الإخوان واستراتيجية النفوذ الإعلامى غير المباشر

الإخوان واستراتيجية النفوذ الإعلامى غير المباشر

الإخوان واستراتيجية النفوذ الإعلامى غير المباشر


29/07/2026

سامح فايز

أصبحنا أسرى ما تصدّره لنا منصات التواصل الاجتماعى من طوفان أخبار ومعلومات لم تخرج من صالات التحرير ولا مراكز الأخبار الموثوقة، إنما خرجت من صفحات سوشيال ميديا يملكها أشخاص عاديون، ويقف خلفهم آلاف الحسابات المدفوعة لتمرير خطابات بعينها أو معلومات مضللة وأخبار كاذبة تسهم في تشكيل الرأى العام حسب أهداف مُروِّج الخبر، وفي حالتنا تلك نسعى للبحث في كيف وظفت جماعة الإخوان تلك الأذرع الإعلامية الجديدة في معركتها مع الوطن والدولة المصرية، بل والشعب المصرى ككل!

يكشف تاريخ جماعة الإخوان أن الإعلام لم يكن يوماً نشاطاً موازياً للعمل التنظيمي، وإنما أحد أركانه الأساسية. فالشخصية التي أوكل إليها حسن البنا مهمة إدارة صحافة الجماعة، صالح عشماوي، هو نفسه الذي تولى قيادة النظام الخاص، الجناح المسلح للتنظيم، في دلالة يصعب تجاوزها؛ إذ بدت السيطرة على الرأى العام، منذ السنوات الأولى، امتداداً طبيعياً للسيطرة على التنظيم. تغيرت الأسماء، وتعاقبت الأجيال، لكن الفكرة ظلت حاضرة؛ صناعة التأثير أهم أسلحة المعركة.

يعيد المشهد الإعلامى، بعد عام 2013، إنتاج الفكرة نفسها، ولكن بأدوات مختلفة. فمع خروج قيادات الجماعة إلى الخارج، وانهيار بنيتها الإعلامية التقليدية داخل مصر، فقدت الجماعة صحفها وقنواتها، لكنها لم تفقد قناعتها القديمة بأن المعركة الحقيقية تبدأ من تشكيل الوعي. ولم تعد الحاجة إلى صحيفة تحمل شعار الجماعة، أو مجلة يوقّع افتتاحيتها رئيس تحرير معروف، بقدر ما أصبحت الحاجة إلى شخصية قادرة على مخاطبة الجمهور مباشرة، من دون أن تبدو أسيرة للخطاب التنظيمى التقليدى.

من شاعر ونحات إلى إعلامى للإخوان

يظهر محمد ناصر بوصفه أحد أشهر نماذج هذا التحول. فلم يقدم نفسه متحدثاً رسمياً للتنظيم، إنما ادعى أنه معارض مصرى يمثل صوت المعارضة في الخارج. وبمرور الوقت، لم تعد قيمة البرنامج فيما ينقله من أخبار، بل فيما يضفيه عليها من تفسير وإطار سياسي مضلل يعيد ترتيب الوقائع داخل رواية واحدة.

يعكس هذا التحول تغيراً أعمق في فلسفة الإعلام الإخواني. فالجماعة التي اعتمدت، لعقود، على المؤسسة الإعلامية، بدأت تراهن على الإعلامى نفسه. ولم تعد القناة هي البطل، بل مقدم البرنامج. ولم يعد اسم المؤسسة هو الضامن لاستمرار التأثير، بل أصبحت الشخصية الإعلامية هي التي تحمل جمهورها معها أينما انتقلت، من شاشة فضائية إلى منصة رقمية، ومن استوديو إلى بث مباشر عبر الهاتف.

يعيد هذا النموذج إلى الأذهان تجربة قديمة في تاريخ الجماعة. فعندما أرادت قيادة الإخوان، في أربعينات القرن الماضى، الرد على خصومها بلغة لا تتناسب مع صحفها الدعوية، صدرت مجلة «الكشكول الجديد». ويروى أحمد عادل كمال، في كتابه «النقط فوق الحروف»، أن محمود عساف وأمين إسماعيل قدّما استقالة شكلية، ثم صدرت المجلة لتخوض معارك سياسية حادة، بينما ظلت الجماعة بعيدة عن المواجهة المباشرة. تغيرت الوسائل، لكن المنطق بقى واحداً؛ البحث عن مساحة إعلامية تستطيع أن تقول ما لا تقوله المنصة الرسمية، أو بمعنى أدق؛ صناعة أذرع إعلامية تمثل خطاب الإخوان دون أن تكون محسوبة عليها تنظيمياً!

يطرح هذا التحول سؤالاً يتجاوز محمد ناصر نفسه: هل خسرت جماعة الإخوان وسائلها الإعلامية بعد عام 2013 بالفعل، أم أنها أعادت توزيع أدوارها؟ تشير التجربة إلى انتقال الجماعة من الاستثمار في المؤسسة إلى الاستثمار في الشخص، ومن رئيس التحرير الذى يقود الجريدة إلى الإعلامى الذي يقود الخوارزمية. وهناك العديد من النماذج التي تظهر في مقدمة ذلك الخطاب الإعلامي الرقمي مرتدية ثوب المعارضة دون الانتماء الظاهري للجماعة، والمقابل دائماً معروف، آلاف الدولارات التي يتحصلون عليها شهرياً كرواتب من اللجان الإعلامية للتنظيم، فالمال هو التفسير الوحيد طالما أن الأيديولوجية لا مكان لها داخل العقل الذي يدير الخطاب الإعلامي للإخوان على شاكلة ناصر ومعتز مطر وأسامة جاويش وآخرين، قد لا يكونون بنفس الشهرة، إنما مجرد لايفات انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي قدمها أشخاص عاديون لكن التنظيم دعم ترويجها لمجرد أنها تخدم أهداف التنظيم، حتى لو كانت هيئة ومظهر وقناعات مقدمها تختلف مع ما يتبناه الإخوان!.

معتز مطر.. كيف تحول الإعلامى إلى مؤسسة؟

يعكس مسار معتز مطر تحولاً لافتاً في طبيعة الإعلام السياسى العربي خلال العقد الأخير؛ فالمعروف أنه بدأ مذيعاً داخل مؤسسة إعلامية، لكنه انتهى إلى مشروع إعلامي مستقل يحمل جمهوره معه أينما انتقل، حتى أصبحت القناة، في كثير من الأحيان، أقل أهمية من اسم مقدم البرنامج نفسه.

يمنح أسلوب معتز مطر مثالاً واضحاً على هذا التحول. فلم يقدم نفسه بوصفه ممثلاً لتنظيم سياسي، وإنما باعتباره إعلامياً يخوض مواجهة يومية مع السلطة، مستخدماً لغة انفعالية تعتمد على الإيقاع السريع، والأسئلة المتلاحقة، والمخاطبة المباشرة للمشاهد. وهي أدوات أثبتت فاعليتها في بيئة رقمية تكافئ التفاعل أكثر مما تكافئ المعالجة المتعمقة.

يطرح هذا التحول سؤالاً يتجاوز تجربة معتز مطر نفسها: هل ما نشهده هو إعلام سياسي بالمعنى التقليدي، أم اقتصاد جديد يقوم على أموال التنظيم الدولي للإخوان؟ تشير التجربة إلى أن الإعلام المحسوب على الإخوان في الخارج لم يكتفِ بتغيير وسائله، وإنما أعاد تعريف الإعلامى نفسه. فلم يعد موظفاً داخل مؤسسة، بل أصبح مؤسسة إعلامية متكاملة تمتلك جمهوراً، ومنصة، وآليات انتشار، وهو تحول يمثل أحد أبرز ملامح الإعلام الرقمي خلال السنوات الأخيرة، سواء بالنسبة إلى الإعلام المحسوب على جماعة الإخوان أو إلى المجال الإعلامى العربى بصورة عامة.

أسامة جاويش.. حين هجر الإعلام الإخواني الاستوديو

يعكس صعود أسامة جاويش مرحلة مختلفة في تطور الإعلام المحسوب على جماعة الإخوان. فإذا كان محمد ناصر يمثل جيل الفضائيات السياسية، ومعتز مطر يمثل مرحلة الإعلامى النجم، فإن جاويش ينتمى إلى جيل أدرك مبكراً أن معركة التأثير لم تعد تُحسم داخل الاستوديو، وإنما على شاشة الهاتف المحمول.

يكشف هذا التحول عن تغير جوهري في فلسفة الاتصال السياسى بعد عام 2013. فالقنوات الفضائية، رغم أهميتها، أصبحت أكثر تكلفة، وأكثر عرضة للإغلاق أو لتغيير سياسات الدول المستضيفة، بينما أتاحت المنصات الرقمية مساحة أقل تكلفة، وأوسع انتشاراً، وأصعب في السيطرة عليها. وهكذا انتقل مركز الثقل، تدريجياً، من البث الفضائى إلى المنصات الرقمية.

يستفيد «جاويش» من قواعد هذا العالم الجديد. فلم تعد المادة الإعلامية حلقة تمتد ساعة كاملة، وإنما مقطعاً لا يتجاوز دقائق معدودة، يحمل عنواناً لافتاً، وإيقاعاً سريعاً، ورسالة مباشرة. وأصبحت المنافسة تدور حول عدد المشاركات، ومعدل الاحتفاظ بالمشاهد، وسرعة انتشار المقطع، أكثر من دورانها حول جودة الإنتاج التليفزيوني التقليدي.

يكشف تتبع خطاب «جاويش» عن اعتماد واضح على الأدوات التي يفضلها الإعلام الرقمي؛ العناوين المكثفة، والاقتباسات القصيرة، والمواد المصورة القابلة لإعادة التداول، إلى جانب التفاعل المباشر مع الأحداث الجارية. وهي أدوات تتوافق مع بيئة تمنح الأولوية للسرعة والانتشار، أكثر من منحها للمعالجة المطولة.

البث المباشر.. كيف تتحول الشائعة إلى أزمة سياسية؟

يكشف البث المباشر على منصات التواصل الاجتماعي عن واحد من أبرز التحولات في معركة التأثير خلال السنوات الأخيرة. فلم يعد صانع المحتوى بحاجة إلى غرفة أخبار، أو هيئة تحرير، أو حتى إلى الوقت الكافي للتحقق من المعلومات. ويكفي هاتف محمول واتصال بالإنترنت ليبدأ بث رواية قد تصل إلى مئات الآلاف من المستخدمين خلال دقائق.

يفرض هذا النموذج معادلة جديدة على المجال العام. فالخبر غير الموثق، الذي كان يحتاج في الماضي إلى صحيفة أو قناة تليفزيونية حتى ينتشر، أصبح اليوم قادراً على الوصول مباشرة إلى الجمهور، مستفيداً من خوارزميات تمنح الأفضلية للمحتوى العاجل والمثير، أكثر مما تمنحها للمحتوى الدقيق أو المتحقق منه.

يستغل مطلقو الشائعات عنصر الزمن قبل أى شىء آخر. ففي الساعات الأولى من وقوع حادث أو أزمة، يرتفع الطلب على المعلومات، بينما تكون البيانات الرسمية محدودة أو لم تصدر بعد. وتتحول هذه الفجوة الزمنية إلى مساحة خصبة لتداول روايات غير موثقة، قد تنتشر على نطاق واسع قبل ظهور الرواية الكاملة أو المعلومات المؤكدة.

يعيد تكرار الرسالة عبر عشرات الحسابات والصفحات إنتاج الانطباع بأنها حقيقة مستقرة. فالمستخدم قد يصادف الإدعاء نفسه أكثر من مرة، ومن أكثر من مصدر، فيميل إلى الاعتقاد بصحته، ليس استناداً إلى دليل، وإنما نتيجة كثافة التكرار. وهكذا تتحول المنصات الرقمية إلى بيئة تضخم الشائعة قبل أن تتيح فرصة التحقق منها.

تستفيد جماعة الإخوان الإرهابية من هذا النمط في إدارة معارك الرأى العام. فالبث المباشر يمنح صاحبه القدرة على مخاطبة الجمهور دون المرور بآليات التحرير أو المراجعة المهنية، كما يتيح إعادة بث المحتوى واقتطاع مقاطعه وتداولها عبر منصات متعددة، بما يضاعف من سرعة انتشاره واتساع نطاق وصوله.

يضعف هذا الأسلوب ثقة الجمهور في المؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام عندما تتكرر المعلومات غير الدقيقة، خاصة إذا تعلقت بقضايا الأمن، أو الاقتصاد، أو الخدمات العامة، أو الحوادث الكبرى. وحتى إذا ظهرت لاحقاً معلومات تنفي الادعاء أو تصححه، فإن أثر الرواية الأولى قد يظل حاضراً لدى قطاع من المتابعين، لأن التصحيح غالباً ما ينتشر بوتيرة أبطأ من انتشار الادعاء الأصلى.

ينتهى الأمر إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في تقنية البث المباشر ذاتها، وإنما في استخدامها لنشر معلومات غير موثقة في لحظات تتسم بارتفاع اهتمام الرأى العام. وفي هذا السياق، تصبح سرعة إصدار البيانات الرسمية، وإتاحة المعلومات الدقيقة، وتعزيز ثقافة التحقق، أدوات لا تقل أهمية عن مواجهة المحتوى المضلل نفسه، في بيئة إعلامية أصبحت الخوارزمية فيها شريكاً رئيسياً في تشكيل اتجاهات الرأى العام.

إعادة تعريف أدوات التأثير

تكشف النماذج السابقة أن التحول الذي شهده الإعلام المحسوب على جماعة الإخوان بعد عام 2013 لم يقتصر على تغيير القنوات أو الانتقال من دولة إلى أخرى، بل امتد إلى إعادة تعريف أدوات التأثير نفسها. فقد تراجع الاعتماد على المؤسسة الإعلامية التقليدية، مقابل صعود الإعلامي الفرد، وصانع المحتوى، والبث المباشر، ومنصات التواصل الاجتماعي، باعتبارها أدوات أكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور وأقل ارتباطاً بالهياكل التنظيمية التقليدية.

وتشير متابعة هذا المسار إلى أن معركة التأثير لم تعد تُدار فقط عبر امتلاك صحيفة أو قناة فضائية، وإنما عبر القدرة على إنتاج محتوى سريع الانتشار، وإعادة تدويره على أكثر من منصة، والاستفادة من آليات عمل الخوارزميات التى تمنح الأولوية للتفاعل وسرعة التداول. وبهذا المعنى، أصبح النفوذ الإعلامى يقاس بمدى الوصول إلى المستخدم، لا بحجم المؤسسة الإعلامية التى تقف خلف الرسالة.

وتؤكد هذه التحولات أن فهم الإعلام المحسوب على جماعة الإخوان الإرهابية لم يعد ممكناً بالاعتماد على دراسة القنوات الفضائية أو المنصات الرسمية وحدها، وإنما يتطلب تتبع الشبكات الرقمية، وأنماط إنتاج المحتوى، وآليات إعادة نشره، والأدوار التي يؤديها الإعلاميون والمؤثرون والحسابات الشخصية في تشكيل المجال العام. فهذه الأدوات أصبحت تمثل، في كثير من الأحيان، الامتداد الأكثر فاعلية لاستراتيجية التأثير الإعلامي خلال العقد الأخير.

ولهذا، فإن دراسة النفوذ الإعلامي غير المباشر لم تعد ترفاً، بل أصبحت ضرورة لفهم طبيعة الصراع على تشكيل الرأى العام في العصر الرقمي، حيث باتت الرسالة الإعلامية قادرة على تجاوز الحدود الجغرافية، والوصول إلى ملايين المستخدمين في لحظات، دون الحاجة إلى مؤسسة إعلامية تقليدية أو هيكل تنظيمى ظاهر.

الوطن




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر التقارير

الصفحة الرئيسية