أطماع تركية في شرق المتوسط تهدّد الأمن القومي المصري

تركيا

أطماع تركية في شرق المتوسط تهدّد الأمن القومي المصري

مشاهدة

23/07/2019

منذ إعلان تركيا نيّتها التنقيب عن الغاز، في شرق المتوسط، تتواصل حلقة جديدة في الصراع الإقليمي المحتدم، حول البحث عن الثروات الطبيعية، والسعى إلى السيطرة عليها؛ إذ تشتد المواجهات والصراعات، في ظل التنافس الجاري بين دول المنطقة، على عدة ملفات سياسية وعسكرية واقتصادية، وتفتش من خلالها عن موطئ قدم، وأوراق ضغط، ومساحة نفوذ، خاصة، وأنّ احتياطي الغاز الطبيعي، في تلك المنطقة التي جرى اكتشافها، يتراوح بين 102 و170 مليار متر مكعب، وهي المنطقة التي ترى قبرص أنّها "منطقتها الاقتصادية الحصرية".
قبل عامين صرح أردوغان برفضه تطبيع العلاقات مع مصر إلا بشروط

الفصل الأول من الأزمة
تبدأ قصة اكتشاف الغاز في شرق المتوسط، في العام 2011، عبر شركة "نوبل إينرجي"، ومقرها تكساس؛ حيث أعلن عن وجود الغاز في حقل "أفروديت"، يقدر احتواؤه، بشكل كامل، على 4.5 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي.

التحركات التركية تأتي في إطار السياسة الدفاعية الخارجية التي تدعم استمرارية تواجدها في المنطقة عبر السيطرة على المعابر الدولية

وفي العام 2015، أعلنت القاهرة عن اكتشاف حقل "ظهر" لإنتاج الغاز الطبيعي، باحتياطي يقدر بنحو 30 تريليون قدم مكعب، والذي يحتل مساحة تصل لنحو 100 كيلو متر مربع، فيما يعتبر الحقل الأضخم لإنتاج الغاز الطبيعي بالبحر المتوسط، والذي من المتوقع أن يشكل انفراجة في ملف الطاقة بمصر، كما سيلبي احتياجاتها من الغاز حتى عقود مقبلة.
بيْد أنّ ذلك الملف الاقتصادي المهم، يبعث بأزمات أعمق بين القاهرة وأنقرة، بدأت تتصاعد، على إثر سقوط حكم الإخوان في مصر، منذ العام 2013، والتي تتواتر، بصورة متواصلة، على صعيد العلاقات السياسية بين البلدين، منذ عمدت تركيا إلى تصعيد نبرة الهجوم السياسي والإعلامي، كما جاء في تصريح للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قبل عامين، عندما صرح برفضه تطبيع العلاقات مع مصر، إلا بشروط، من بينها، الإفراج عن محمد مرسي وأعوانه المسجونين، من جماعة الإخوان المسلمين، الموقوفين على ذمة قضايا تتعلق بالإرهاب والعنف.

صراع أنقرة والقاهرة في شرق المتوسط

وفي المقابل، جاء إعلان وزير خارجية أنقرة، مولود جاويش أوغلو، ليشير إلى عدم اعتراف بلاده باتفاقية ترسيم الحدود البحرية، بين مصر وقبرص، المبرمة في العام 2013، الأمر الذي دفع قبرص بالرد على أنقرة، ولوحت الأخيرة باستخدام القوة العسكرية.

اقرأ أيضاً: الغاز في شرق المتوسط يزعزع العلاقة القطرية التركية
أعلنت قبرص اكتشافها حقل "أفروديت"، في كانون الأول (ديسمبر) العام 2011، عن احتياطيات تقدر بنحو 4.5 تريليون قدم مكعب، قبل أن تعلن شركة إيني الإيطالية، في 8 شباط (فبراير) العام 2018، عن اكتشاف حقل كاليبسو 1، شمال الحدود البحرية بين مصر وقبرص، وبحسب التقديرات، فإنه قد يصل احتياطي الحقل لنحو 5.6 تريليون قدم مكعب.
القاهرة تعقب على استفزاز أنقرة
جاءت اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص، في العام 2003، حيث تم تحديد 8 نقاط إحداثية، تحدد من خلالها مساحة المياه الاقتصادية لكل بلد، بينما تم توقيع الاتفاقية، في ديسمبر (كانون الأول) العام 2013، قبل أن يتم التصديق عليها في أيلول (سبتمبر) العام 2014، بين الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، والرئيس القبرصي، نیكوس أنستاسیادس.

واجهت القاهرة أطماع تركيا في الحصول على الموارد الطبيعية وإصرارها على التنقيب عنها فقامت بتدشين منتدى غاز شرق المتوسط

لكنّ إصرار تركيا على عملية التنقيب، يثير أزمات قانونية ودولية، لا تتعلق بمصر وحدها، إنما تنضم إليها عدة أطراف دولية وإقليمية، كالولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي. وقد وصفت واشنطن ما تقوم به أنقرة بأنه بمثابة "عمليات "استفزازية تثير التوترات في المنطقة". ومن جهته، أعلن الاتحاد الأوروبي، مؤخراً، عن فرض عقوبات على تركيا، تصل إلى تعليق أي اجتماعات رفيعة المستوى بين الجانبين.
وأكدت الخارجية المصرية، في بيان رسمي، مطلع الأسبوع الماضي، أنّ القاهرة تتابع باهتمام وقلق التطورات الجارية، بشأن ما أعلن عن نوايا تركيا، للبدء في أنشطة حفر في منطقة بحرية، تقع غربي جمهورية قبرص.
كما حذر بيان الخارجية المصرية من انعكاس أية إجراءات أحادية على الأمن والاستقرار، في منطقة شرق المتوسط، مؤكداً على "ضرورة التزام أي تصرفات لدول المنطقة بقواعد القانون الدولي وأحكامه".

اقرأ أيضاً: "يورونيوز": تركيا تعالج فقرها من الطاقة بـ"سرقة غاز قبرص"
في مطلع العام الحالي، واجهت القاهرة أطماع تركيا، في الحصول على الموارد الطبيعية، وإصرارها على التنقيب عنها، حيث قامت بتدشين "منتدى غاز شرق المتوسط"، مقره القاهرة، ويضم مجموعة دول بشرق المتوسط، بهدف تنسيق التعاون فيما بينهم، من جانب، وتشديد الحصار والضغط على تركيا، من جانب آخر.

 

التنافس الإقليمي والتلويح بالهجوم العسكري
يمكن الإشارة إلى أنّ أحد جوانب الأزمة، تتأتى من كون الحكومة القبرصية، لا تفرض سيادتها إلا على الشطر الجنوبي من الجزيرة، والذي تقدر مساحته بثلثي البلاد، بينما يخضع الشطر الشمالي للسيطرة التركية، منذ العام 1974، حين قامت أنقرة، بحملة عسكرية، لمواجهة وصد محاولة انقلاب، بغية ضم الجزيرة إلى اليونان. لذا، فإن جمهورية قبرص اليونانية، تحصل على شرعية واعتراف دوليين، بينما جمهورية "شمال قبرص التركية" لا تعترف بها غير أنقرة.
وتشير دراسة، أصدرها المركز العربي للبحوث والدراسات، في القاهرة، إلى أنّ حالة التنافس والصراع بين مصر وتركيا، يعود إلى جملة من العوامل، سواء على مستوى العلاقات الثنائية فيما بينهما، أو الظروف الإقليمية التي تثير بؤراً من التوترات المتجددة على الدوام، ومن بينها أنّ معظم دول شرق البحر المتوسط، لم تكن مؤهلة تجاه البيئة القانونية المناسبة، لاستثمار الثروات قبالة سواحلها، وذلك منذ بدء الاكتشافات، قبل نحو عقد من الزمان، ما اضطر دول المنطقة إلى الدخول في سباق مع الزمن.

اقرأ أيضاً: غاز قبرص يضع "الناتو" في مواجهة مع تركيا
ويلفت المركز العربي إلى أنّ الاتفاق على ترسيم الحدود، وتحديد الحقول مع الدول المجاورة معلق، لكن مع الاكتشافات الضخمة، أصبحت المسألة مهمة للغاية، وباتت موازين القوى أكثر أهمية في المعادلة، غير أنّه بالرغم من وجود العديد من الأسس القانونية، الحاكمة لقانون البحار واتفاقيات ترسيم الحدود بين الدول، لكنّ ذلك لم يمنع من وجود طموحات إقليمية، لبعض الدول التي تسعى وراء مكاسب سياسية واقتصادية.

 

الربيع العربي ورمال السياسة المتحركة
الدور التركي المعادي للعديد من دول المنطقة؛ مثل: اليونان وقبرص ومصر، بات يكشف عن خريطة التحالفات الإقليمية الجديدة، في شرق المتوسط، وصراع المراكز الإقليمية على هذه الثروات، خاصة على خلفية الادعاءات التركية، بأنّها ترى أنّ هذه الأعمال تنتهك الجرف القاري التركي، وأنّ هذه الاتفاقيات تتجاوز السيادة التركية.

اقرأ أيضاً: بعد 45 عاماً .. مؤرخ بريطاني ينبش ذكريات قبرص التي مزقها الأتراك
ويعتقد الدكتور هاني سليمان، الباحث المصري في الشأن العربي، أنّ تركيا تخلت عن السياسة الدفاعية، منذ اندلاع ثورات "الربيع العربي"، وذلك بعد سنوات من اعتماد نظرية "صفر مشاكل"، والتي يعد عرابها، أحمد داود أوغلو، رئيس الحكومة السابق، بينما انطلقت إلى السياسة الهجومية، باعتبارها محرك السياسة التركية الخارجية؛ إذ لم تعد تركيا تنتظر مشاكل المنطقة من حولها، وتشاهدها من دون تدخل. فعلى لسان أردوغان، في معرض تعليقه على التحديات الإقليمية التي تواجه تركيا بالخطر، داخلياً وخارجياً، قال إنه لن ينتظر المشاكل لتدق أبوابه، ولن يصبر على المخاطر والتهديدات، حتى تصل إليه، لكنه أعلن، وبوضوح، أنّه سيسير باتجاه المشاكل. ومن هنا، أقر البرلمان التركي، القيام بعدة عمليات عسكرية، خارج الحدود، في ليبيا وسوريا والعراق.

اقرأ أيضاً: إسلاموية أردوغان تزرع الانقسام بين أتراك قبرص
وفي نظر سليمان، حسبما صرح لـ "حفريات"، فإنّ تلك التحركات التركية، تأتي في إطار السياسة الدفاعية الخارجية التركية، التي تدعم استمرارية تواجدها في المنطقة، عبر السيطرة على المعابر الدولية، لحماية مصالحها التجارية، وتدشين تواجدها في المنطقة العربية وإفريقيا، بالإضافة إلى تفعيل الأداة العسكرية، وفتح أسواق جديدة للأسلحة التركية؛ حيث ارتفعت الصناعات العسكرية التركية، في العام 2015، لتصل إلى 4.3 مليار دولار، وصدرت منها ما يبلغ قيمته 1.3 مليار دولار.

الصفحة الرئيسية