هل يستطيع لبنان أن يخرج من معادلة المحاور؟

هل يستطيع لبنان أن يخرج من معادلة المحاور؟

هل يستطيع لبنان أن يخرج من معادلة المحاور؟


27/06/2026

محمد الصالحين الهوني

البيان المشترك الصادر عن واشنطن وعواصم خليجية كبرى ويضع ملف سلاح حزب الله على رأس شروط الاستقرار، يقرأه اللبنانيون كما يقرأ المريض نتائج فحوصاته: بمزيج من الخوف والأمل واليقين بأن ما يأتي لاحقا سيكون مؤلما أيا كان.

لبنان معتاد على أن يكون موضوع بيانات دولية. ما يختلف هذه المرة هو أن البيان يأتي في ظرف بالغ الهشاشة، بعد حرب أنهكت الجنوب وأثقلت الاقتصاد المنهك أصلا، وفي خضمّ مرحلة انتقالية سياسية لا تزال تبحث عن توازناتها.

السؤال الذي يطرحه البيان ليس جديدا في مضمونه، لكنه جديد في سياقه: هل يستطيع لبنان، الدولة التي تحكمها توازنات طائفية هشّة وتسكنها فصيلة مسلحة تملك من القوة العسكرية ما يفوق الجيش الرسمي، أن يخرج من معادلة المحاور ويعيد تعريف سيادته في مواجهة ضغط دولي متصاعد وإقليمي متشابك؟

لا توجد في العالم الديمقراطي حالة تشبه حالة لبنان في علاقته بحزب الله. حزب يُشارك في الانتخابات البرلمانية ويجلس في الحكومة ويتحدث بلغة السياسة المدنية، ويمتلك في الوقت ذاته منظومة عسكرية مستقلة تماما عن قيادة الجيش اللبناني، وتتخذ قراراتها الحربية في طهران وضاحية بيروت لا في السرايا الحكومية. هذه الازدواجية ليست مجرد إشكالية قانونية أو دستورية، بل هي التشخيص الأدق لأزمة الدولة اللبنانية في جوهرها.

حين تندلع حرب في الجنوب، كما جرى في صيف 2024، لا يُقرّر مجلس الوزراء اللبناني خوضها أو إيقافها. القرار يُتخذ في مكان آخر، وفق حسابات تتجاوز الحدود اللبنانية ومصلحة المواطن اللبناني. الدولة تجد نفسها في موقف مُحرج: مسؤولة أمام المجتمع الدولي عما يجري على أرضها، لكنها لا تملك آليات السيطرة الكاملة على ما يجري فعلا.

هذا الواقع انعكس مباشرة على الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة منذ انهيار 2019. صندوق النقد الدولي يشترط إصلاحات هيكلية، لكن الإصلاحات الجدية تحتاج إلى دولة تملك قرارا موحدا وسيادة على أراضيها وقوانينها. حين يكون جزء من منظومة الحكم خارج دائرة القانون الوطني، تصبح الإصلاحات بناءً فوق أرض غير مستوية.

التوازنات الداخلية بين القوى السياسية اللبنانية تجعل أي معالجة جريئة لهذا الملف بالغة التعقيد. الطائفية السياسية التي يقوم عليها النظام اللبناني لا تُتيح لأي زعيم أن يواجه حزب الله باعتباره خصما دون أن يُتّهم بخدمة مشروع طائفي أو خارجي. حزب الله استثمر هذه المعطيات ببراعة: جعل أي نقد لسلاحه يبدو كأنه هجوم على طائفة أو على “المقاومة” بوصفها قيمة جمعية لا موقفا سياسيا قابلا للنقاش.

لقراءة البيان الأميركي – الخليجي قراءة صحيحة، لا بد من الخروج من الإطار اللبناني والنظر إلى الخريطة الأوسع. ملف حزب الله اللبناني لا يُناقَش في واشنطن والرياض وأبوظبي بوصفه قضية لبنانية داخلية، بل بوصفه ورقة في الإستراتيجية الأشمل للحدّ من النفوذ الإيراني في المشرق العربي.

منذ الاتفاق النووي الأول عام 2015 ومرورا بانهياره وصولا إلى المفاوضات الراهنة، ظل سلاح الميليشيات الحليفة لإيران في العراق واليمن ولبنان وسوريا قضية مُعلَّقة لم تُعالجها أي من الاتفاقيات النووية. المنطق الإيراني المعلن هو أن هذه الأذرع ليست موضوع تفاوض مع الغرب لأنها شأن سيادي للدول المضيفة. المنطق الغربي والخليجي المضاد هو أن هذه الأذرع هي بالضبط ما يجعل الاتفاق النووي، أيا كان، منقوصا.

لبنان في هذه المعادلة ليس طرفا متساويا يُفاوَض بل ساحة اختبار. النجاح في إعادة ترتيب معادلة السلاح في لبنان سيرسل رسالة إلى بغداد وصنعاء. الفشل سيرسل رسالة مقابلة. ومأساة لبنان التاريخية أنه دائما يدفع ثمن الرسائل التي يرسلها ويتلقاها الآخرون.

الموقف السعودي تحوّل في السنوات الأخيرة. المملكة التي انسحبت من لبنان عمليا بعد تجارب مريرة عادت بانخراط حذر يقوم على دعم مؤسسات الدولة اللبنانية الرسمية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، كرهان على أن تقوية الدولة هي المسار الوحيد لتضييق مساحة الفصائل المسلحة. البيان الأميركي – الخليجي يُعبّر عن هذه الإستراتيجية بصوت أعلى وبشروط أكثر وضوحا.

إيران لا ترى ما يراه منتقدوها في سلاح حزب الله. ترى معادلة ردع استراتيجية موجودة في المنطقة منذ عقود: وجود حزب الله العسكري على الحدود الإسرائيلية يُشكّل، في الحسابات الإيرانية، ضمانا بأن أي عمل عسكري إسرائيلي ضد إيران لن يكون بلا ثمن. هذه المعادلة تجعل سلاح الحزب ورقة جيوسياسية إيرانية في المقام الأول، وملفا لبنانيا في المرتبة الثانية.

من هذه الزاوية، أي مطالبة بنزع سلاح الحزب أو دمجه في منظومة الدولة اللبنانية تُفهم في طهران بوصفها مطالبة بنزع واحدة من أثمن أوراقها الإستراتيجية.

لكن هذا المنطق يتجاهل ثمنا حقيقيا يدفعه لبنان: كل حرب خاضها حزب الله انطلاقا من لبنان دمّرت بنية تحتية وأنهكت اقتصادا وشرّدت مواطنين لبنانيين لم يشاركوا في صنع قرار الحرب.

البيان الأميركي – الخليجي الأخير يطرح السؤال الجوهري لكنه لا يُقدّم الإجابة. السؤال: هل يستطيع لبنان أن يخرج من معادلة المحاور؟ الإجابة الصادقة هي: يستطيع، لكن ليس بقرار دولي وحده.

لبنان تاريخيا يحسن توظيف الضغط الدولي حين يجد نخبه السياسية إرادة داخلية حقيقية. قرار 1559 الأممي عام 2004 الذي طالب بنزع سلاح الميليشيات لم يُطبَّق لأن البيئة الداخلية لم تُتِح تطبيقه. اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية أُبرم بضغط إقليمي ودولي لكنه صمد لأنه وجد إرادة محلية للخروج من الحرب.

المشكلة التي يواجهها لبنان اليوم هي أن حزب الله ليس مجرد فصيل مسلح يمكن نزع سلاحه بقرار، بل هو مكوّن بنيوي في المنظومة السياسية اللبنانية يمتد بجذوره في مجتمع واسع. أي مسار لإعادة رسم دوره لا يمكن أن يمرّ إلا عبر تفاوض داخلي لبناني – لبناني أولا.

السؤال المفتوح الذي يتركه البيان الأميركي – الخليجي هو: هل ثمة إرادة دولية فعلية لمتابعة الضغط بأدوات اقتصادية ودبلوماسية متواصلة بدلا من بيانات تتعاقب وتُنسى؟

لبنان يمتلك، في تاريخه القريب، سابقة واحدة يتعلق بها المتفائلون: عام 2005، حين أُجبر الجيش السوري على الانسحاب تحت ضغط دولي وانتفاضة شعبية متزامنة. لكن الدرس الأقسى من تلك التجربة هو ما جاء بعدها: الانسحاب السوري فتح فراغا ملأه حزب الله بصورة أكثر حضورا وأكثر عسكرة. الفراغ في لبنان لا يبقى فارغا.

الإصلاح الحقيقي لن يبدأ ببيان، مهما كان ثقيل التوقيعات. سيبدأ حين يُقرّر اللبنانيون أنفسهم أن ثمن الاستمرار في معادلة المحاور بات أعلى من ثمن الخروج منها. وذلك القرار لا يصنعه أحد عنهم.

العرب



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية