"تحالف الظلال" بين إسرائيل والإخوان

"تحالف الظلال" بين إسرائيل والإخوان

"تحالف الظلال" بين إسرائيل والإخوان


12/08/2025

ماجد منير

يخطئ من يتصور أن ما يجري في الشرق الأوسط على مدى شهور، منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 حتى الآن، مجرد مواجهات مسلحة وحروب وإبادة جماعية، فالحقيقة الكاشفة أكبر من ذلك، خاصة مع تصاعد مصطلح «الإقليم الجديد»، ما يعنى أن الهدف بات غاية في الوضوح، عبر إعادة هندسة الإقليم، وفق مخططات سابقة التجهيز، جرت محاولات تنفيذها في موجات ما أطلق عليه «الربيع العربي» بأدوات مأجورة ثبت فشلها وخيانتها وقتها، وعلى الرغم من ذلك يتم الدفع بها مجدداً، بمظهر مختلف، لتنفيذ المخطط نفسه الذي يبدأ بنشر الفوضى وإسقاط الدول.

لا خلاف على أن مهمة إعادة تشكيل الإقليم كانت ستختلف تماماً لو أن مصر غرقت في المستنقع الذي تم جر دول أخرى إليه، ولكانت الآن تترقب ما يتم فرضه عليها، لكن كيف يحدث هذا وفيها قيادة حكيمة تقرأ الأحداث وتنظر إلى المستقبل وتستعد له، وجيش وطني يملك من القادة والقوة والأدوات ما يحقق به مهمته السامية والمقدسة، وهي الدفاع عن الوطن ضد أي أخطار مهما يكن مصدرها، بالإضافة إلى شعب واعٍ لا تخدعه شعارات هنا أو هناك، ومؤسسات ذات كفاءة، قادرة على إدارة الدولة تحت أي ظروف.

وأقولها ــ بكل صراحة ـــ إن مصر لم تخرج فقط من دائرة الدول التي يحدد آخرون مصيرها، ويفرضون عليها ما يطول المنطقة من تغييرات، بل استمرت طرفاً فاعلاً ومؤثراً، وما كان هذا ليحدث لو لم تفلت مما دبره لها أهل الشر، لإخراجها من المعادلة، لتستمر مصر اليوم في السعي الجاد إلى بناء سلام شامل في المنطقة، ووضع حد للعنف والاقتتال، وما كانت أول المبادرين إلى عقد مؤتمر دولي للسلام، بما يحقق طموحات الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة، وما كانت استطاعت أن تقوم بدورها في تخفيف معاناة الشعب الفلسطيني، واستقبال المصابين والمرضى للعلاج في مستشفياتها، أو إطلاق الآلاف من شاحنات المساعدات من الأغذية والأدوية، في رسالة إنسانية سامية، هي محل تقدير الأشقاء في غزة، وفوق أي مزايدة، وقبل هذا كله موقف مصر الثابت بالرفض القاطع لتصفية القضية، والتهجير الطوعي أو القسري للأشقاء الفلسطينيين.

السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا عادت مخططات نشر الفوضى وإسقاط الدول إلى الواجهة مرة أخرى؟ الإجابة واضحة، ويجب ألا تغيب عن وعينا أبدا، فهدف إدخال مصر في فلك «الإقليم الجديد» الذي يجرى هندسته هو هدف مؤجل لا يسقط بالتقادم، يعتمد تنفيذه على الظروف الملائمة والأدوات التي يتم توظيفها واستخدامها، وفي حالة مصر الأداة جاهزة كالفيروس الفتاك الذي يمر بمرحلة خمول وكمون، لكنه يعاود النشاط والتوحش وتتكشف خطورته، هذه الأداة هي تنظيم الإخوان الإرهابي الذي بدأ يتغذى على أنقاض القضية الفلسطينية وحرب الإبادة التي يتعرض لها الأشقاء في غزة، وبدلاً من أن تتوجه سهامه المسمومة إلى «الجاني» تحالف معه، لاستهداف الدولة المصرية!

من المؤكد أن هدف وحلم «التنظيم الإرهابي» إسقاط مصر والقفز على أنقاضها، تتنوع خططه وأساليبه، ويبقى هدفه الذي يتحالف مع «الشيطان» لتحقيقه دون تغيير، لكن الجديد أن لديهم خطة إعلامية محكمة، تتضح ملامحها على مواقع التواصل الاجتماعي خاصة، لنشر الفوضى ومحاولة إسقاط الدولة، برعاية وتمويل يتجاوز مليار دولار سنوياً، من دول وأجهزة إقليمية ودولية، بالعمل على تشويه دور مصر في القضية الفلسطينية، وصولاً إلى تحقيق الخطة الرامية لتهجير الفلسطينيين، ومن ثمّ تصفية القضية من الأساس.

يعتمد تنظيم الإخوان في مخططه على تكثيف الشائعات والبيانات والفيديوهات المضللة، للتأثير على عقول الجمهور المستهدف، وهم فئة الشباب بالدرجة الأولى من الذين لم يعاصروا حكم الإخوان، ويتسلل التنظيم متخفياً وراء منصات تبدو وكأنها ليس لها علاقة بالتنظيم، ويتم توظيف الأوضاع الإنسانية بغزة، والتعاطف مع الأشقاء لتشويه دور مصر بالقضية، والتقليل من أهمية ما تقدمه من مساعدات، كما يجري التشكيك في مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة الأمور في وسط التحديات التي تمر بها المنطقة، كل ذلك يحقق لهم هدف إشاعة مناخ الإحباط بين المصريين، وخلق حالة من الخوف وتفكيك المجتمع من الداخل، بغية تهيئة الأوضاع لنشر الفوضى وإنهاك الدولة المصرية ومؤسساتها، في مدى زمني يمتد لنحو 4 أو 5 سنوات وصولاً لإسقاطها.

تبدو أهم ملامح تطور مخططات التنظيم الإخواني في الدفع بمنصات جديدة، تتكامل في الهدف وتتنوع في المنهج، ولغة الخطاب وتتخفي وراء سواتر متعددة، هنا يبرز كل من المسار السياسي والذراع المسلحة في حركة «ميدان» و«حسم»، فالأولى تعمل كمكتب سياسي للتنظيم، ويتصدرها شخصيات غير محسوبة على التنظيم، بما يسمح باستقطاب عناصر ليست بالضرورة معنية بالتنظيم في بادئ الأمر، ثم يجري إخضاعها للتقييم وضمها بشكل كامل، بعد إعدادها واختبار جاهزيتها، بينما تتولى الثانية تنفيذ عمليات تستهدف إنهاك البلاد ونشر الفوضى، وهناك بالإضافة إلى «ميدان» و«حسم» العديد من المنصات على مواقع التواصل الاجتماعي، تقوم بالأدوار نفسها، لكن برسائل متنوعة تبدو من الوهلة الأولى بعيدة عن هذا التنظيم الإرهابي، ليسهل خداع من يتم استدراجه وتجنيده.

موقف آخر كاشف ودال على أن تنظيم الإخوان تعري وضبط متلبساً، في خندق واحد مع الاحتلال الإسرائيلي المغتصب لحقوق أشقائنا الفلسطينيين، وصاحب الرصيد الأكبر من جرائم التجويع والإبادة، ضد أهالي غزة ــ الذين يتاجر بهم التنظيم ــ هو تجمّع عدد من النشطاء المنتمين لجماعة الإخوان أمام السفارة المصرية في تل أبيب يوليو (تموز) الماضي، رافعين شعارات معادية لمصر، وحملوها مسؤولية أزمات القطاع. هذه الوقفة الاحتجاجية جرت تحت حماية الشرطة الإسرائيلية وبموافقة السلطات هناك، وهي لم تكن حدثا عابرا، بل كشفت عن «تحالف خفي»، يجمع بين أطراف تبدو متناقضة ظاهرياً: إسرائيل، وجماعة الإخوان. تحالف تتماثل أهدافه في زعزعة استقرار الدولة وبث الفوضى بالإقليم!

صحيح أن جماعة الإخوان تتبني- ظاهرياً- خطاباً مناوئاً لإسرائيل، لكن الوقائع تكشف عن «علاقة وظيفية» تخدم «أجندات مشتركة» بين الطرفين. الإخوان الذين يروجون لشعارات دينية لكسب تعاطف الجماهير، وجدوا في الدولة المصرية «عقبة رئيسة» أمام مشروعهم السياسي منذ ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013، التي أطاحت بحكمهم. 

من جهة أخرى، ترى إسرائيل في مصر- بقوتها العسكرية والدبلوماسية، ودورها المحوري في دعم القضية الفلسطينية- «تهديداً لمخططاتها» الإقليمية، لا سيما في ظل رفض القاهرة السماح بفرض سياسة الأمر الواقع في غزة أو التهجير أو تصفية القضية.

هذا التقاطع في المصالح دفع الطرفين الإخوان وإسرائيل إلى تحالف غير معلن، "تحالف الظلال"، يظهر في أحداث مثل الوقفة الاحتجاجية أمام السفارة المصرية بتل أبيب، التي استغلها الإخوان لتوجيه اتهامات كاذبة لمصر، مثل «حصار غزة»، بينما تجاهلوا تماماً جرائم الاحتلال.

في المقابل سمحت السلطات الإسرائيلية بهذه التظاهرة، رغم تصنيفها الحركة الإسلامية كمنظمة محظورة، في دلالة واضحة على التواطؤ.

اللافت أن هذا تزامن مع احتجاجات أمام بعض سفارات مصر بالخارج، ما كشف عن «استراتيجية منسقة» تهدف لعزل مصر وإضعاف موقفها الإقليمي.

إننا أمام تحالف صهيوني- إخواني يعتمد على أدوات متطورة لضرب الجبهة الداخلية، بدعاية وشائعات وحملات كاذبة تشوه الدور المصري في دعم فلسطين، وتستغل المشاعر الإنسانية للجماهير العربية، كي توجه سهام غضبها نحو مصر، بدلاً من إسرائيل التي تواصل قصف غزة وقتل أهلها وتدمير بنيتها التحتية، وللمفارقة فإن إسرائيل تستفيد من هذه الحملات للإفلات من المسؤولية عن جرائمها بحق الشعب الفلسطيني، وتحجيم دور مصر وتشويه صورتها كحامية للقضية.

في مواجهة هذا التحالف، تقف الدولة المصرية كحصن منيع، مدعومة بلحمة شعبية ووعي متزايد بمخططات الإخوان وداعميهم. القاهرة التي قدمت تضحيات تاريخية من أجل فلسطين، تصر على مواصلة دورها الإنساني والدبلوماسي، من خلال إرسال المساعدات إلى غزة، واستقبال الجرحى، ودعم حل الدولتين. الرئيس عبدالفتاح السيسي، بدوره، أكد مراراً رفض أي محاولات لتصفية القضية أو تهجير سكان القطاع، وهو موقف يعكس التزام مصر بحماية أمنها القومي والقضية الفلسطينية على حد سواء.

كذلك جددت القاهرة التحذير من أن مواصلة إسرائيل سياسة التجويع والقتل الممنهج والإبادة الجماعية ضد الشعب الأعزل لن تؤدي إلا إلى تأجيج الصراع وتصعيد التوتر وتعميق الكراهية ونشر التطرف في المنطقة.

ودعت المجتمع الدولي، بما في ذلك مجلس الأمن وجميع الأطراف المعنية، إلى الاضطلاع بمسؤولياتهم السياسية والقانونية والأخلاقية، والتحرك العاجل لوقف سياسة العربدة وغطرسة القوة التي تنتهجها إسرائيل، والتي تهدف إلى فرض أمر واقع بالقوة، وتقويض فرص تحقيق السلام، والقضاء على آفاق حل الدولتين. 

وأكدت القاهرة أنه لا أمن ولا استقرار ستنعم به إسرائيل والمنطقة إلا من خلال إقامة الدولة الفلسطينية، على خطوط الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

بين الإخوان وإسرائيل تلاق في المصالح وتناغم في الخطوات وتناسق في التنفيذ والهدف هو مصر، تتعرض مصر لسلسلة طويلة من التضييق وحملات التشويه لدورها القومي، لكن الحقيقة أقوى من الدعاية، مصر- بتاريخها النضالي وموقفها الثابت- أقوى من فخاخ التحريض والتآمر. وتحالف الصهيونية والإخوان وغيرهم، مهما بدا متماسكاً في ظاهره، يظل هشاً أمام إرادة شعب ودولة تقاوم بكل بسالة، من أجل سيادتها وكرامتها. فالتاريخ يحفظ لمصر دائماً مواقفها الشامخة، ويفضح زيف من يتاجرون بالقضايا العادلة لتحقيق أجندات مشبوهة.

وهذا ينقلنا إلى الدور الحيوي الذي يؤديه «الإعلام المصري» بمختلف منصاته، وهو الدور الذي أشاد به الرئيس عبدالفتاح السيسي، مطالباً بتطويره وفق خريطة طريق شاملة، كي يقوم الإعلام بمهامه على خير وجه، لاسيما الإسهام في بناء الشخصية الوطنية، وتشكيل وعى المواطنين، والارتقاء بالذوق العام، وترسيخ القيم والثوابت المجتمعية، مع التركيز على مفاهيم الأمن القومي، وتعريفهم بالمستجدات والتطورات على الساحتين المحلية والدولية، والانفتاح على مختلف الآراء، بما يرسخ مبدأ «الرأي والرأي الآخر» داخل المنظومة الإعلامية، وضمان حرية تداول المعلومات، لاسيما في أوقات الأزمات، كل ذلك يشي بـ«عصر جديد للإعلام» المصري.

لاشك في أننا نمر بمرحلة فارقة، وأن وعي المصريين ووقوفهم خلف القيادة السياسية، هو حجر الزاوية لمواجهة التحديات، هذا الوعي الشعبي- إلى جانب اليقظة الأمنية والعسكرية وصلابة الاقتصاد- هو ما يجعل مصر قادرة على إفشال مخططات "الشرق الأوسط الكبير" التي تهدف إلى تفتيت المنطقة وتمزيق شعوبها.

الأهرام




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية