
أسيل رامي، فتاة في العشرين من عمرها، نازحة من مخيم جباليا، تسكن في إحدى المخيمات في مخيم النصيرات وسط مدينة غزة، تحلم بالإنجاب، لكن تواجه صعوبة في الحمل وتجلطات في الرحم منذ عامين، حيث كشفت أسيل مشكلتها مع تكرار حالات الإجهاض التي تتعرض لها عند تكوين البويضة الجنين، وعندما تقترب من الشهر الثالث، تصاب بحالة إجهاض، رغم حرصها الشديد على الراحة لتثبيت الحمل.
بعد عدة فحوصات أجريت، تبين أنّها تعاني من تجلط في الدم، ورجحت الطبيبة المعالجة لها أنّ سبب ذلك يعود لاستنشاق دخان الفوسفور الأبيض المحرم دوليّاً، حين سقطت في إحدى أيام الحرب قذيفة فوسفور على شقة الفتاة أسيل، وحاصر الدخان العائلة، ونتج عنه صعوبة التحرك والخروج من المكان.
هذه الحالة تكررت مع السيدة نداء وحيد، وهي أم لثمانية من الأبناء، ولم تعانِ قبل الحرب من أيّ مشاكل أو مضاعفات في الحمل، لكن تواجه اليوم صعوبة في الحمل، وهذا ناتج عن وجود تشوّه وكتلة داخل الرحم، ويعزو الأطباء هذا المرض إلى مخلفات الصواريخ وقذائف الحرب التي تعرّض لها السكان في غزة وتسببت بأمراض خطيرة.
قبل الحرب، كانت رحلة علاج العقم شاقة بما يكفي، أمّا بعدها فقد صار الوصول إلى الطبيب نفسه تحدياً كبيراً، نتيجة تدمير المرافق الطبية، وانقطاع الكهرباء، ونقص الأدوية والمستلزمات، وكل هذه المعيقات جعلت متابعة علاجات الخصوبة شبه مستحيلة في كثير من الحالات.
تتحدث اختصاصية النساء والتوليد الدكتورة أماني الطلاع عن وجود العديد من حالات العقم والإجهاض المتكررة لنساء حوامل، وهذه مرتبطة بتبعات ومخلفات الحرب، بعد التعرض المباشر للغبار الناتج عن الصواريخ، وهناك أساليب أخرى اتبعها الاحتلال ضمن سياسة الحرب على الإنجاب؛ ومنها التجويع وعدم السماح بإدخال أدوية الخصوبة، ومواد الحقن الخاصة بعمليات زراعة الأجنة.
وبينت في حديثها لـ "حفريات" أنّ العنف والنزوح والظروف المعيشية القسرية، والاكتظاظ في مراكز الإيواء، وانعدام الخصوصية والمياه وخدمات النظافة، تفاقم مخاطر العدوى والمشكلات المتعلقة بالصحة الجنسية والإنجابية، وهذه تُسمّى أيضاً الحرب على الإنجاب.
والضرر لم يتوقف عند جسد المرأة أو الرجل، بل وصل إلى المكان الذي كان يحفظ فرصهم في الإنجاب. في كانون الأول/ديسمبر 2023 أصابت ضربة إسرائيلية مركز البسمة للإخصاب، وتسببت الضربة في تلف خزانات حفظ العينات، والنتيجة كانت فقدان آلاف العينات من الحيوانات المنوية والبويضات غير المخصبة.
بالنسبة إلى أصحاب تلك العينات، لم تكن مجرّد أرقام بالآلاف، كان كل رقم يحكي قصة زوجين؛ امرأة حقنت جسدها بالهرمونات، وخضعت لسحب البويضات، وتحملت آثار العلاج أملاً في طفل، ورجل خضع لفحوصات وعلاجات وجراحات طويلة للحصول على عينة قد تكون فرصته الأخيرة في الإنجاب، زوجان باعا ما يستطيعان بيعه لتوفير تكلفة علاج الخصوبة، ثم وضعا ما تبقى من حلمهما في خزان من النيتروجين السائل.
تتحدث السيدة بشرى فريد، 43 عاماً، عن تأخر فرصة الحمل لديها لأكثر من تسعة أعوام، وبعد الحصول هي وزوجها على علاج مكثف وإجراء عمليات جراحية وإنجاب الطفلة الأولى، اقترح الزوجان، من باب خوفهم من تكرار حالة العقم، تخزين عينة من الحيوانات المنوية داخل مختبر المركز، على أمل إجراء تلقيح صناعي فيما بعد، لكنّ تدمير المركز حرمهم من فرصة الإنجاب مجدداً، في وقت يحاول فيه الزوج الذي يعاني من انخفاض في نسبة الخصوبة المداومة على العلاج، لكنّ صعوبة توفر بعض الأدوية وارتفاع أسعارها يحول دون الاستمرارية في العلاج من أجل الحصول على فرصة إنجاب جديدة.
داخل خزانات التجميد في مركز البسمة للإخصاب وأطفال الأنابيب، كانت عينة زوجها موجودة مع آلاف العينات التي تنتظر موعدها كي تبدأ حياة جديدة، وكانت هناك أيضاً عينات من الحيوانات المنوية والبويضات، بعضها يمثل الفرصة الأخيرة لرجال ونساء خاضوا سنوات من العلاج والانتظار والإنفاق، كي يصبح لهم طفل.
بدوره يقول مدير مختبر تخزين العينات الدكتور محمد عجور: إنّ المركز كان يخزن عدداً كبيراً جداً من العينات لأشخاص كانوا يتلقون العلاج داخل المركز وخارجه، وذلك داخل خزانات ممتلئة بمادة النيتروجين السائل التي تحفظ العينات لمدة طويلة، لكنّ تعرّض المركز للقصف، وصعوبة الوصول إلى الخزانات، أدى إلى تسرب النيتروجين من الخزانات؛ وبالتالي فساد أكثر من 3500 عينة من الحيوانات المنوية والبويضات والأجنة.
ويشير في حديثه لـ "حفريات" إلى أنّ العينات المفقودة كانت تعود إلى أشخاص يعانون أصلاً من صعوبات شديدة في الإنجاب، ممّا يجعل فقدانها أكثر من مجرد خسارة مادية، ففي بعض الحالات قد لا تكون هناك فرصة لإعادة إنتاج البويضات أو الحيوانات المنوية نفسها.
وبيّن أنّ الاحتلال تعمّد قصف المركز الذي لا يشكّل أدنى خطر عليه، وذلك لحرمان أهل غزة من القدرة على الإنجاب، وهذه السياسة اتبعها الاحتلال منذ اليوم الأوّل من الحرب، وذلك بالعمل على قتل أكبر عدد من الفلسطينيين، وتقييد فرص الإنجاب والتمدد السكاني.
في السياق نفسه تقول السيدة النازحة أم محمد: أنا محرومة منذ أن بدأت حرب الإبادة على غزة من الحمل والإنجاب، بسبب الظروف القاسية التي أفرزتها الحرب، وما زلت أعاني من تبعات الدمار والتهجير، وهذا حال مئات الأمهات اللاتي حُرمن من أبسط حقوقهن.
وأوضحت في حديثها لـ "حفريات" أنّ الخيام التي يعيشون فيها لا يتوفر فيها الحد الأدنى من الخصوصية التي تحتاجها الحياة الزوجية، فالاكتظاظ، وصغر مساحة الخيمة، ووجود أفراد بالغين في المساحة نفسها، إلى جانب قرب الخيام من بعضها بعضاً، يجعل هناك صعوبة في الحياة الزوجية والتفكير بالإنجاب.
ولا تفكر أم محمد بالإنجاب طالما بقيت الحال التي هي عليها، مهما تقدّم بها العمر، لأنّ حياة الخيام صعبة للغاية، ولأنّ الحمل داخل بيئة محاطة بالحشرات والحر والبرد الشديدين أمر صعب.
وفي غزة، لا تنتهي آثار الحرب عند الركام أو فقدان العلاج، بالنسبة إلى رجال ونساء كانوا ينتظرون طفلاً، فقد تمتد الخسارة إلى المستقبل نفسه، إلى فرصة ربما لن تتكرر في أن يصبحوا آباء وأمهات، وبينما يمكن بناء بعض المستشفيات والمنازل، فإنّ بعض الفرص التي ضاعت في الحرب قد لا يمكن استعادتها.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_76_1_0.jpg.webp?itok=N_aCWXGK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%8A%D8%A7%D9%87_6.jpg.webp?itok=ZCrxB8qM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_11.jpg.webp?itok=9L9S_2wV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_0_0_1_1.jpeg.webp?itok=zqlZO66d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_5.jpg.webp?itok=4ZjqR8pK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8A_1_3_1_1.jpg.webp?itok=o3ONEK_p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=tTV7VYQo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_0.jpg.webp?itok=nRwtHFUN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_1.jpg.webp?itok=ZHdchJGw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%B2%D9%8A%D8%A7_4_3_0.jpg.webp?itok=xQv18Phv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_177.jpg.webp?itok=9nox5R_K)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_38.jpg.webp?itok=jH4JYkNB)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%B4%D8%A71.jpg.webp?itok=kuO7Yy_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_4.jpg.webp?itok=0QR5maRr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_176.jpg.webp?itok=aL0i-O1b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%88%D9%86%D8%A7%D9%86_10.jpg.webp?itok=lZKGjScW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%88%D8%B2%D9%8A_1.jpg.webp?itok=l-buhOgN)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=TYJr2e66)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4e45cd14-609d-41dc-8337-47bdff5ee0cc_0.png.webp?itok=aZAFci1K)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ViYLxN7VkltvpvRG-BjwxijOzunHI9I_yZcM-e_K1TvKFCw4ds6oGRnGjeoTuODbDJZmxErM8WUpMaoSmGVs1o2jjcTozGzw4UwThDP3UDzeljr5wkQNDW3VWrMykNYUsRHwLAOMXx7_q52ErSNBggk2RD-IprWZcNisyCgWBHQYHnnJWha4GC1CQRvIuX5h%20%281%29.jpg.webp?itok=iKGLY69d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GDwvCo_zMvwWviO1UBjZOIncr8lBppACdNT5J2TgfLKiQt_Gch5Mbarh28Jo_9qBwcr2yCAGeE6sde8thVaLC2axkS3EdFlt0lVf9sRMY3oGNK4DR-i8hDLKVbVwbGpBttMNqPlZ0db_UOo4RUv8BtbOP3ye6_zuKhmtGTMdUL1NuxY8S1_j8dcMOIUPl9Ht%20%281%29.jpg.webp?itok=nS9xUUct)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_1.jpg.webp?itok=PBow1BGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7_82_1_2_0_0_0_0_1.jpg.webp?itok=--QJOt8O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
