار الشيرازي.

مواقف المرجعيات الرافضة لولاية الفقيه ودعوات الفصل بين الدين والسياسة

من ثم، فإنّ مرجعيات التقليد، الرافضة لحكم ولاية الفقيه المطلقة، لم تبدِ حماسًا في الدفاع عن إيران في حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وهذا لا ينطبق فقط على مرجعية الشيرازي، التي ظلت تلتزم الصمت، كما فعلت خلال حرب الاثني عشر يومًا في حزيران/يونيو الماضي، حتى إنّ ياسر الحبيب، أحد أتباعها المتشددين، أثار انحرافات خامنئي "الكفرية"، وحرَّم عبارات المدح في عزائه، ودعا الجيش الإيراني إلى الالتفاف حول "المرجعيات العدول"، قاصدًا بها أساسًا مرجعية صادق الشيرازي. وهذا ينطبق أيضًا على مواقف مرجعيات أخرى من خارج إيران، وإن بدرجة أقل، مثل مرجعية علي السيستاني، الذي اقتصرت بياناته على مواساة الشعب الإيراني والتعزية برحيل خامنئي، دون تنديد صريح بالقاتلين، كما اكتفى، بعد إعلان اختيار مجتبى لقيادة البلاد، ببيان مقتضب وباهت، صدر متأخرًا يوم 11 آذار/مارس، عبَّر من خلاله عن أمله في أن يوفَّق في خدمة الشعب الإيراني، و"دفع شرّ الأعداء والحفاظ على الوحدة والانسجام الوطني"، وهو سلوك يحكمه حذر السيستاني من استمرار حكام طهران في تمديد نفوذهم بالعراق والمنطقة، كما ورد في دراسة: "قراءة في عقل مجتبى خامنئي: تحت التأثير العقدي والإيديولوجي.. كيف سيفكر قائد إيران الجديد؟".

بالمحصلة، تبدو ثمة ضرورة لتحرير الدين من أعباء السلطة السياسية، وتحرير السياسة من النماذج والأطر الاحتكارية التي تستدعي المقدّس لكسب الشرعية. ذلك ما يمكن البحث عنه من خلال عدم تطويق المجال العام أمام الحوار والتعددية، سواء كانت ثقافية أو دينية، وتنمية دولة المواطنة والحقوق والمؤسسات. 

وتكشف التجربة الإيرانية أنّ الجدل حول ولاية الفقيه لم يكن يومًا خلافًا فقهيًا مجردًا، بل ظل مرتبطًا بطبيعة الدولة وحدود السلطة وعلاقة المؤسسة الدينية بالحكم. فبينما تمسكت القيادة الإيرانية بمفهوم الولاية المطلقة بوصفه الأساس الدستوري للنظام، واصلت مرجعيات دينية بارزة طرح رؤى مغايرة تدعو إلى تقييد صلاحيات الحاكم أو استبدالها بصيغ أكثر تشاركية، مثل "شورى الفقهاء" أو الفصل بين المرجعية الدينية وإدارة السلطة السياسية.

ومع التحولات التي تشهدها إيران داخليًا وخارجيًا، وتزايد الضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية، يبقى مستقبل هذا الجدل مفتوحًا على احتمالات متعددة، في ظل استمرار التباين بين المدارس الفقهية الشيعية بشأن شرعية نموذج الحكم القائم. ويشير ذلك إلى أنّ النقاش حول ولاية الفقيه ما يزال يمثل أحد أبرز القضايا المؤثرة في تطور النظام السياسي الإيراني، وفي طبيعة العلاقة بين الدين والدولة، وبين المرجعيات الدينية والسلطة الحاكمة.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية