6 أسباب لتحوّل الإستراتيجية التركية نحو تعزيز النفوذ في المنطقة العربية

تركيا

6 أسباب لتحوّل الإستراتيجية التركية نحو تعزيز النفوذ في المنطقة العربية

مشاهدة

02/02/2020

تدخلات تركية عسكرية مباشرة في كلّ من ليبيا وسوريا، وتواجد عسكري في العراق وقطر، وعلاقات اقتصادية متصاعدة مع دول عربية عدة، وزيارات متزايدة على أرفع المستويات للمسؤولين الأتراك إلى العواصم العربية، قد يبدو ذلك مفهوماً بالنظر إلى حجم ووزن تركيا بالنسبة إلى الإقليم، لكن بالعودة عقوداً قليلة إلى الوراء، حينما كان الحال مغايراً تماماً، وكانت تركيا منصرفة بالكلية عن شؤون المنطقة العربية، سيطرح السؤال: متى حدث التحوّل؟ ولماذا؟

 

أزمة أسعار النفط... الحصاد المرّ
شكّل قرار الدول العربية المصدرة للنفط "الأوبك"، عام 1973، بحظر ومن ثم تقييد تصدير النفط، وما تلا ذلك من ارتفاع كبير في أسعار النفط، صدمة كبرى للأسواق والاقتصادات العالمية، وفي حين تمكّنت المراكز المالية من تجاوز آثار الأزمة، بسبب الإيداعات المتدفقة لها من عائدات بيع النفط، واستفادت دول أخرى من توافد العمال منها إلى الدول المنتجة للنفط، أو زيادة حصّتها من المساعدات، كانت الصدمة ذات آثار سلبية بالغة على الاقتصاد التركي، وكان ذلك عائداً بالأساس إلى المستويات المتدنية في التعاون الاقتصادي والتجاري بين تركيا والدول العربية في حينه، والذي كان مترافقاً مع حالة البرود في العلاقات السياسية بين أنقرة والعواصم العربية.

تضرّر الاقتصاد التركي كثيراً من ارتفاع أسعار النفط عام 1973؛ بسبب المستويات المتدنية في التعاون مع الدول العربية

ساهم ارتفاع الفاتورة النفطية في ارتفاع ميزان التبادل بين تركيا والدول العربية، وتزامن ذلك أيضاً مع ارتفاع مستويات التبادل التجاري السِلَعي بين السوق التركية ونظيرتها العربية، مع تزايد حجم الصادرات التركية لها، وهكذا ازدادت المصالح التركية مع الدول العربية، وهو ما حتّم وأوجب حدوث تغيير في مواقف تركيا السياسية تجاه القضايا العربية.
وخلافاً لمرحلة الخمسينيات والستينيات؛ شهدت المرحلة الجديدة، سلسلة من المواقف التركية المناصرة؛ بدايةً من التصويت عام 1975 لصالح اعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية، ومن ثم تخفيض التمثيل الدبلوماسي مع "إسرائيل"، عام 1980، احتجاجاً على إعلان "إسرائيل" القدس عاصمةً لها، ومن ثم جاء الاعتراف التركي بالدولة الفلسطينية بعد إعلان الجزائر، عام 1988.

ازدادت المصالح التركية مع الدول العربية في أعقاب أزمة النفط عام 1973

الأزمة القبرصية.. العزلة والحاجة لبناء سياسة فعّالة
في أعقاب الحرب العالمية الثانية، اختارت تركيا الاتجاه نحو التحالف الإستراتيجي مع المعسكر الغربي، وهو ما تجسّد في انضمامها، عام 1952، لحلف شمال الأطلسي (الناتو). وبناءً على ذلك ناصبت السياسة التركية المعسكر الشرقي العداء، وانصرفت تماماً عن قضايا العالم الثالث، بما في ذلك الجوار العربي، بل وتبنت مواقف معادية ومخالفة بالمجمل للشعوب والدول العربية وقضاياها، فكانت أول دولة مسلمة تعترف بـ "إسرائيل" وتقيم علاقات دبلوماسية معها عام 1949، وعام 1956؛ أيدت العدوان الثلاثي على مصر، وعندما قامت جمهورية الوحدة بين سوريا ومصر، عام 1958، بادرت إلى مناصبتها العداء، كما كانت تركيا تمتنع عن التصويت لصالح القرارات المؤيدة لاستقلال الجزائر أثناء الثورة الجزائرية.

مع بداية الثمانينيات تبنّت تركيا إستراتيجية تشجّع الصادرات التركية وكانت الأسواق العربية وجهة حتمية لها

لم تدرك تركيا عاقبة هذه التحالفات التي اختارتها حتى جاء عام 1974؛ عندما حدثت الأزمة القبرصية، بعد تدخّل تركيا عسكرياً في قبرص إثر انقلاب قاده ضباط قبرصيون يتبنون القومية اليونانية ويعتزمون ضمّ الجزيرة إلى اليونان، الغريم اللدود لتركيا، وما تلا ذلك من إعلان تركيا قيام جمهورية خاصة بالقبارصة الأتراك شمال الجزيرة واعترافها، وحدها، بها.
إثر ذلك؛ واجهت تركيا إدانة ومقاطعة دولية واسعة، وهنا أدركت تركيا مدى عزلتها دولياً، وتعزز الإدراك عند النخبة السياسية التركية بأنّ العزلة كانت نتيجة للسياسة التي اتبعتها خلال عقدين من الحرب الباردة، حين اتجهت حصراً فيها نحو خيار تعزيز علاقتها مع التحالف الغربي، ووقفت في موقف التضاد مع سائر الدول والشعوب، وهنا تزايد الإدراك التركي لضرورة إعادة تأسيس العلاقات والصلات مع العالمَين العربي والإسلامي، ضمن توجّه إستراتيجي يهدف إلى بناء سياسة تركية فاعلة ومؤثرة على المستويَين الإقليمي والدولي.

دخول القوّات التركية قبرص عام 1974

عقدان من الأزمات الاقتصادية.. حتمية التقارب مع الجوار
تفاقمت الأزمات الاقتصادية في تركيا خلال عقد السبعينيات، واستمرت حتى مطلع الألفية الجديدة، فمع نهاية عقد السبعينيات تفاقمت آثار الفشل في سدّ العجز الناتج عن الارتفاع في أسعار النفط، وحدثت أزمة اقتصادية في ميزان المدفوعات، مع الارتفاع في حجم الواردات مقابل الصادرات، مما أدى لنقص في مستويات العملة الصعبة وانخفاض قيمة الليرة التركية، وترافق ذلك مع زيادة حدّة برامج التقشف، الموضوعة بحسب إرشادات صندوق النقد الدولي، الدائن لتركيا منذ أواخر الأربعينيات، ووصول معدلات التضخم والبطالة إلى مستويات قياسية. وعام 1980، تخطى إجمالي الدين الخارجي التركي حاجز الـ 16 مليار دولار، ليبلغ بذلك أكثر من ربع قيمة الناتج المحلي الإجمالي السنوي.

اقرأ أيضاً: تركيا وتدخلاتها في العراق... ما هي أدوات أنقرة الفاعلة في بغداد؟
مع بداية الثمانينيات؛ بدأت حكومة رئيس الوزراء التركي، سليمان ديميريل، بتنفيذ برنامج إصلاحي واسع، وقامت الإستراتيجية التي تبنتها الحكومات التركية على تشجيع الصادرات التركية، فكانت الأسواق العربية، بحكم القرب والجوار، وجهة حتمية للاقتصاد التركي.

اقرأ أيضاً: تركيا.. حين يُصنع التاريخ زوراً
كما كان من بين أوجه التعاون الاقتصادي التركي - العربي الجديدة، افتتاح خطّ أنابيب لنقل النفط، يصل بين مدينة كركوك وميناء جيهان التركي، والبدء بتشغيله عام 1976، بهدف تصدير النفط العراقي دون الحاجة للمرور بمياه الخليج، مقابل تزويد تركيا بالنفط بأسعار تفضيلية، التي كانت طامحة لتجاوز آثار ارتفاع أسعار النفط في حينه، ما ساهم أيضاً بتعزيز علاقات تركيا الاقتصادية مع الجوار العربي.

فتح خط كركوك - جيهان عام 1976.. وهدفت تركيا منه إلى تجاوز آثار ارتفاع أسعار النفط

نهاية الحرب الباردة.. نهاية الوظيفة
كادت السياسة الخارجية التركية خلال أعوام الحرب الباردة أن تنحصر في وظيفة الحاجز أمام خطر التمدّد السوفييتي نحو الشرق الأوسط، وهو ما حصرها في سياسة المحور الواحد، وأفقدها الكثير من الأوراق والقدرة على المناورة في الكثير من الساحات الدولية، لكن ومع نهاية الحرب الباردة، إثر انهيار الاتحاد السوفييتي، عام 1991، اتجهت النخبة التركية للبحث عن أدوار جديدة للبلاد على مستوى السياسة الخارجية، وكان التوجّه نحو عدم تفضيل خيار استمرار سياسة المحور الواحد، مع إدراك أنّها غير قادرة على الانسجام مع أهداف ومتطلبات الدولة التركية، وأنّها ستؤدي لجعل سياسة البلاد محدودة الخيارات في عالم أصبحت التحالفات فيه تتسم بطابع أكثر سيولة، خلافاً لما كان الحال عليه في فترة الحرب الباردة، ومن هنا كان الاتجاه نحو تطوير سياسة خارجية تركية فعّالة، تضمن لتركيا النفوذ والتأثير ضمن أقاليم عدّة، كان العالم العربي في مقدمتها؛ بحكم ما توفّره الجغرافيا والتاريخ والثقافة المشتركة من ممكنات.
تأسيس إقليم كردستان في العراق.. تصاعد خطر وجودي
حمل عام 1991 تغيرات كبيرة على مستوى إقليم الشرق الأوسط، وكان من نتائج حرب الخليج في ذلك العام؛ أن تقرر منح الحماية الدولية للأكراد في شمال العراق، عبر إصدار قرار من مجلس الأمن يقضي بتشكيل منطقة حظر طيران شمال العراق. تمخّض القرار عن نشوء إقليم مستقلّ للأكراد شمال العراق، وهو ما تسبَّب بقلق كبير لدى الأتراك؛ فنشوء كيان كردي يصعّد ويدفع باتجاه تعزيز الحراك الكردي الانفصالي داخل تركيا، وكان من نتيجة ذلك؛ أن اتجهت أنقرة نحو تعزيز مستوى علاقاتها مع جيرانها في الجنوب، فتحسّنت العلاقات مع سوريا في نهاية التسعينيات، وحَرَصت على تعزيز العلاقات مع العراق وإقليم كردستان، بعد 2003، كلّ ذلك بهدف ضمان عدم تطور أي مشروع دولة كردية على حدودها، وضمان عدم تشكيل حاضنة داعمة للنشاط الكردي المسلح في تركيا.

دفع نشوء كيان كردي شمال العراق تركيا نحو تعزيز علاقاتها مع سوريا والعراق

تعثّر مسار الانضمام للاتحاد الأوروبي
ويبقى أحد أهم الأسباب في تحولات السياسة الخارجية التركية؛ تعثّر مسار الانضمام للاتحاد الأوروبي، رغم رفع اليونان الفيتو عن قبول طلب ترشحها، عام 1999، إلا أنّ تعثّر الملف وعدم قبوله في عملية توسعة الاتحاد الأوروبي عام 2004، وما تبع ذلك من توترات عديدة بين تركيا ودول الاتحاد، جعل الآمال تتلاشى، حتى اتجهت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، عام 2017، للحديث عن انسداد المسار والانتقال نحو علاقة الشراكة بين الجانبين، بدل العضوية، في حين كان الرئيس الفرنسي الأسبق، ساركوزي، قد صرّح، عام 2016؛ بأنّ تركيا "لا تنتمي لأوروبا"، ودفع ذلك تركيا نحو بناء منظومة سياسية تُغنيها عن الارتباط والاعتماد الحصري على الخيار الغربي، وبالطبع؛ فإنّ تعزيز الدور والنفوذ في الجوار العربي كان في طليعة الخيارات الجديدة.

دفع تعثّر مسار الانضمام للاتحاد الأوروبي تركيا نحو بناء منظومة سياسية تغنيها عن الاعتماد الحصري على الخيار الغربي

نتيجة لكلّ ما تقدّم، تبلورت القناعة التركية، كما عبّر عنها أحمد داوود أوغلو، في كتابه "العمق الإستراتيجي"، بأنّ تركيا لن تتمكن من دعم وضعها الدولي، وتعزيز تأثيرها السياسي في الألفية الجديدة إلا إذا دمجت إمكانياتها الجيوسياسية، والجيواقتصادية، والجيوثقافية، وتراكمها التاريخي من خلال سياسة خارجية جديدة فعّالة (2014: 108). وبالطبع؛ فإنّ "التراكم التاريخي" و"الجيو-ثقافة"، تعني تحديداً: المنطقة العربية.

الصفحة الرئيسية