توحيد الخطاب الإسلامي في سوريا.. المهمة المستحيلة

توحيد الخطاب الإسلامي في سوريا.. المهمة المستحيلة

توحيد الخطاب الإسلامي في سوريا.. المهمة المستحيلة


21/02/2026

مختار الدبابي

أطلق الرئيس السوري أحمد الشرع، الاثنين، ما أسماه ميثاق “وحدة الخطاب الإسلامي”، على أن يكون هذا الميثاق “عقدا وطنيا جامعا لأهل العلم والدعاة في سوريا بمختلف مدارسهم، ويهدف إلى توحيد كلمتهم في القضايا الدينية العامة”.

يبدو أن السلطة السورية الجديدة، التي لا تخفي إسلاميتها، تريد أن تفتح ملفا لم يحصل فيه أي تقدم منذ الفتنة الكبرى الني انتهت إلى تقسيم المسلمين إلى كيانات مذهبية تعتقد أنها هي وحدها من يحمل تفسير للنص الديني لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

يمكن للكيانات الإسلامية، قديمها وحديثها، أن تتنازل عن كل شيء بما في ذلك التنازل عن الحكم، إلا التنازل عن صفتها كفرقة ناجية تمتلك التفسير الأوحد للنص القرآني وتتكلم باسم الله. قد يقبل “علماء” التيارات الإسلامية بالجلوس معا وخطف الأضواء والإدلاء بالتصريحات، لكن لم يحصل أن قدم فريق منها “تنازلات” فكرية أو سياسية لخصمه الإسلامي، مع أنه من اليسير أن يقدم تلك التنازلات لأي طرف آخر من خارج الأرضية “الإسلامية” الحركية.

دعوة الشرع إلى توحيد “الخطاب الإسلامي” خطوة مفاجئة لم يتم التحضير لها من خلال فتح قنوات للحوار وعقد لقاءات ثنائية وجماعية وإعداد ورقات عمل تناقش عناصر الاختلاف وكيفية تعديل المواقف منها. ليس مهما أن تعقد السلطة الجديدة مؤتمرا استعراضيا تجمع فيه أئمة وعلماء وجمهورا من المتحمسين، المهم إن كانت نتائج هذا المؤتمر والوثائق التي تصدر عنه تشير إلى مناقشة أفكار أو مراجعات.

من الواضح أن وحدة الخطاب التي رفعها المؤتمر المقصود بها هو وحدة الموقف السياسي على أن يكون داعما لسلطة الشرع عبر بيانات وخطب في المساجد وفتاوى ليوظفها في زيادة شعبيته ويتخذ منها ورقة ضغط في حواره مع الأكراد ويوجه بها رسالة تحذير للدروز والعلويين بأن السلطة ليست معزولة وأنها تمتلك إحدى أهم أوراق المواجهة، وهي الورقة الدينية، التي كانت تاريخيا حاسمة في ضبط صراع الأقليات في سوريا.

وإذا كان توحيد الخطاب الديني سيضع الشرع في منزلة الأمير، الذي يلتف من حوله السوريون السنة، فإن التوحيد داخل الطائفة الواحدة قد يمهد للفرقة داخل المجتمع وقد يعطي ضوءا أخضر لمجاميع دينية غير منضبطة للتحرك في اتجاهات مختلفة لفرض سلطتها على بقية الأقليات من خلال تصدير خطاب شحن ديني وتحريض على الخصوم ودفعهم إلى التمترس داخل الطائفة والاستقواء بالخارج لحمايتها، كما حصل مع العلويين والدروز. وهذا ما ينتج وضعا متعارضا مع خطاب الوحدة الوطنية الذي تتبناه سلطة الشرع في خطابها المعلن والموجه بالأساس إلى الخارج.

لكن الأخطر أن السلطة، التي تريد الحصول على دعم الإسلاميين وجمعهم من حولها والتباهي بقوتها، تكون قد وهبت المتشددين حرية التضييق على المجتمع وإلزامه بتطبيق أفكار متطرفة تتعارض مع ثقافته الإسلامية السنية المعتدلة ومع انفتاحه على بقية المواطنين من الأقليات. وليس مصادفة أن المؤتمر قد عقد قبل أيام قليلة من شهر رمضان ليكون عامل شحن وتحريض بالنسبة إلى المتشددين خاصة المسلحين الذين يتمركزون داخل مؤسسات الدولة بما في ذلك الجيش وقوات الأمن بعد أن تم دمجهم بقرار رئاسي ليكونوا تحت تصرف السلطة دون أن يتخلوا عن مواقفهم وسلوكياتهم المتطرفة.

وما يثير مخاوف السوريين من نتائج هذا المؤتمر ما جاء على لسان الشرع في كلمة الافتتاح حين قال “لسنا في حالة رفاهية للدخول في خلافات فكرية عمرها قرون طويلة إذ لدينا أولويات كثيرة في سوريا منها التركيز على الضبط الأخلاقي المجتمعي”، والضبط هنا يعني إلزام السوريين بتبني منهج سلوكي واحد تحدده السلطة وتتدخل لفرضه بدل أن تترك للناس اختيار حرية المعتقد وشكل التدين وتحمي الاختلاف المجتمعي بدل ضبطه أو تذويبه لصالح طائفة وإعادة إنتاج تجربة الأسد في الفرز الطائفي.

فكرة الضبط المجتمعي تتنافى مع مقاربة الوسطية والاعتدال التي تتحدث عنها السلطة، وأشار إليها وزير الأوقاف محمد أبوالخير شكري، خلال كلمته بالمؤتمر حين أكد أن الوزارة رسمت الخطط والأهداف الإستراتيجية لتكون المساجد في سوريا “منارة تستنير فيها الأجيال بمحاسن الأخلاق، ويتعلم منها العالم معاني الوسطية والتوازن والأصالة”.

والسؤال هنا: أي وسطية، هل هي وسطية السلفية التي يقودها الشرع وتجمع من حوله الآلاف من المسلحين، والتي تتعارض مع الهوية الدينية لسنة سوريا، أم وسطية جماعة الإخوان المسلمين؟ ولا تعدو الوسطية أن تكون خطابا فضفاضا يتم استعماله للحصول على مقبولية في المجتمع والإقليم، لكن على الأرض تصبح الوسطية مجرد مظلة للسباق إلى السيطرة على المجتمع وإلزامه بنواميس خاصة تتعارض مع خصوصياته.

هل تمثل أفكار الشرع الوسطية؟ سؤال مهم ليس الهدف منه التشكيك في خطابه الديني الجديد، خطاب ما بعد استلام السلطة، ولكن لمعرفة المراجعات التي قام بها ونقلته من حامل لفكر تنظيم القاعدة إلى منافح عن الوسطية والاعتدال. ما يظهر في الصورة أن الشرع تم تأهيله سياسيا، إقليميا ودوليا، لإسقاط نظام الأسد ومنع إيران من ملعب رئيسي لأنشطتها بالمنطقة، وتم استيعابه سريعا برعاية تركية وأميركية ثم سعودية لقيادة المرحلة الانتقالية، ولم تثر الدول المعنية مسألة تعديل القناعات الدينية للرئيس السوري ولا اشترطت عليه إعلان مراجعات أو “التوبة” عن ماضيه.

دون إعلان مراجعات فكرية وفقهية يصبح التنصل من العلاقة مع تنظيم القاعدة موقفا سياسيا ليس أكثر مع الحفاظ على الرابط الفقهي والتأويلي. والأمر لا يتعلق بالشرع وحده، فهناك مجاميع إسلامية تهاجم القاعدة أو تتبرأ منها لكنها تعتمد على نفس الأفكار والفتاوى والشيوخ.

وهناك سؤال آخر مهم يتعلق بالمشاركين في مؤتمر توحيد الخطاب: من يكونون، هل هم من السلفية الوافدة مع الشرع والمجموعات المسلحة التي تتحالف معه، هل فيهم مشاركون من إخوان سوريا، هل فيهم علماء وأئمة من “منظومة” الأسد ممن تعاونوا معه وخدموا في ظله لحماية الطائفة والحفاظ على مقومات هويتها الوسطية؟

إذا كان الأمر يتعلق بتوحيد السلفية الوافدة عبر مؤسسة ضبط ديني لخدمة السلطة فسيصبح المؤتمر بلا جدوى ولا يتجاوز إحداث مؤسسات صورية لحماية النظام الجديد، ذلك أن الحوار تحت المظلة الواحدة يفضي عادة إلى عكس ما يعلن، وبدلا من التدريب على الوسطية سيكون الأمر أشبه بصك على بياض للمتشددين ليديروا الشأن الديني على هواهم.

وإذا كان المؤتمر قد ضم علماء وأئمة محسوبين على الإخوان المسلمين، فسيكون الشرع  قد فتح على نفسه باب الانتقادات الداخلية وخاصة الإقليمية بسبب المواقف الحادة من التنظيم، والأخطر أن وجود الإخوان والسلفيين في مؤسسة في كنف السلطة سيمهد بلا شك لزرع بذور الفتنة والصراع الخفي للسيطرة على المساجد والتنافس على استقطاب السوريين، وبدلا من أن يؤسس المؤتمر للوحدة فقد أعطى إشارة انطلاق لعبة التفكيك المجتمعي.

بقي أمر علماء وأئمة السنة المحسوبين على منظومة الأسد غامضا، فقد يتم الانفتاح عليهم بشكل مؤقت بهدف تحييدهم وكسبهم لصف السلطة التي تحتاج إلى دعمهم خاصة أنهم يمثلون الأكثرية ويعبرون عن هوية المجتمع السوري. ولا شك أن الاستقطاب المؤقت لهذه الفئة لن يمنع تفجر الخلاف مع وجود تعارض بين الثقافة الفقهية التي يحتكم لها هؤلاء الأئمة وبين السلفية الوافدة عن المجتمع السوري والتي ستكون هي المسيطرة على المشهد الديني خلال المرحلة القادمة.

ومؤشرات الخلاف بين الفريقين واضحة وعكستها محاولة القصاص من الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي حيا وميتا والهجوم على قبره ومحاولة نقل الضريح إلى مقبرة عائلية بدلا من وجوده بجانب قبر السلطان صلاح الدين الأيوبي داخل ساحة الجامع الأموي بدمشق. مع أن البوطي كان مرشدا في البدايات دينيا وفقهيا للمجاميع الإسلامية خلال فترة ما يعرف بالصحوة الإسلامية.

والخلاصة أن توحيد الخطاب الديني مهمة معقدة تحتاج إلى تراكم من الحوارات والمراجعات من مختلف الأطراف وليس إلى رغبة شخصية، حتى ولو كانت من الرئيس الشرع بما يحمله تاريخه من مدلولات وتناقضات وشكوك.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية