"حفريات" توثّق الانتهاكات التركية في سوريا: اعتقالات عشوائية وتحويل المدارس إلى سجون

"حفريات" توثّق الانتهاكات التركية في سوريا: اعتقالات عشوائية وتحويل المدارس إلى سجون
صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
8184
عدد القراءات

2019-11-05

"جاؤوا في الساعة ٨ مساء إلى بيتنا وطرقوا الباب، كانوا مدنيين يحملون أسلحة، نادوا على ابني، بينما كان معهم مختار القرية (تقصد العمدة)، ورئيس مخفر الشرطة، ولم ألبث أن فتحت الباب حتى اقتحموا البيت، وسألوني عن اسمي الذي كانوا يعرفونه، وطلبوا أن أخرج معهم، وهم يتهمونني بأنّني عنصر إرهابي في قوات سوريا الديمقراطية، وحملوني بالقوة إلى سيارة عسكرية".

اقرأ أيضاً: العملية التركية في سوريا: هل ارتكب حلفاء تركيا جرائم حرب ضد الأكراد؟
لم يكن صوت السيدة الخمسينية مطمئناً، وهي تشرع في الحديث عن لحظة اختطافها، وتروي تفاصيل تلك الليلة الشاقة التي تناوب عليها عناصر عسكرية مشتركة، تركية وسورية موالية لهم، بغية التحقيق معها والتهديد بالضرب، حتى تقرّر سجنها لأيام؛ تعرضت خلالهم للتعذيب المبرح، غلب التردّد والجزع على شهادتها ونبرة حديثها، بينما كانت تقاوم رغبتها الحذرة في الحديث.
الخوف يقبض على الجميع
وتضيف لـ "حفريات": "لي ابن عم عميل لهم، وينفذ أوامرهم، وبالرغم من ذلك تعرّض ابنه الصغير، عمره ١٢ عاماً، للضرب بالشارع من أحد عناصرهم العسكرية، بمجرد أن لمحه يرتدي قميصاً لفريق برشلونة الرياضي، وعليه صورة بارزاني، فنادوه وانهالوا عليه بالضرب، ومزقوا قميصه، وصرخوا بوجهه: لا نريدكم بهذا المنظر، انسوا الكرد".

اقرأ أيضاً: هل يتم إقصاء تركيا من حلف الناتو؟

الأمر ذاته حصل عندما اقتحموا منزل السيدة الخمسينية، كما تقول، والتي تتحفظ عن ذكر اسمها؛ حيث فتّشوا عن الرموز الكردية، سواء أوجلانية أو بارزانية، رغم أنّه لم يكن بالمنزل أيّ منهما، وتشير إلى أنّهم يطوفون الشوارع والبيوت الأخرى ليمزقوها، مثلما فعلوا في صورة كبيرة للقائد البارزاني بقلب المدينة، وسبق وهدموا تمثال كاوا الحداد، وقالوا لنا: "لا يوجد شيء اسمه كردي، انسوا الكرد ومشروعهم".

 توغّل عدة أطراف خارجية سياسياً وميدانياً
خلال أعوام الحرب في سوريا، التي مضى عليها نحو ثمانية أعوام، أسفرت عن فصول دامية من القتل والتوحّش، ساهم فيها نظام بشار الأسد، وشركاؤه الإقليميون والدوليون؛ إذ شقّ الصراع القائم منذ اندلاع الاحتجاجات، في آذار (مارس) العام 2011، جيوباً من النزاعات السياسية والطائفية والعسكرية، جعلت جغرافيتها السياسية تنكمش إثر توغّل عدة أطراف خارجية سياسياً وميدانياً، الأمر الذي ترتّبت عليه تغييرات جمة، في الحالة الديموغرافية لعدة مناطق سورية؛ بعضها وقع تحت النفوذ الإيراني، وبعضها الآخر، في هيمنة النفوذ التركي، من خلال وسطاء محليين، جرى تشكيلهم لتمرير تلك المخططات، عبر دعمهم بالمال والسلاح.

منحت تركيا الجماعات المسلحة حرية ارتكاب انتهاكات جسيمة في عفرين، وفي أماكن أخرى تستهدف الكرد بالأساس

بعد تنفيذ الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، تهديداته العسكرية في شرق سوريا، وإطلاق ما عرف بعملية "نبع السلام"، في ظلّ خرق الاتفاق التركي الروسي بوقف القتال، في 17 تشرين الأول (أكتوبر) الحالي، كانت قد سبقتها عدة عمليات مماثلة، وقعت في الفترة بين عامي 2015 و2018، من بينها: "درع الفرات" و"غصن الزيتون".
حصيلة الهجوم التركي الأخير؛ نزوح 300 ألف شخص، من بينهم 70 ألف طفل، حسبما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان وتقارير أممية، وقتلى بين المدنيين قضى فيها نحو 235 مدنياً، إلى جانب إصابة أكثر من 700 آخرين، إضافة إلى نهب ثروات وممتلكات السوريين العرب والأكراد والسريان، على حدّ سواء، وممارسات عنصرية واضطهاد قومي، طاول العناصر الكردية، على وجه الخصوص.
الجغرافيا السياسية المتنازَع عليها
بيد أنّ ثمة واقعاً آخر على تخوم تلك العمليات العسكرية، التي جرت خلال تلك الأعوام، يكشف عدواناً مستمراً للوجود التركي على أراضي شمال شرق سوريا، والتي على ما يبدو تخضع لسيطرتها المباشرة، بقوة السلاح والميلشيا، والعناصر المحلية؛ حيث تنفّذ عدة مهام إستراتيجية؛ من بينها تغيير الطبيعة السكانية والديموغرافية للمنطقة، والتي ترقى إلى أن تكون حرب إبادة، يقودها أردوغان ضدّ أكراد سوريا، وقد وصفتها منظمات محلية وأجنبية بأنّها بمثابة "جرائم حرب"؛ إذ تنوعت بين التطهير العرقي، والقتل على أساس الهوية، واستهداف المدنيين، ناهيك عن حوادث الاغتصاب والسرقة.

اقرأ أيضاً: ما هي عواقب العدوان التركي على سوريا؟
حصلت "حفريات" في هذا التحقيق على شهادات من عائلات وعناصر كردية، تقطن في عفرين، شمال غرب سوريا، ما يزال بعضها في مناطقه، بينما البعض الآخر تمكّن من الهروب؛ إذ وثقت من خلالهم ما تكبّدوه تحت وطأة الاحتلال التركي، عبر تهجيرهم من منازلهم، وتعرضهم للسجن والاعتقال العشوائي، وتحويل المدارس إلى مقرات عسكرية وأمنية واستخباراتية، يجري فيها التحقيق مع الموقوفين والتعذيب والقتل، فضلاً عما تعرضوا له من انتهاكات متباينة، بواسطة القوات التركية، من ناحية، والعناصر المحلية الميليشياوية التابعة لأنقرة، من ناحية أخرى.

"جرائم حرب"

كما تكشف تلك الشهادات الموثقة معاناة ذوي بعض الأسر، إثر حوادث الخطف والسجن والتعذيب، من سرقة أموالهم ومتعلقاتهم الشخصية، وعمليات التطهير العرقي بمناطقهم، وتهجيرهم من منازلهم، ونهب المحاصيل الزراعية من أراضيهم، سيما محصول الزيت في عفرين، والذي بلغت قيمته نحو 160 مليون يورو، خلال العام الماضي، بحسب صحيفة "لوبون" الفرنسية.

اقرأ أيضاً: مقتل البغدادي في إدلب يعيد كشف علاقات داعش وتركيا
ثلاثة عشر يوماً قضتهم السيدة الخمسينية في السجن، بينما لم يجرِ التحقيق معها إلا في الليلة التالية على اعتقالها، كما توضح، وقد أخذوا مصوغاتها الخاصة، والمال الذي كان بحوزتها، وأثناء التحقيق اتهموها بأنّها مخصصات لدعم القوات الكردية، لكنّها طيلة التحقيق كانت مرتعبة لمنظر ابنها، بعدما ربطوه بالحبال في كرسي من الجلد، ووضعوا غمامة على عينيه، فظلّت تصرخ أمامهم بأن يتركوا ابنها، ويكفّوا عن ضربه وتعذيبه.
أسوأ من داعش
تمكّنت السيدة نفسها، بحسب ما أفادت في شهادتها لــ "حفريات"، من معرفة اسم المسؤول الذي تناوب على تعذيب ابنها، والذي وصفته بأنّه "أسوأ من داعش"؛ إذ قام هو وآخرون بتعذيبها أيضاً بواسطة "الدولاب"، أحد أنماط التعذيب المستخدمة، دون أن تستطيع شرح الكيفية التي تعرضت بها للتعذيب من خلاله أو رؤيته؛ فقد حجبوا عينيها بقطعة قماش مملوءة برائحة غاز أو بنزين، أصابتها في عدة مرات بالإغماء والغثيان، لكنّها كانت تشعر بأنّ جداراً حادّاً يضغط جسدها بالكامل، وهناك فجوات تنفذ من بينها ضربات حادة، تصيب أجزاء متفرقة من جسدها بكرباج، وتنهال عليها بشكل عشوائي.

 

"أريد من العالم سماع صوتنا، نحن أهالي عفرين بمئات الآلاف، قد هجِّرنا، وكلّ واحد منّا أصبح في مكان مختلف عن الآخر، لقد فعلوا بنا الكثير"، تختتم السيدة الخمسينية حديثها.
نحو 57 مدرسة ومركزاً تعليمياً تحولوا إلى مقرات عسكرية؛ من بينها مدرسة "أمير غباري"، الموجودة في ساحة آزادي، وسط مدينة عفرين، حيث تحيط الأسلاك الشائكة بجدار المدرسة، وتتمركز أمامه القوات التركية، والأمر ذاته في عدة مدارس أخرى، أضحت مقرات أمنية وعسكرية؛ تضمّ أماكن تدريب، وسكناً للجنود، وسجناً ومعتقلاً للسوريين الأكراد، وكذلك مدرسة "فيصل قدور" الجديدة، على طريق جنديرس، في منطقة الأوتوستراد الغربي، حسبما يذكر ناشط محلي في منطقة عفرين.

 

حصيلة الهجوم التركي نزوح 300 ألف شخص، بينهم 70 ألف طفل، حسبما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان وتقارير أممية

ويوضح الناشط، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، لـ "حفريات": "هناك جماعة السلطان مراد، أحد التنظيمات المسلحة التابعة لتركيا، والتي قامت بتحويل العديد من المدارس والمجمعات التربوية والتعليمية إلى مقرات عسكرية لعناصرهم، كما تتواجد الاستخبارات التركية في مدرسة أزهار عفرين".
ويردف: "سبق أن قامت الشرطة العسكرية بتحويل عدد من المدارس بريف عفرين لمقرات عسكرية أيضاً، منها مدرسة ابتدائية، في ناحية شران، ريف عفرين، وجامعة عفرين، فضلاً عن مصادرة الملكيات الخاصة، التي بلغت نحو 1452 منزل، وتحويل بعضها إلى سجون أو مراكز عسكرية أو مساجد، كما جرى توثيق 89 حالة حرق متعمد لممتلكات الأهالي (منازل ومحال وبساتين)".
تركيا بين صناعة الحرب وتبديد الهوية
ومن بين الفصائل المتواجدة، بحسب المصدر ذاته، والمسيطرة على مراكز وقرى عفرين، وتنفذ هذه المهام الميدانية إلى جانب الجيش التركي، يذكر: أحرار الشرقية، السلطان مراد، فرقة الحمزة، أحرار الشام، الجبهة الشامية، فيلق الشام، السلطان سليمان شاه، لواء الفتح، فيلق الرحمن، وجيش الإسلام.

 

من جانبه، يوضح رستم.ن، ناشط كردي يقوم بتوثيق الانتهاكات التركية في عفرين، أنّ الفصائل التركية والميلشيات التابعة لها، تتحرى التنكيل والإذلال للكرد بسوريا، كما تتم الاعتقالات العشوائية في أوضاع غير إنسانية، يجري فيها التعذيب بكافة الحيل والوسائل، وتختفي الرعاية الصحية؛ إذ يصبح الإهمال الطبي متعمَّداً، ويصل حدّ القتل.

 

اقرأ أيضاً: ما هي أبرز ملامح الخطّة الأوروبية لمواجهة أردوغان بعد العدوان التركي؟
ولا تدّخر تلك الفصائل وسيلة لتخريب المنازل، وتهديد الأشخاص بأمنهم، وتصفية هوياتهم، وسحق كرامته، إلا وتفعلها، بحسب رستم.

سيدة كردية لـ"حفريات": ضربوني ليلة كاملة حتى أغمي عليّ، فأيقظوني ثم جلبوا دولاباً وعصا وهددوني بأنّهم سيضعونني داخله ويعذبونني

ويشرح لـ "حفريات": "أثناء الاعتقال تحرق الصور والرموز الكردية، وتتهدم المحتويات الخاصة للمنزل، بينما تسرق بعضها، كما يُحرم ذوو المعتقل من معرفة أيّة أخبار عنه، وظروف ومكان احتجازه، وتُمنع رؤيته، بشكل تام، ويضاف إلى ذلك، عمليات الابتزاز المتعددة، حيث تُطلب فدية مالية، أحياناً، تصل لمبالغ طائلة بآلاف الدولارات، لجهة لإفراج عن المعتقل، بيد أنّ هناك حالات لا يتم فيها الإفراج عن المعتقل، بل ترسل جثته لذويه، أو تُرمى في القمامة".
وحسبما يشير "مركز توثيق الانتهاكات في شمال سوريا"؛ فقد قضى نحو (1058) مدنياً، خلال الفترة بين شباط (فبراير) 2018 وحتى أيلول (سبتمبر) 2019، وقتل تحت التعذيب 33 شخصاً، وكشف البيان الصادر عنه؛ أنّ الفصائل المسلحة اعتقلت ما لا يقل عن 5576 شخصاً، منذ آذار (مارس) العام 2018، وتعرض نحو 661 شخصاً منهم للتعذيب.
وعليه، فهناك نحو 2500 معتقل من أصل 5576، ما يزال مصيرهم مجهولاً، بحسب مركز التوثيق، وغير معلوم ما إذا كانوا موتى أو معتقلين، أو رهن الاحتجاز.
سجون وحرب إبادة يقودها أردوغان
يرى الصحفي الكردي، كرد علي؛ أنّ السجون التي تصنعها السلطات التركية في سوريا، تعدّ إحدى الحيل التي تستخدمها السلطات التركية، بهدف توطيد وجودها وتوطين نفوذها، وتنفيذ التغيرات الديموغرافية التي تستهدفها، عبر تغيير أسماء القرى والبلدات، وطمس الثقافة الموجودة بالمناطق، وفرض سياسة التتريك على الأهالي، معتبرة أنّ اللغة التركية هي اللغة الرسمية، كما هو قائم عملياً، إضافة إلى قيامها بتهجير من تبقى من السكان؛ إذ نزح من عفرين بين 250 و300 ألف، من خلال إجراءات مشددة وصارمة، نفذتها الفصائل المسلحة والميليشيات المحلية التابعة لأنقرة؛ حيث استولت على الملكيات العقارية والزراعية والتجارية، واعتقل أصحابها وذووهم، وتعمّدت إلى ابتزازهم بطرق شتى.

اقرأ أيضاً: الأكراد الأوروبيون ينتفضون ضدّ العدوان التركي
ويضيف لـ "حفريات": "في شهر أيلول (سبتمبر) الماضي، جرى اعتقال ما لا يقل عن 105 أشخاص في عفرين، وهم موثّقون بالأسماء ومكان وتاريخ وجهة الاعتقال، كما أنّه، بين عامي 2018 و2019، تعرّض نحو 1911 شخصاً لإصابات بجروح متفاوتة، من بينهم 210 أطفال و116 امرأة، إثر مداهمة منازلهم، وتعرضهم للضرب من قبل المسلحين، أو شظايا المتفجرات، أو قصف مناطقهم المدنية".
وفي إحدى الشهادات التي حصلت عليها "حفريات"، تتكشف حدود المأساة التي خلّفها الوجود التركي، ليس على مستوى العمران والتخريب الذي لحق بآثاره المتباينة، في المدن السورية والكردية، لكن فيما يتصل بواقع المدنيين الذين تعرضوا لهذا الحجم من القمع والتعسف والاضطهاد الهائل، وقد بلغ حدّ أن تتردّد صاحبة الشهادة، أكثر من مرة، وهي تسجل وقائع اعتداء الفصائل عليها، وترفض الحديث، خشية أن يتمّ التعرّف إليها، وتتعرض للأذى مجدداً.
وتشير السيدة في حديثها إلى أنّه في منتصف إحدى الليالي، اقتحموا بيتها مثل "الوحوش"، بحسب توصيفها، واعتقلوها وابنها، ونزعوا عن الفتيات والنساء اللواتي قبض عليهنّ معها حجابهنّ، في وسط القرية، وقاموا بتقييد الجميع بسلاسل حديدية توثقهم ببعضهم، بينما دفعوهم في صندوق السيارة العسكرية الخلفي، حتى وصلوا بهم إلى أحد المقرات العسكرية، وحققوا معهم، بعدما تناوب عليهمّ عناصر الشرطة العسكرية بالضرب والسباب والجلد، وأجبروهم على دهس صور شهدائهم، ورموزهم القومية؛ مثل: كاوا الحداد.
وهو الأمر ذاته الذي يفرضوه عناصر الشرطة، بشكل عشوائي، على المواطنين بالشارع؛ حيث يضعون لهم صور الشهداء الكرد في المعارك مع القوات التركية، ويطلبون من المواطنين دهسها والمرور عليها بأقدامهم، حسبما تفيد.

 

مذابح السلطان في سوريا
وتضيف في شهادتها المسجلة، التي حصلت "حفريات" على نسخة صوتية منها: "كانوا يقولون لنا: نحن جئنا لننغّص عليكم حياتكم، ونهجّركم من هنا، كما أذكر فتاة كانت معي في السجن، جسمها ووجهها ظلّ شاحباً وأزرقاً، إثر ما تعرضت له من ضرب وتعذيب في إحدى الليالي، بشكل منفرد ومتواصل".
وتردف: "ضربوني ليلة كاملة حتى أغمي عليّ، فأيقظوني ثم جلبوا دولاباً وعصا، وهددوني بأنّهم سيضعونني داخله ويعذبونني، حتى أعترف بالاتهامات الموجهة لي، فقلت لهم: أنا امرأة مسنّة، ولا دخل لي بالأمور العسكرية والقتالية، فجاؤوا بكرباج وضربوني حتى أصبح لون جسمي أسود، وشعرت لحظتها بالموت".

اقرأ أيضاً: الأكراد.. أين يتواجدون؟ وهل حصلوا على حقوقهم السياسية والثقافية؟
في عفرين، لم تكن حياتنا أبداً عادية في ظل الاحتلال التركي؛ إذ كان الخوف بمثابة شبح يتردّد بكلّ مكان وزاوية، طالما كان العسكريون يمشون بالشوارع حاملين سيوفاً، بهدف بثّ التهديد والخوف في نفوسنا وإرهابنا"، كما تختتم شهادتها.
وإلى ذلك، أوضحت منظمة العفو الدولية؛ أنّ القوات العسكرية التركية، وتحالف الجماعات المسلحة السورية المدعومة من تركيا، قد أبدت ازدراءً مشيناً لحياة المدنيين؛ حيث ارتكبت انتهاكات جسيمة وجرائم حرب، بما في ذلك القتل العمد، والهجمات غير القانونية التي قتلت وجرحت مدنيين؛ وذلك خلال الهجوم الأخير على شمال شرق سوريا.
ووثقت المنظمة، عبر شهادات واقعية وميدانية لــ 17 شخصاً، إضافة إلى معاينتها للأحداث وتفاصيل ما رصدته، وذلك خلال الفترة بين 12 و16 تشرين الأول (أكتوبر)، ومن بينهم: عاملون في المجال الطبي، وعمال الإنقاذ، والمدنيون النازحون، والصحفيون، وعاملون في المجال الإنساني المحلي والدولي، ناهيك عن مقاطع الفيديو التي جرى التحقق منها، والتقارير الطبية وغيرها من الوثائق؛ إذ إنّ المعلومات التي تمّ جمعها، تقدّم أدلة دامغة على الهجمات العشوائية في المناطق السكنية، بما في ذلك الهجمات على منزل ومخبز ومدرسة، نفذتها تركيا والجماعات المسلحة السورية المتحالفة معها.
جرائم حرب
وبحسب كومي نايدو، الأمين العام لمنظمة العفو الدولية: "أدى الهجوم العسكري التركي على شمال شرق سوريا إلى تدمير حياة المدنيين السوريين الذين أجبروا مرة أخرى على الفرار من ديارهم، والعيش في خوف دائم من القصف العشوائي وعمليات الاختطاف، وأعمال القتل الميداني"، لافتاً إلى أنّ القوات العسكرية التركية وحلفاءها أبدوا ازدراء صارخاً لأرواح المدنيين، وشنوا هجمات مميتة غير مشروعة في المناطق السكنية قتلت وجرحت مدنيين.
وأشار الأمين العام لمنظمة العفو الدولية إلى أنّ تركيا مسؤولة عمّا تقوم به الجماعات المسلحة السورية التي تدعمها وتسلحها وتوجهها؛ فحتى الآن، منحت تركيا هذه الجماعات المسلحة حرية ارتكاب انتهاكات جسيمة في عفرين، وفي أماكن أخرى.

أدى الهجوم العسكري التركي على شمال شرق سوريا إلى تدمير حياة المدنيين السوريين
من جهتها، ذكرت هيئة الصحة التابعة للإدارة الكردية في شمال شرق سوريا، أنّه في 17 تشرين الأول (أكتوبر)، قتل ما لا يقل عن 218 مدنياً، من بينهم 18 طفلاً، منذ بدء الهجوم.
على الجانب الآخر؛ لم يكن ثمة بدّ من مواجهة الطرف المسؤول والمباشر، عن تلك الانتهاكات الجسيمية، والمخالفات الإنسانية والقانونية والحقوقية، التي وردت في سياق التحقيق، بحقّ أكراد سوريا في عفرين، وذلك عبر التواصل مع الرائد يوسف حمود، الناطق باسم ما يعرف بـ "الجيش الوطني السوري"، وقوامه أربعون ألف جندي، والمدعوم من أنقرة، ويسيطر على عفرين، منذ عملية درع الفرات، كما شارك في العملية العسكرية الأخيرة، وتنضوي تحته مجموعة من الجماعات المسلحة، من بينها: كتائب السلطان مراد، وكتائب السلطان محمد الفاتح.
ليس هناك انتهاكات ولكن...!
وفي حديث مسجَّل لـ "حفريات"، كشف الناطق باسم الجيش الوطني السوري؛ أنّ حالات الخطف والتعذيب والاعتقال العشوائي هي حوادث فردية، بحسب وصفه، وهي لا تتجاوز الحالتَين، وقد جرى تعقب العناصر المسؤولة، وتقديمها للتحقيق، بينما نفى ما هو خلاف ذلك.

وبسؤاله عن ملابسات ومحددات عمليات التوقيف للأشخاص الذين يمثلون أمام جهات التحقيق التابعة لهم، وآليات تنفيذها، يوضح: "التوقيفات تتمّ بناء على ورود أسماء بعض الأشخاص، في أثناء التحقيقات مع آخرين، إضافة لمن يعرف عنهم انتماؤهم لقوات سوريا الديمقراطية أو النظام السوري، عن طريق أجهزتنا الأمنية؛ حيث إنّه بعد السيطرة على عفرين، قمنا بتشكيل أجهزة أمنية وقضائية وقانونية، مثل: الشرطة العسكرية، والقضاء العسكري، والنيابة العسكرية، ومثيلاتها المدنية كذلك، ويكون الاعتقال بموجب مذكرة توقيف، تصدر من أيّة جهة من الجهات المذكورة، والمخوَّلة وحدها بإصدار الأحكام، كما أنّ هناك قانوناً وضعناه يعرف بـ "القانون العربي الموحَّد".
ويردف: "المنطقة خرجت من عدة حروب؛ بداية من المعارك مع نظام بشار الأسد، وأخرى مع قوات سوريا الديمقراطية، والتي استطعنا تخليصها منهما، وعليه، فإنّنا عبر أجهزتنا الأمنية والعسكرية، نلاحق ونقوم باستدعاء أيّ شخص يرد اسمه في التحقيقات، والتي تجري مع بعض الأشخاص، بهدف أمن منطقتنا".

اقرأ أيضاً: أكراد في تركيا.. كيف حدث الانتقال من السلاح إلى صناديق الانتخاب؟
بيد أنّ الصحفي والباحث الكردي في معهد واشنطن، باز علي بكاري، يؤكّد أنّه "بالنسبة إلى ما يجري في عفرين، منذ الساعات الأولى لاحتلال تركيا والفصائل السورية الموالية لها، هي جريمة حرب مستمرة على مدى عامين، خاصة فيما يتعلق بعمليات خطف وتصفية المدنيين جسدياً، على يد الفصائل السورية الموالية لتركيا، والتي تتعامل مع عفرين كعصابة اغتنمت الجغرافيا وما عليها من بشر وأرزاق".
ويردّ بكاري على وصف الناطق باسم الجيش الوطني السوري، أنّ ما يحدث من انتهاكات هي بمثابة "حالات فردية"؛ مؤكّداً أنّ هناك العشرات من حالات الخطف التي تمّ توثيقها، حتى الآن، بينما في كلّ مرة تزعم تركيا وفصائلها المحلية، أنّها مجرّد حالات فردية.
ويستطرد لـ "حفريات": "الواقع اليومي بعفرين يثبت عكس ذلك؛ فهناك عمليات ممنهجة تستهدف الكرد بالأساس، وهم السكان الأصليون لعفرين، وتهدف إلى دفع الكرد للالتحاق بغيرهم ممن تمّ تهجيرهم بداية العملية، إضافة إلى سرقة قوت الناس؛ فالتقارير الحقوقية الموثقة، تؤكد أنّ الفصائل المحلية، بالتعاون مع تركيا، سرقت وصرفت ما يزيد عن ١٦٠ مليون يورو من زيت عفرين، والذي يعدّ وارداً رئيساً للسكان".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



رحيل تيريز هلسة التي أطلقت النار على نتنياهو واختطفت طائرة بلجيكية

2020-03-29

يتدثّر السبعيني عبد القادر المحاميد بأغطية عدة، فيما هومستلقٍ في بيته في جبل الجوفة، في عمّان، ويشير بيديه، اللتين تفترشهما القروح، لصورة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، المعلّقة على الجدار قبالته، ليبدأ حديثاً غير مفهوم الملامح يراوح بين الهمهمات والهتافات. تربّت تيريز هلسة على يديه وتريحهما إلى جانبه، وتلتفت شارحة: "يتحدث عن القِتال في بيروت، كان مقاتلاً في الصفوف الأولى للثورة الفلسطينية".

اقرأ أيضاً: المناضلة جميلة بوحيرد نجمة مهرجان أسوان لسينما المرأة
من جبل الجوفة إلى جبل الحسين، تمضي هلسة لتتفقد إبراهيم سلامة، الذي يرقد على أحد أسرّة مشفى جيش التحرير الفلسطيني، منذ ما يقارب ثلاثة عقود، بعد أن أصيب بالشلل الرباعي جرّاء إطلاق رصاص تعرّض له في لبنان، حين التحق بالثورة فدائياً، مودّعاً عائلته الفلسطينية في الكويت.

رحلت تيريز هلسة أمس السبت في عمّان، 28 آذار (مارس) 2020
رحلَ عبد القادر المحاميد، ورحلَ إبراهيم سلامة، قبل بضعة أعوام، ورحلت تيريز هلسة أمس السبت في عمّان، 28 آذار (مارس) 2020.
لم يكن المحاميد وسلامة الوحيدَين اللذين تتفقدهما هلسة شهرياً، لتأمين احتياجاتهما كمقاتليْن سابقيْن في صفوف الثورة الفلسطينية؛ إذ كانت تشغل منصب رئيسة جرحى فلسطين في الأردن والشتات، تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، التي انتظمت فيها فدائية، عام 1972، حين اختطفت طائرة سابينا البلجيكية، ذات رأس المال الإسرائيلي، برفقة ريما طنوس والشهيدَين؛ علي طه وزكريا الأطرش، ولتلقى حُكمين ونيفاً بالمؤبد في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قضت منها عشرة أعوام تلتها الحرية، خلال صفقة النورس لتبادل الأسرى عام 1983.

كانت طائرة شركة "سابينا" البلجيكية في مطار بروكسل، على متنها 140 إسرائيلياً، وجرى اختطافها للمطالبة بإجراء تبادل لتحرير أسرى

كانت الطائرة التابعة لشركة "سابينا" البلجيكية في مطار بروكسل، على متنها 140 إسرائيلياً، وجرى اختطافها للمطالبة بإجراء تبادل لتحرير أسرى أردنيين وفلسطينيين لدى الاحتلال.
وحين بدا أنّ العملية قد فشلت، كما تذكر تقارير إخبارية، رفضت تيريزا ورفاقها الاستسلام حينما هاجمت الطائرة فرقة خاصة من القوات الإسرائيلية تنكرت بهيئة أفراد من الصليب الأحمر الدولي، وكان بينهم رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو.
وأثناء الاشتباك أطلقت تيريزا النار على نتنياهو فأصابته في كتفه، قبل أن تقع في الأسر عقب إصابتها، وفق مواقع إخبارية ووكالات أنباء.
أثناء الاشتباك أطلقت تيريزا النار على نتنياهو فأصابته في كتفه

في مقرّ منظمة التحرير في جبل الحسين
كانت هلسة، الأم لثلاثة أبناء، تبرع في التحليل النفسي؛ إذ يكفي أن تزورها في مكتبها، الذي يتسع بالكاد لاثنين معاً، في دائرة شؤون الوطن المحتل (منظمة التحرير الفلسطينية في جبل الحسين)، لتشهد تحليلها كلّ كلمة تتناهى لسمعها من الغرفة المجاورة.

محمد يوسف لـ"حفريات": تطوّعت تيريز هلسة لعمل نبيل، وهو تولّي مسؤولة ملف جرحى الثورة الفلسطينية في الأردن

لم تكن تلك الغرفة المجاورة عادية؛ إذ كانت تغصّ، يومياً، بثلّة من الفدائيين القدامى الذين يستحضرون الثورة الفلسطينية وزمن الكفاح المسلح.
كانت تقول إنّهم ما يزالون في حالة إنكار، ولم يهضموا بعد فكرة أنّ سامر الثورة قد انفضّ، وأنّ قعقعة السلاح التي كانوا يغرقون بها ولّت إلى غير رجعة؛ لذا، بقيت هلسة تصرّ، حتى ما قبل رحيلها بعامين تقريباً، على إبقاء هذه الغرفة مشرعة للفدائيين، قائلة: "لا ملاذ لهم ليتحدثوا عن تلك الحقبة إلا في مقر منظمة التحرير الفلسطينية، التي سعت مراراً لإغلاق دائرة شؤون الوطن المحتل في عمّان؛ تقليصاً للنفقات".
يعلّق أمين سر أقاليم فتح في الضفة الغربية، محمد يوسف، على تلك الجزئية، قائلاً: "تطوّعت تيريز هلسة لعمل نبيل، وهو تولّي مسؤولة ملف جرحى الثورة الفلسطينية في الأردن؛ جابت البلاد طولاً وعرضاً لجمع المساعدات وتقديم العون لمن تقطّعت بهم السبل، من قدامى المناضلين والجرحى والأسرى المحرّرين".

اقرأ أيضاً: عائلة فلسطينية تعيش في قفص مستوطنة إسرئيلية بالقدس
يكمل: "كانت تقوم بهذا برفقة زميلها الأسير المحرّر، نسيم عبد الجليل، الذي اشترى السيارة التي تقلّهما من ثمن ذهب والدته، وقبل مدة، وجدت تيريز وزميلها نفسيهما في مأزق حين هُدِمَت بناية دائرة شؤن الوطن المحتل في جبل الحسين"، مردفاً: "كان يمكن أن يصبحا في الشارع، لولا أن تبرّعت لهما إحدى النساء الخيّرات بأجرة عام، فاستأجرا مكاناً جديداً في جبل الحسين".

رائدة طه: "الأم تيريزا"
رائدة طه، ابنة الشهيد علي طه، المشارك الرئيس في عملية اختطاف الطائرة، والذي قضى برصاص الجيش الإسرائيلي المتنكّر بأزياء الصليب الأحمر، بعد أن طلب علي منهم تأمين الركّاب بالطعام، تقول: "كنت في صدد اكتشاف المزيد عن والدي، الذي رحل ولمّا يتجاوز عمري ثمانية أعوام، فقابلت تيريز هلسة، للمرة الأولى، حين كنت في منتصف العشرينيات، انهرت تماماً حين رأيتها".

اقرأ أيضاً: أول محجبة في الكنيست الإسرائيلي لـ "حفريات": أعتز بردائي وهويتي الفلسطينية
تكمل طه؛ بأنها عاجَلَت تيريز هلسة بسؤال: "ليش تركنا؟"، في إشارة لوالدها الذي خلّف وراءه أرملة لم تتجاوز حينها سبعة وعشرين عاماً وأربع بنات، أكبرهن تبلغ ثمانية أعوام وأصغرهن ثمانية أشهر، لتجيبها: "أعرفكن وأعرف قصصكن منه، لم يذهب والدكن ليمُت، بل ذهبَ ليرجع، كان يضحك دائماً حين يتحدث عنكن".
تشعر طه، أمام رحيل تيريز هلسة، بأنّ الخسارة باتت كاملة الآن؛ إذ كانت آخر عضو باقٍ في المجموعة التي قامت بالعملية الفدائية، تقول: "سأبقى أسمّيها، كما سمّيتها منذ عرفتها: الأم تيريزا".
مشهدان لتيريز في ذاكرة عدوان
حالة من الغضب اعترت رامي عدوان، نجل الشهيد كمال عدوان، الذي اغتيل في عملية الفردان، عام 1973؛ حين شهِدَ من يُجادِل في مدى ملاءمة العملية الفدائية، التي قامت بها تيريز هلسة ورفاقها، لمعايير عام 2020.
يقول: "تسمو تيريز هلسة ودلال المغربي وسميحة الخليل وكلّ الفدائيات الفلسطينيات، والفدائيين الفلسطينيين، فوق أي اعتبار، سواء اتفقنا مع التكنيك المتبّع في حينها أم لا؛ فجميع الفدائيات والفدائيين فوق التنظير، وفي مرتبة أسمى من تطارح الآراء حول مدى تساوُق عملياتهم مع معايير الزمن الحالي".

يستذكر عدوان الراحلة، المولودة في عكّا عام 1954، لأب كركيّ وأم من قرية الرامة الفلسطينية، بمشهدين:
يقول: "كنت صغيراً، لا أذكر عمري تحديداً، لكني أذكر جيداً تلك الجرائد التي نحتفظ بها؛ لما فيها من نعي لوالدي ولاحقاً إحياءً لذكراه، أذكر جيداً صورة تيريز في إحداها، ضمن مشهد من المحاكمة، كانت مزيجاً من الغضب والجمال والكبرياء".

اقرأ أيضاً: الفلسطينيون يتحدون تهويد مقدساتهم بـ "الفجر العظيم"
يتحدث عدوان عن لقائه للمرة الأولى بتيريز، قائلاً: "كان في أحد اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني، عام 2001، في عمّان، لم أعرفها في البدء، حين لمحتها إلى جانبي، وحين تحقّقت من هويتها، عادت بي الذاكرة لمشهدها في تلك الجرائد التي لدينا، ولم أعرف وقتذاك كيف بوسعي الاحتفاء بها".
أبو شرار: عملية تغييب جرت للكوادر الفدائية
سماء أبو شرار، ابنة الشهيد ماجد أبو شرار، الذي قضى اغتيالاً في روما، عام 1981، تشعر بالحنق، كذلك، من الجدليات المثارة حول مدى ملاءمة أنماط في العمل الفدائي لمعايير الوقت الحالي، تقول: "مقاومة الاحتلال مشروعة بالوسائل كافة، وهذا عُرف دولي وإنساني وتاريخي لا يمكن لأحد الجدال حوله"، مردفة: "حين تخلّينا عن الكفاح المسلّح وتبرّأنا منه حتى على صعيد القول بدأت هزيمتنا الحقيقية، وباتت فلسطين أبعد من أي وقت مضى".
ترى أبو شرار؛ أنّ "عملية تغييب" قد جرت للكوادر الفدائية والقيادات التي رافقت الثورة الفلسطينية؛ "ذلك أنّ استذكار هذه المرحلة المشرقة في القضية الفلسطينية من شأنه تعرية التيار المقابل، فلسطينياً وعربياً ودولياً، فمجرد الاستذكار يكشف عورات هؤلاء".

للمشاركة:

هل قضى كورونا على ابتزاز أردوغان لأوروبا بورقة اللاجئين؟

صورة حامد فتحي
باحث مصري في حقل الدراسات الإسلامية
2020-03-29

"يجب ألا نسمح أن يتم ابتزازنا من قبل رجل يقول: إذا انتقدتموني أو لم ترسلوا لي الأموال، عندها سأرسل الناس عبر البحر! هذا مثيرٌ للشفقة".."أردوغان يستخدم لاجئي الحرب ويستخدمنا كوديعة سياسية لسياساته المجنونة".

اقرأ أيضاً: فيروس كورونا يُضاعف أزمة اللاجئين في أوروبا..
بهذه النبرة الحادة عبرت نائبة رئيس البرلمان الألماني، كلاوديا روت، في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي لصحيفة "دي فيلت" الألمانية عن نفاد الصبر الأوروبي تجاه ابتزازات الرئيس التركي، بقضية اللاجئين. أردوغان الذي لا يكاد يتعثر اقتصادياً، أو يتلقى صفعات عسكرية في سوريا، أو يرغب بمداعبة أحلام شعبه بسفر بدون تأشيرة إلى أوروبا، إلا ويسارع بالتلويح بورقة اللاجئين في وجه بروكسل، مستغلاً الضعف السياسي لأوروبا، وضعف قوانينها تجاه اللجوء.

صفعة روسية

في 9 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي شنّ أردوغان عملية عسكرية جديدة ضد قوات سوريا الديمقراطية، بهدف خلق منطقة آمنة بين الأكراد والحدود التركية، وعُرفت باسم عملية "نبع السلام". انتهت العملية بتوقيع اتفاق سوتشي، تبع ذلك موجة جديدة من الصدام المسلح بين تركيا والجماعات السورية الموالية لها من جهة، والأسد وحلفائه وروسيا من جهة أخرى للسيطرة على محافظة إدلب، المعقل الرئيسي للمعارضة السورية بمختلف أطيافها، وإحدى مناطق النفوذ التركي.

أدى انشغال الأوروبيين بخطر كورونا إلى تراجع ضغط المنظمات الإنسانية على الحكومات للتدخل لحل أزمة اللاجئين

شهدت معركة إدلب التي بدأت مطلع كانون الأول (ديسمبر) 2019، صدامات مباشرة بين الجيش السوري والقوات التركية، نتج عنها مقتل عشرات الجنود الأتراك، واشتدت المواجهات بين الطرفين، مسببة موجة كبيرة من نزوح السكان نحو تركيا ومناطق سورية أخرى.

وجد أردوغان نفسه وحيداً في مواجهة سوريا وروسيا وحلفائهما، بعد أن تسببت سياسته في معاداة الولايات المتحدة، وشركائه في حلف الناتو، الذين باتوا يشكون في ولاء تركيا للحلف، بعد إبرامه صفقة S400 مع روسيا، رغم اعتراض شركائه في الحلف، مما عرضه لعقوبات أمريكية، طالت التعاون العسكري بين البلدين.
توالت خسائر أردوغان العسكرية في عملية إدلب، في ظل تقدم قوات الجيش السوري على حساب الجماعات الموالية لتركيا، وشهد يوم 28 شباط (فبراير) مقتل 33 جندياً تركياً في غارة جوية للجيش السوري، وتتالت الخسائر، ليهرع على إثرها أردوغان إلى الناتو لينقذه من الورطة التي أوقع نفسه فيها.

اقرأ أيضاً: هل يبقى اللاجئون بيادق في علاقة تركيا بالاتحاد الأوروبي؟‎
لم يجد أردوغان بداً من اللجوء إلى عادته القديمة المتمثلة بالمتاجرة بالمدنيين السوريين، فعاد أردوغان ليبتز الأوروبيين باللاجئين، ناقضاً الاتفاق الذي وقعه الطرفان في التام 2016 بهذا الشأن، ومتجاهلاً خطر كورونا على اللاجئين.

المتاجرة باللاجئين

ترافقت مع عملية "غصن الزيتون" ثم معارك إدلب موجة كبيرة نسبياً من نزوح اللاجئين إلى أوروبا، واشتدت وتيرتها بعد إعلان الرئيس التركي فتح الحدود أمامهم إلى أوروبا بشكل رسمي في نهاية شباط (فبراير)، وسبق ذلك تشجيع الأتراك للاجئين بالتوجه نحو الحدود الأوروبية-التركية مع اليونان وبلغاريا.

لم تكتف تركيا باستغلال اللاجئين للضغط على أوروبا بل وظّفت الأحداث للتخلص منهم

يرى فادي حاكورة، خبير الشؤون التركية في المعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن، أن تركيا "تبتز" أوروبا وتهدف من خلال فتح الحدود إلى "جر أوروبا إلى مستنقع الحرب السورية"، ويضيف في حديث لـDW عربية: "تركيا تريد، من جهة، أن تحصل على تأييد أوروبي لعملياتها العسكرية في شمال سوريا وخصوصاً في إدلب، كما أنها تريد، من جهة أخرى، الحصول على مزيدٍ من الأموال من أوروبا".
علاوة على ذلك يستخدم أردوغان ورقة اللاجئين للضغط على الأوروبيين للتسريع باستئناف المحادثات بشأن حرية التنقل للمواطنين الأتراك إلى أوروبا دون تأشيرة مسبقةٍ، واستئناف مباحثات الوحدة الجمركية مع الاتحاد الأوروبي.
تكشف تصريحات أردوغان بجلاءٍ عن ابتزاز واضح للأوروبيين، ففي تصريح له اتهم "الغرب" بالنفاق فيما يتعلق بأزمة اللاجئين، وقال: "حيث سارع – الغرب - لمد يد العون إلى اليونان، بينما يتجنب تقاسم الأعباء مع تركيا"، مضيفاً: "الغرب مع الأسف منافق جداً، فقد وعدوا اليونان على الفور بتقديم 700 مليون يورو"!

اقرأ أيضاً: هل يجتاح كورونا مخيمات اللاجئين في اليونان؟
بهذا المنطق يتجه أردوغان لتحميل أوروبا تبعات سياسته غير المتزنة في سوريا، والتي كانت سبباً رئيسياً في معاناة الشعب السوري، عبر دعمه للجماعات والفصائل الإرهابية، وتحويل الحراك الثوري السوري إلى فصائل مسلحة تابعة له، لتنفيذ مشروعاته التوسعية في العالم العربي.

تعريض اللاجئين لخطر الإصابة
قامت أنقرة بفتح الحدود مع اليونان، وبدأت في نقل اللاجئين إلى الحدود، عملية النقل لم تكن عفوية كما يدعي أردوغان، بل منظمةٌ من قبل حكومة العدالة والتنمية لابتزاز أوروبا، دون أدنى مراعاة لخطورة التكدس على الحدود على إصابة اللاجئين بفيروس كورونا، أو تعرضهم للإصابات جراء المواجهات مع الشرطة اليونانية.

اقرأ أيضاً: أردوغان المُقامر باللاجئين
فريق مراسلي موقع "مهاجر نيوز" المختص بشؤون اللاجئين، رصد من مناطق الحدود الدور التركي في استغلال اللاجئين، وأجرى أحاديث عديدة معهم، ومن بينهم لاجئة قالت للفريق: "السبت الماضي، رُكِّبنا في باصاتٍ تركيةٍ من أدرنة حتى نهر إيفروس (مريج). قالوا لنا بإمكانكم العبور من هنا إلى الضفة المقابلة".

أثّرت الإجراءات الاحترازية لمواجهة وباء كورونا في أوروبا على وظائف اللاجئين

كان مصير اللاجئة هو التعرض لقنابل الغاز من الشرطة اليونانية، لتعود إلى أراضي تركيا بعد رحلة من المعاناة والإهانة، بسبب تلاعب أردوغان بهم. السلطات التركية حولت محطة وقود قريبة من الحدود إلى مركز تجمع للاجئين المشحونين على باصات أعدتها، استعداداً للدفع بهم إلى الحدود، دون مراعاةٍ لخطورة انتشار فيروس كورونا بينهم.
رصد فريق "مهاجر نيوز" المأساة: في محطة الوقود التي تحولت إلى تجمع للمهاجرين، تصل حافلات بيضاء كبيرة تتسع لحوالي 60 شخصاً، تارةً ينزل منها مهاجرون، وتارةً تأخذ تلك الحافلات المهاجرين باتجاه الحدود اليونانية.
تنظم الجندرمة التركية العملية، عبر تحديد نقاط العبور عبر نهر إيفروس، بتنظيم عمليات ركوب قوارب العبور، وفق شهادة سائق تركي يقوم بنقل المهاجرين الأفغان من مخيم في مدينة أرضوم، لفريق "مهاجر نيوز".
لم تكتف تركيا باستغلال اللاجئين للضغط على أوروبا، بل استغلت الأحداث للتخلص منهم، فوقع اللاجئون بين نارين، وذلك عقب تصريحات وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، خلال زيارة المعبر والتي ذكر فيها أنّ بلاده تعمل على نشر ألف عنصر من شرطة المهام الخاصة على ضفاف النهر، لمنع عودة طالبي اللجوء من قبل الجانب اليوناني.

كورونا يغير المعادلة
تزامنت الأحداث السابقة مع تفشي وباء كورونا في إيطاليا، وتهديده لدول الاتحاد الأوروبي كافةً، مما دفع المسؤولين إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة تتعلق بالسفر والتنقل، خصوصاً عبر الحدود الدولية. أثر ذلك على مسألة اللاجئين على عدة مستويات في أوروبا، يتعلق بعضها بالتغطية الإعلامية، والموقف الشعبي، والموقف الرسمي، وفرص العمل للاجئين.
فمع تزايد تفشي كورونا تراجعت التغطية الأوروبية عن أزمة اللاجئين، لتحل محلها أخبار هذه الجائحة، وتستحوذ على منصاتها الإعلامية، مما أثر سلباً على متاجرة أردوغان بالقضية، فبات وحيداً يكرر حديثه المعهود عن خيانة الأوروبيين لبلاده.

اقرأ أيضاً: هكذا غرّر أردوغان باللاجئين وألقى بهم في وجه أوروبا
على المستوى الشعبي أدى انشغال الأوروبيين بخطر كورونا إلى تراجع دور المنظمات الإنسانية في الضغط على الحكومات للتدخل لحل أزمة اللاجئين، ولم يعد المواطن الأوروبي مستعداً لتبنّي قضايا أخرى غير وباء كورونا، الذي يهدد حياته، مما حرم أردوغان من استغلال هذا الجانب في الضغط على حكومات أوروبا.
رسمياً بدأت الدول الأوروبية في إغلاق حدودها بين بعضها البعض، في محاولةٍ لتقليل انتقال العدوى. أغلقت جمهورية التشيك وقبرص والدنمارك ولاتفيا وبولندا وسلوفاكيا وليتوانيا معابرها الحدودية بشكل كامل للحد من انتشار الفيروس، فيما أغلقت فرنسا والنمسا وهنغاريا وألمانيا وإيطاليا حدودها بشكل جزئي مع تشديد أمني مكثف.
بالإضافة إلى ذلك علقت مفوضية الأمم المتحدة للاجئين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، برامج إعادة توطين اللاجئين خاصة فيما يتعلق بسفر اللاجئين الذين ينتظرون موافقات أو تأشيرات للسفر، وذلك بهدف احتواء انتشار فيروس كورونا.

عقب حصول أردوغان على جزءٍ من مطالبه أعلن إغلاق حدود بلاده مع اليونان وبلغاريا بذريعة مواجهة تفشي الوباء

أثرت الإجراءات الاحترازية لمواجهة وباء كورونا في أوروبا على وظائف اللاجئين الذين يعملون بشكل قانوني أو غير قانوني، وهو ما بات يهدد حياة أغلبهم، ويُضعف عزيمة اللاجئين في تركيا لترك المخيمات والتوجه نحو أوروبا، في ظل انعدام الوظائف، والخطر من الإصابة بالوباء لمن يعيشون داخل مخيمات اللجوء، مما يحطم آمال أردوغان بحشد اللاجئين لابتزاز أوروبا.
شملت الإجراءات الرسمية في أوروبا تعليق استقبال اللاجئين، وتوجيه خطاباتٍ مباشرةٍ إليهم لتحذيرهم من مغبة الانجرار وراء الأوهام التي يروجها أردوغان، ومن ذلك تصريحات وزير الداخلية الألماني هورست زي هوفر، التي جاء فيها: "نحتاج إلى النظام على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، سوف ندعم اليونان بكل ما أوتينا من قوةٍ في هذا الصدد، إنّ حدود أوروبا ليست مفتوحة أمام اللاجئين من تركيا، وينطبق هذا على حدودنا أيضاً".
وكان بيان صادر عن اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي طالب المهاجرين واللاجئين الذين يحاولون مغادرة تركيا باتجاه أوروبا عدم التوجه نحو الحدود مع اليونان، لأنها لن تُفتح.

خسارة أردوغان
في 9 آذار (مارس) الجاري، وصل أردوغان إلى بروكسل لعقد مباحثات مع المسؤولين الأوروبيين حول أزمة اللاجئين على الحدود اليونانية، أو بمعنى صريح الاتفاق على الثمن الذي سيتقاضاه لإغلاق الحدود، والذي تم الاتفاق عليه لاحقاً خلال القمة الرباعية بين زعماء تركيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا عبر تقنية الفيديو كونفرانس.
تمخض عن القمة حصول تركيا على بعض مطالبها، من بينها تعهد أوروبي بتوسيع الاتحاد الجمركي مع تركيا، وتقديم مساعداتٍ ماليةٍ، وتضامن أوروبي مع الدور التركي في سوريا عقب إدانتهم لعمليات النظام السوري ضد إرهابي أردوغان في إدلب.

اقرأ أيضاً: الغازات المسيلة للدموع وسيلة تركيا واليونان في التعامل مع اللاجئين
لم تغب ليبيا عن طاولة الابتزاز التركي، إذ يسعى أردوغان بكل السبل لنيل رضا أوروبا عن تدخله في الأزمة هناك، وكشف عن ذلك مناقشة الأزمة الليبية مع الأوروبيين خلال اجتماعي بروكسل والفيديو كونفرانس.
عقب حصول أردوغان على تعهد بتحقيق جزءٍ من مطالبه أعلن إغلاق حدود بلاده مع اليونان وبلغاريا بذريعة الإجراءات المتخذة لمواجهة تفشي وباء كورونا، وذلك في مقابل تعهداتٍ شفهيةٍ، وهو الأمر الذي لم يكن ليُقدم عليه لولا تغير المعادلة بسبب وباء كورونا. بشكل عام خسر أردوغان هذه المرة، وهو المكسب الذي لن تتنازل عنه أوروبا مستقبلاً في التعامل معه، بعدما أدركت أنّ الحزم هو ما يردع أردوغان.

للمشاركة:

في أيّ سياق جاء اتصال محمد بن زايد بالرئيس السوري؟

2020-03-29

أجرى ولي عهد أبو ظبي، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أول من أمس، اتصالاً هاتفياً بالرئيس السوري بشار الأسد، هو الأول منذ اندلاع الصراع في سوريا عام 2011. وقالت وكالة الأنباء الإماراتية وكذلك الرئاسة السورية على موقعها على "تويتر" إنّ ولي عهد أبوظبي أكّد في اتصاله "دعم الإمارات للشعب السوري في هذه الظروف الاستثنائية، مشيراً إلى أنّ سوريا لن تبقى وحدها في هذه الظروف الحرجة"، حيث ينتشر وباء كورونا في دول العالم. وفي تغريدة نشرها على حسابه في "تويتر" علّق الشيخ محمد بن زايد على الاتصال بالقول إنّ "التضامن الإنساني في أوقات المحن يسمو فوق كل اعتبار".

اقرأ أيضاً: الثورة السورية في عامها التاسع: حصاد مرّ من درعا إلى عفرين
وتصل عدد الإصابات بكورونا في سوريا إلى خمس حالات حالياً، حسب مصادر حكومية، لكن الرقم، وفق "دويتشه فيلله"، قد يكون أعلى بكثير بسبب الحرب وصعوبة التأكد من الأرقام، ويسود تخوف من تأثير مدمر للفيروس بسبب الوضع الكارثي للمنظومة الصحية.

استجابة داخلية وخارجية
ومنذ انتشار فيروس كورونا من مولده في ووهان الصينية، والذي بدأ في كانون الأول (ديسمبر) 2019، كانت دولة الإمارات من أول الدول التي أعلنت بوضوح عن تعاطفها مع الصين في مواجهة الوباء الفتاك، وقدّمت منذ الأيام الأولى على خبر انتشاره في الصين مساعدتها لبكين. وعلى المستوى الداخلي، احتلت دولة الإمارات المرتبة الأولى على مستوى العالم في عدد الاختبارات الطبية الخاصة بكورونا التي أجرتها داخل البلاد في إطار خطتها المبكرة لمواجهة الوباء والحدّ من انتشاره.

أكّد ولي عهد أبو ظبي دعم الإمارات للشعب السوري مشيراً إلى أنّ سوريا لن تبقى وحدها في هذه الظروف الحرجة

ومن بين دول قليلة على مستوى العالم، لم تكتفِ الإمارات بالاستعدادات المحلية الداخلية فقط لمواجهة الوباء القاتل، بل قدّمت كذلك المساعدات لإيران وصربيا وكرواتيا وأفغانستان؛ وذلك في إطار "الدبلوماسية الصحية" التي انتهجتها الإمارات في إطار إسهامها ومسؤوليتها الإنسانية، وضمن مبادئ التكافل والتضامن مع جوارها العربي والإسلامي والإنساني. وقد عبّر وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش عن ذلك بقوله إنّ "أزمة فيروس كورونا التي يواجهها العالم اختبار قاسٍ لم يشهده النظام الدولي طوال القرن المنصرم". وأكد قرقاش في تغريدة على حسابه الرسمي في "تويتر" في منتصف الشهر الجاري، أنّ "التعاون والتكاتف والعمل المشترك منهجنا على المستوى الدولي والوطني، و(نحن) واثقون من النجاح برغم صعوبة المرحلة، وسلاحنا الالتزام بالإجراءات الوطنية والتفاؤل والثقة."

اقرأ أيضاً: "كورونا" سوريا.. هل يكون الوباء فصلاً آخر من المأساة؟
وفي خطوة إنسانية أكدت عمق العلاقات الخليجية-العربية، استقبلت دولة الإمارات في الثاني والعشرين من الشهر الجاري طائرتين قادمتين من المملكة المتحدة تحملان قرابة 400 طالب كويتي (بسبب تعليق دولة الكويت الطيران) وعدد من الجنسيات الأخرى. وتأتي المبادرة الإماراتية لتؤصل قيم التعاضد والتآزر بين دول مجلس التعاون الخليجي؛ بالرغم من إيقاف الإمارات المؤقت لاستقبال رعايا دول مجلس التعاون.
قد يكون الرقم المعلن أقل بكثير  من الفعلي بسبب الحرب وصعوبة التأكد من الأرقام

سياق الاتصال الإماراتي-السوري
ولدى إشارته إلى الاتصال الإماراتي-السوري قال الوزير قرقاش إنّ "الدعم الإماراتي العيني والتضامن العملي والمعنوي مع الشعوب والحكومات الصديقة في أزمة فيروس كورونا جزء أصيل من سياسة دولة الإمارات ومنذ سنوات التأسيس". وأضاف "الظروف الاستثنائية المرتبطة بفيروس كورونا تتطلب خطوات غير مسبوقة، وتواصلُ الشيخ محمد بن زايد بالرئيس السوري هذا سياقه: البعد الإنساني له الأولوية وتعزيز الدور العربي يعبر عن توجه الإمارات... خطوة شجاعة تجاه الشعب السوري الشقيق تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة".
ويتضح من التصريحات الإماراتية أنّ الاتصال الإماراتي-السوري يأتي ليلبي هدفين:
1. أنّ التضامن الإنساني من جانب دولة الإمارات مع شعوب العالم، ومن ضمنها الشعب السوري، يتناغم مع صلب أولويات دولة الإمارات بشكل عام، وفي مواجهة وباء كورونا بشكل خاص، وأنّ هذا التضامن في هذه الظروف الاستثنائية التي يعيشها العالم يبدو أكثر إلحاحاً، ويلبي أدوار الإمارات في "الدبلوماسية الصحية والمساعدات الإنسانية"، وهي من ركائز "القوة الناعمة" الإماراتية على مدى عقود.

لم تكتفِ الإمارات بالاستعدادات المحلية الداخلية فقط لمواجهة الوباء القاتل، بل قدّمت كذلك المساعدات لإيران وصربيا وكرواتيا وأفغانستان

2. أنّ الإمارات لا تُخفي توجهها على مستوى السياسة الخارجية، والقاضي بضرورة تعزيز الدور العربي في سوريا. ويمكن في هذه النقطة تأكيد عدد من الاعتبارات والمحددات، سبق وأن طرحناها في مرات سابقة، وفحواها أنه في إطار المراجعة الإماراتية لموقفها من الملف السوري، فإنّ مواقف أبوظبي وسياساتها اتسمت في السنوات الماضية بـ"الاعتدال" تجاه الأزمة السورية، وتمثّل ذلك كالتالي:
أولاً، لم تدعم الإمارات أيّاً من الجماعات المتشددة أو الجهادية أو القريبة من "القاعدة" و"داعش" و"الإخوان المسلمين".
ثانياً، أنّ الإمارات ومنذ بدء الصراع السوري في العام 2011، وهي تدعو إلى حلّ سوري-سوري، وحل عربي للنزاع بين الحكومة وأطراف المعارضة السياسية المعتدلة، حتى لا يتكرر في سوريا ما جرى في العراق بعد 2003؛ حيث صبّ الغياب العربي عن بلاد الرافدين في مصلحة طهران ومليشياتها ووكلائها.

اقرأ أيضاً: تركيا توقف إمدادات المياه لنحو 460 ألف سوري
ثالثاً، أنّ الإمارات أكدت في مرات عديدة، على لسان أرفع مسؤوليها، أنّ العالم العربي لن يُقاد بواسطة طهران أو أنقرة، ومن هنا جاءت خطوة إعادة فتح السفارة الإماراتية في دمشق في كانون الأول (ديسمبر) 2018 في إطار مساعي الإمارات "لتفعيل الدور العربي لمواجهة التغوّل الإيراني- التركي"، كما قال حينها وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش.

رابعاً، أنّ أحد أهم مرتكزات الموقف الإماراتي منذ اندلاع الأزمة السورية كان يقوم على أهمية وحدة الأراضي السورية، وعلى قاعدة أن تفكك مؤسسات الدولة السورية من دون بديل أفضل يحلّ محلها بتوافق سوري إنما سيؤدي إلى الفوضى وانتشار الجماعات الإرهابية والمليشيات، ما سيجعل سوريا نهباً للتدخلات الخارجية، وبما سيفضي إلى وضع أسوأ مما كان عليه الحال قبل 2011.

إنّ أحد أهم مرتكزات الموقف الإماراتي منذ اندلاع الأزمة السورية كان يقوم على أهمية وحدة الأراضي السورية

خامساً، مع انتشار الجماعات المتشددة والإرهابية في سوريا، اتجهت المقاربة الإماراتية منذ نحو أكثر من خمسة أعوام إلى أن "حل الأزمة السورية هو مفتاح رئيسي لنجاح الحرب على الإرهاب"، وقد جاء تأييد الإمارات في سنوات الحرب الأولى للمعارضة  السورية المعتدلة في إطار تقليص الفرص أمام الجماعات الجهادية المتشددة الداعية لإسقاط النظام وتفكيك الدولة السورية واستلام الحكم في دولة مركزية في المشرق العربي.
سادساً، أكدت الإمارات نهاية العام الماضي، على لسان وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، "ضرورة اللجوء إلى الحلول الدبلوماسية وعدم التصعيد" في المنطقة، مبيّنة أنّ "هناك حاجة إليها الآن أكثر من أي وقت مضى من أجل خلق نظام إقليمي جديد أكثر استقراراً تستطيع فيه جميع الدول الازدهار". ودعا قرقاش إلى إقامة نظام إقليمي جديد، يرتكز على احترام السيادة الوطنية. وقال: "يجب أن نتحد بهدف حل النزاعات بين الدول، وعلينا بتشجيع الدول على إيجاد حل لأي نزاعات داخلية من خلال الحوار السياسي"، وبما يخدم إعادة ترتيب الأولويات العربية نحو تعزيز الاستقرار والحوكمة وتحسين شروط التنمية والعيش الكريم.

للمشاركة:



انتحار وزير ألماني.. هل للكورونا علاقة بالحادثة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-29

استيقظت ألمانيا، صباح اليوم، على نبأ وفاة وزير المالية بولاية هيسن، توماس شيفر.

 وأكّد الادعاء العام ورئاسة الشرطة؛ أنّ ملابسات الوفاة تشير إلى انتحار، وفق المحققين، بينما ذكرت وسائل إعلام ألمانية؛ أنّ جثة شيفر (54 عاماً)، وُجدت على سكة قطار سريع بمدينة فيسبادن عاصمة ولاية هيسن في جنوب غرب ألمانيا.

وأثارت الوفاة المفاجئة للوزير شيفر، المنتمي لحزب المستشارة أنجيلا ميركل "المسيحي الديمقراطي"، صدمة في الأوساط السياسية والشعبية بألمانيا، خاصة أنّ البلاد تجتاز أزمة انتشار فيروس كورونا.

ويعدّ شيفر أبرز خليفة لرئيس وزراء الولاية الحالي فولكر بوفييه، الذي قال إنّه كان يعتزم لقاءه ظهر اليوم الأحد لبحث سبل مواجهة أزمة انتشار فيروس كورونا في الولاية، وفق ما نقلت "دويتشه فيله".

 وأعرب بوفييه عن صدمته الشديدة وقال: "نحن جميعاً مصدومون ومن الصعب تصديق أنّ توماس شيفر فجأة وبشكل غير متوقع أخذه الموت"، وتوجه رئيس وزراء الولاية بعبارات المواساة والنعي لأسرة شيفر.

ومن جهتها؛ غرّدت وزيرة الدفاع، ورئيسة الحزب المسيحي الديمقراطي، أنغريت كرامب – كارنباور، على حسابها في تويتر: "لقد صدمنا كلنا في الحزب المسيحي الديمقراطي بخبر الوفاة المفاجئة لتوماس شيفر، يضربنا ويجعلنا حزينين ومذهولين، الآن كلّ أفكارنا وصلواتنا مع عائلته".

وأعرب ممثلون لأحزاب سياسية في ولاية هيسن عن صدمتهم بـ "فاجعة" وفاة وزير مالية الولاية، التي يرجح المحققون أنّها كانت انتحاراً، وسط غموض حول الأسباب.

وزير مالية ولاية هيسني توماس شيفر يقدم على الانتحار وسط غموض حول الأسباب

وبينما التزمت عائلته الصمت، كشفت صحيفة "فراكففورته ألغماينه" أنّه "ترك رسالة وداع لزوجته وابنته وابنه".

توماس شيفر ترك زوجته وطفلين، وأمضى أكثر من عقدين من عمره مساهماً في السياسة العامة لبلاده على المستوى المحلي والوطني، حيث يعدّ واحداً من ذوي الخبرة الكبيرة في الأمور المالية.

وذكرت تقارير محلية أنّ شيفر كان نشيطاً جداً في عمله خلال الفترة الأخيرة في مواجهة أزمة كورونا.

على صعيد آخر؛ أظهرت بيانات لمعهد "روبرت كوخ" للأمراض المعدية، اليوم؛ أنّ عدد حالات الإصابة المؤكدة بفيروس كورونا في ألمانيا ارتفع إلى 52547، وأنّ 389 شخصاً توفوا جراء الإصابة بالمرض.

وأوضحت البيانات أنّ حالات الإصابة ارتفعت بواقع 3965 حالة، مقارنة باليوم السابق، في حين قفز عدد الوفيات بواقع 64 حالة.

 

 

 

للمشاركة:

مقتل قيادي بارز في الجيش الليبي بغارات تركية.. آخر تطورات المعارك..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-29

أعلن الجيش الليبي، أمس، مقتل عدد من قياداته البارزة في قصف شنته طائرة تركية مسيرة، خلال معارك مع ميليشيات السراج، ضواحي مدينة سرت، غرب البلاد.

وقال مصدر عسكري، نقلت عنه "العربية"؛ إنّ "اللواء سالم درياق، آمر غرفة عمليات سرت، ومساعده العميد القذافي الصداعي، قتلا إثر غارة شنتها مسيّرة تركية، على مواقع الجيش، غرب مدينة سرت".

الجيش الليبي يعلن مقتل آمر غرفة عمليات سرت، سالم درياق، ومساعده، في غارة شنتها مسيّرة تركية

ودرياق، هو أحد أهمّ ضبّاط الجيش الليبي؛ حيث قاد عملية "البرق الخاطف" التي نفذتها في السابق قوات الجيش لاستعادة السيطرة على موانئ وحقول النفط، وشارك في معارك منطقة الهلال النفطي، قبل أن يتم تعيينه آمراً لغرفة عمليات سرت الكبرى المعنية بحماية النفط منذ عام 2018.

وجاء هذا بعد يوم واحد من مقتل العميد علي سيدي التباوي، آمر "الكتيبة 129" التابعة للجيش الليبي، في محور الوشكة، غرب مدينة سرت، بغارة جوية نفذتها طائرة تركية مسيّرة انطلقت من القاعدة الجويّة بمصراتة.

في المقابل، قال الجيش الليبي، إنه قتل عدداً من قيادات المليشيات المسلحة في الاشتباكات الأخيرة، من بينهم: القيادي علي شناك، آمر محور الخلاطات من مدينة مصراتة، ومحمد الشيشة آمر ميليشيا "شريخان"، ومعهم الناطق الرسمي باسم ميليشيا "القوة الوطنية" في جنزور، سليم قشوط.

الجيش الليبي يعلن مقتل عدد من قيادات مليشيات السراج من بينهم علي شناك ومحمد الشيشة وسليم قشوط

في الأثناء، تستمرّ المواجهات المسلّحة بين الجيش الليبي وقوات الوفاق في محاور جنوب مدينة مصراتة وغرب مدينة سرت ومحاور طرابلس، في ظلّ تحشيدات من الجانبين، منذ إعلان حكومة الوفاق، الخميس الماضي، عن بدء عملية "عاصفة السلام" العسكرية، ما ينذر بتصعيد عسكري محتمل خلال الأيام القادمة، رغم الدعوات الأممية بوقف إطلاق النار وتركيز الجهود على مواجهة انتشار فيروس كورونا.

وقبل أيام؛ سيطر الجيش الليبي على مدن زليطن والجميل ورقدالين ومناطق أخرى قريبة من الحدود التونسية، لكنه يواجه مقاومة شرسة من قبل قوات الوفاق، في مناطق واد زمزم وبوقرين والهشة، جنوب مدينة مصراتة، ومحوري الوشكة والقداحية غرب مدينة سرت.

 

 

للمشاركة:

ما هي أهداف حزب الإصلاح الإخواني في اليمن؟ ولماذا يفتعل الأزمات؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-29

شنّ المحلل السياسي السعودي، خالد الزعتر، أمس، هجوماً حاداً على حزب الإصلاح الإخواني في اليمن، مشيراً إلى أنّ أرواح الأتراك لديهم أغلى من أرواح اليمنيين.

 

 

وقال في سلسلة تغريدات عبر تويتر: "المرتزقة في اليمن، أرواح الأتراك لديهم أغلى من أرواح اليمنيين، حتى الكمامات يرسلونها إلى تركيا بالمجان والشعب اليمني يعاني، الكمامات تأتي من صنعاء والإخواني يصدرها إلى تركيا، كل يوم يثبت الإخواني أنّه والحوثي الإرهابي وجهان لعملة واحدة".

تركيا تعوّل كثيراً على حزب الإصلاح لتحقيق أهدافها في اليمن وخلق أزمات جانبية تفيد الحوثي

ورأى السياسي الخليجي، أنّ تركيا تعوّل كثيراً على حزب الإصلاح لتحقيق أهدافها في اليمن وخلق أزمات جانبية لا يستفيد منها سوى الحوثي، مشيراً إلى أنّ الحلّ الأمثل لقطع يد تركيا في اليمن يتمثل في تطهير الحكومة الشرعية اليمنية من حزب الإصلاح الإخواني وأتباعه.

وقال خالد الزعتر: "تطهير الحكومة الشرعية اليمنية من حزب الإصلاح الإخواني وأتباعه ضرورة لقطع الطريق أمام إستمرارية الإختراق القطري والتركي للحكومة اليمنية، فتركيا تحاول عبر التابعين لها خلق أزمات جانبية لا يستفيد منها سوى الحوثي، كما يحدث من حشد عسكري باتجاه اليمن".

بعد أن فشلت تركيا في تحقيق أهدافها في سوريا وليبيا يتجه أردوغان إلى اليمن عبر حزب الإصلاح

وأضاف: "بعد أن فشلت في التعويل على إنعاش الإخوان في مصر، وانحسار دورهم في سوريا، وحالة الانكسار الإخواني في ليبيا بعد الانتصارات العسكرية التي حققها الجيش الوطني الليبي تعول على حزب الإصلاح الإخواني في اليمن لتحقيق أهدافها".

وأشار إلى أنّ الإخوان أداة من أدوات تركيا الناعمة لاختراق الحكومات العربية، ومن أجل الحفاظ على الإنجازات والمكتسبات التي تحققت في سبيل دحر الإرهاب الحوثي يجب تحصين الحكومة الشرعية اليمنية من الاختراق التركي، عبر تطهيرها من الإخوان.

للمشاركة:



فيروس كورونا: خمسة أسباب لتشعر بالتفاؤل رغم تفشي الوباء

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-29

مع اتساع نطاق انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) وارتفاع أعداد المصابين به في أنحاء العالم، بات من الصعب الحديث عن شيء إيجابي ونحن في خضم أزمة صحية عالمية قد تستمر أسابيع أو أشهر.

ومع ذلك، هناك عدة أسباب لتمنحك شيئاً من البهجة والتفاؤل. فمع استفحال تفشي الوباء، أدت هذه الأزمة إلى إخراج أفضل ما لدى الناس أيضاً.

1. تكريم الأطقم الطبية على مستوى العالم
يقف الأطباء والممرضون وغيرهم من العاملين في مجال الرعاية الصحية على الخط الأمامي في المعركة ضد فيروس كورونا المستجد.

ومن بين أكثر من 500 ألف مصاب بالفيروس على مستوى العالم، تعافى حوالي 130 ألف شخص، وفقا للبيانات التي جمعتها جامعة جونز هوبكنز الأمريكية. ويعود الفضل في تعافي هؤلاء إلى حد كبير إلى الجهود البطولية التي يبذلها العاملون في مجال الرعاية الصحية.

واعترافا بذلك، شارك الناس في العديد من الدول في أنحاء العالم، ومن بينها إيطاليا وإسبانيا وفرنسا والهند، في تحية الطواقم الطبية والتصفيق لها.

وفي بريطانيا أطل الناس مساء الخميس من نوافذهم، أو وقفوا أمام أبواب بيوتهم، وقاموا بتصفيق جماعي تحية للعاملين في الرعاية الصحية.

بدأ التوجه العام لتبادل التحيات والتشجيع في منتصف يناير/كانون الثاني في مدينة ووهان الصينية، حيث ظهر الفيروس قبل أن ينتقل إلى أرجاء العالم. وأظهرت مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي الصينية السكان وهم يهتفون ويغنون من نوافذ الشقق ليلا، في محاولة لرفع معنويات بعضهم البعض.

مع انتشار الفيروس خارج ووهان، انتشرت فكرة التعبير عن الامتنان للطواقم الطبية، وأصبح التصفيق تحية وتشجيعا لها اتجاها عالميا.

2. الصين تخفف القيود
في الوقت الحالي على الأقل، تعتقد الصين أنها سيطرت على الأوضاع الطارئة التي سببها انتشار فيروس كورونا، وتم الإبلاغ عن عدد قليل جدا من حالات الإصابة الجديدة محليا خلال الأيام الأخيرة، ومعظم الحالات كانت لأشخاص قادمين إلى الصين من الخارج.

وهذا يعني أن الحكومة الصينية بدأت في تخفيف بعض القيود التي فرضتها لكبح انتشار الفيروس.

وفي 25 مارس/آذار، رفعت مقاطعة هوبي الصينية قيود السفر على الأشخاص الذين يغادرون المنطقة. ومن المقرر أن يتم في 8 أبريل/نسيان تخفيف حالة الإغلاق التي بدأت في مدينة ووهان منذ يناير/كانون الثاني.

وأفاد مراسل بي بي سي في الصين ستيفن ماكدونيل، بأن الناس في العاصمة الصينية بكين تمكنوا من استنشاق الهواء النقي كما تنفسوا الصعداء أيضا.

مع رفع القيود، هناك مخاوف من حدوث موجة ثانية من الإصابات في الصين. ولكن في الوقت الحالي، تتخذ الصين خطوات أولية نحو استعادة الحياة الطبيعية.

3. تغيرات طفيفة في إيطاليا

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، قالت وكالة الحماية المدنية الإيطالية إن البلاد في "مرحلة استقرار ظاهرة" فيما يتعلق بالعدوى. وذلك بعد أربعة أيام متتالية، شهدت فيها البلاد انخفاضا في عدد الإصابات الجديدة والوفيات الناجمة عن فيروس كورونا.

وبلغ عدد الإصابات يوم الأربعاء 3612 حالة، وهو رقم أقل من الإصابات اليومية المسجلة خلال الأيام الأربعة السابقة. وارتفعت الإصابات يوم الخميس، وكانت الصورة متباينة يوم الجمعة، ففي حين انخفضت الإصابات الجديدة مقارنة بيوم الخميس، فقد سجلت إيطاليا الجمعة أكبر ارتفاع في الوفيات حتى الآن.

واعتبر تراجع الإصابات خلال أربعة أيام، رغم قصر المدة، بصيص أمل في إيطاليا، الدولة الأكثر تضررا في أوروبا.

ووصفت منظمة الصحة العالمية تباطؤ انتشار الوباء بأنه مشجع. وقال مدير الصحة في مدينة لومباردي، المنطقة الأكثر تضررا في إيطاليا: "هناك ضوء في نهاية النفق".

4. التقدم العلمي مستمر
يعتمد العالم على العلماء لتطوير لقاح يحمي الناس من الإصابة بالفيروس. وهناك العديد من اللقاحات قيد التطوير، وتجري بالفعل تجارب على البشر، لكن من الناحية الواقعية، يقول الخبراء إن اللقاح لن يكون جاهزا قبل مدة تتراوح من عام إلى 18 شهرا على الأقل.

ومع تسابق العلماء لتطوير لقاح، يتم اكتشاف الكثير من المعلومات عن الفيروس.

هذا الأسبوع، على سبيل المثال، كانت هناك تقارير عن أبحاث واعدة حول الشفرة الوراثية لفيروس كوفيد-19.

وأشارت الأبحاث إلى أن مراقبة طفرات الفيروس القليلة في الخلايا، تشير إلى أن لقاحا واحدا سيمنح الشخص مناعة لفترة طويلة.

وقال أستاذ علم الفيروسات ستيفانو مينزو، الذي يجري دراسات على كوفيد-19 إن"حتواء الفيروس على مورث مستقر يمثل نبأ ساراً لتطوير اللقاح".

5. ازدهار الروح الجماعية والمعاملة اللطيفة
على الرغم من أن فيروس كوفيد-19 تسبب في انعزال الناس عن بعضهم، فإن المجتمعات كانت تتوحد معا في مواجهة الأزمة، ونجحت المعاملة اللطيفة وحالة التضامن في رفع الروح المعنوية بين المجتمعات في أنحاء العالم.

في بريطانيا، سعى مئات الآلاف إلى الانضمام إلى الجيش التطوعي التابع لهيئة الخدمات الصحية الوطنية )NHS (، وهو ما تخطى بكثير الأرقام التي استهدفتها الحكومة من المتطوعين.

وفي إسبانيا، كانت هناك استجابة كبيرة لنداء طبيب عبر الإنترنت بإرسال رسائل إلى المصابين بفيروس كورونا المستجد. وذكرت صحيفة "الباييس" أن المرضى تلقوا عشرات الآلاف من الرسائل التي تحمل التشجيع والأمنيات الطيبة.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

هل ينجو النظام الإيراني من صدمة فيروس كورونا؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-03-29

ترجمة: مدني قصري


يُدين الشعب الإيراني؛ الإدارة الكارثية لوباء كورونا من قبل الجمهورية الإسلامية، التي تحاول الهروب من هذا السخط من خلال إعادة إطلاق تصعيدها ضد الولايات المتحدة في العراق.

اقرأ أيضاً: مسؤول إيراني يكشف معلومات خطيرة حول انتشار كورونا في بلاده
فقد أصبحت إيران، رسمياً؛ ثالث أكثر الدول إصابة بفيروس كورونا بعد الصين وإيطاليا، مع وجود 1556 حالة وفاة، و20610 حالات إصابة حتى 21 آذار (مارس) الجاري، لكنّ الواقع أكثر كارثية، بسبب كذبة الدولة التي "حاصرت" الوباء منذ فترة طويلة؛ إذ أرادت الجمهورية الإسلامية بالفعل إخفاء إدارتها الكارثية للأزمة، حتى لو كان ذلك بتحويل الطاقم الطبي، في غياب أي إجراء وقائي، إلى ناقلين رئيسيين لانتشار الفيروس، وقد تمسك آية الله في السلطة عبر خرافة الحصانة الإلهية الممنوحة لمراكز الحج الشيعية، التي ظلّت مفتوحة حتى الأيام الأخيرة، لتتحول إلى بؤر تلوث هائلة، وبالتالي فإنّ الشرعية السياسية والدينية للنظام هي التي تأثرت، وربما بشكل لا رجعة فيه.

عمى المتعصبين
لدى إيران أكبر عدد من الشيعة في العالم، لكنّ مدينتي النجف وكربلاء المقدستين، تقعان في العراق، ومن هنا تأتي الأهمية الكبرى التي توليها الجمهورية الإسلامية لموقعي قُم ومشهد، وقد تم تشييد هذا الأخير في شرق البلاد حول ضريح الإمام رضا؛ الثامن في رتبة التقوى الشيعية، والذي دُفن هناك عام 817، أمّا قُم؛ فيقع على بعد 150 كيلومتراً جنوب طهران، ورغم أنّه لا يؤوي سوى قبر فاطمة شقيقة رضا، إلا أنّه أصبح ضرورياً ومُهِمّاً للغاية بالنسبة للنظام، فهو في الواقع، يُقدّم تعليمه الديني لأكثر من 40 ألف طالب، بالإضافة إلى نسبة عالية من الأجانب، في منافسة مباشرة لندوات النجف.

دفعت الزيادة الهائلة في عدد الضحايا؛ السلطات الإيرانية إلى تقديم موعد عطلات رأس السنة الجديدة وإغلاق موقعي قم ومشهد

وقد اعترفت السلطات بأول حالتي فيروس كورونا في إيران في مدينة قم، يوم 19 شباط (فبراير) الماضي، وأعلنت بعد بضع ساعات وفاة المصابين، لكن، يخشى أن يكون الوباء قد انتشر في المدينة قبل ذلك بكثير، حيث يقيم 700 من "الإكليريكيين" الصينيين، فضلاً عن 2.5 مليون سائح يستقبلهم الموقع كل عام، بما في ذلك الشيعة الذين يمثلون 10 بالمئة من أصل 20 مليون مسلم صيني.
وظلت دعاية النظام منذ فترة طويلة تعزو فيروس كورونا إلى "مؤامرة العدو" الأمريكي والإسرائيلي، وهي المؤامرة التي ادّعى النظام الإيراني أنّ هالة رضا وفاطمة ستحمي الجمهورية الإسلامية منها. وفي الوقت الذي علقت فيه المملكة العربية السعودية الحج إلى مكة والمدينة المنورة إلى أجل غير مسمى في 27 شباط (فبراير) الماضي؛ اكتفت إيران بتعقيم موقع مشهد وروّجت له إعلامياً على نطاق واسع.

اقرأ أيضاً: إيران وكورونا… وسلطة رجل الدين
إنّ الزيادة الهائلة في عدد الضحايا المعترف بهم؛ دفعت السلطات إلى تقديم موعد عطلات رأس السنة الإيرانية الجديدة أسبوعين، في 5 آذار (مارس) الجاري، ثم إغلاق موقعي قم ومشهد في 16 آذار (مارس) الجاري، وقد تمّت محاربة هذا القرار في نفس المساء من قبل المتظاهرين المتعصبين الذين وصلوا إلى الموقع بالقوة وتجمعوا فيه، وقاموا بتقبيل الأضرحة.

ثقب إيران الأسود
لم تبلغ الفجوة بين النظام ومزايدات متطرفيه من جهة، وبين السكان الساخطين بسبب إفلاس حكامهم من جهة أخرى؛ العمق السحيق الذي بلغته الآن، ويأتي هذا السخط الشعبي في سياق القمع الدموي للاحتجاجات في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، يليه تدمير الحرس الثوري لطائرة أوكرانية كان معظم ركابها إيرانيين في كانون الثاني (يناير) الماضي، حيث وصل الغضب العميق الذي تغذيه هاتان المآساتان بالفعل، إلى مستويات لا مثيل لها في مواجهة نظام متّهم بالعمى الإجرامي، على خلفية من الفساد المستوطن (موقعا قم ومشهد يؤويان مؤسسات كبيرة تابعة للنخبة الحاكمة). لذا؛ يميل خامنئي وأتباعه للهروب إلى الأمام قبل التصعيد الجديد مع الولايات المتحدة في العراق؛ لأنّ القضاء على سليماني في بداية العام مكّنهم من استعادة وحدة وطنية مذهلة، إلا أنّها مؤقتة.

في الوقت الذي علّقت فيه السعودية الحج إلى مكة والمدينة المنورة؛ اكتفت إيران بتعقيم موقع مشهد والترويج له إعلامياً

استأنفت الجمهورية الإسلامية، التي خرجت منتصرة من دورة مواجهتها السابقة مع الولايات المتحدة في العراق، أنشطتها العدائية في 11 آذار (مارس) الجاري؛ حيث قُتل أمريكيان وبريطاني في هجوم صاروخي على قاعدة عسكرية شمال بغداد، كما أسفرت الغارات التي شنتها واشنطن انتقاماً من الميليشيات الموالية لإيران، عن مقتل 6 عراقيين، على الأقل، بينهم 3 جنود وضابِط شرطة، مؤكدة الدعوات لانسحاب ما يقرب من الـ 5 آلاف جندي أمريكي ما زالوا موجودين في البلاد.

اقرأ أيضاً: إيران ترفض استقبال فريق "أطباء بلا حدود" والمنظمة تردّ
وقد فشلت طهران في جرّ الولايات المتحدة إلى دوامة دائمة، رغم طبيعة ضربة 11 آذار (مارس) القاتلة، والتي أعقبها إطلاق نار آخر على أهداف أمريكية؛ إذ فضّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المُصمّم على التوقّف عن الانخراط في الشرق الأوسط، الانتقام بتشديد العقوبات على إيران. وعلى الرغم من دعاية الجمهورية الإسلامية بأنّ هذه العقوبات هي السبب الرئيسي لضعف إيران أمام فيروس كورونا، إلّا أنّ هذه المناورة لم تعد كافية لاسترضاء وإخماد الانتقادات الشديدة من قبل السكان، إذ إنّ صدمة فيروس كورونا شديدة بالفعل على الجمهورية الإسلامية، ولن يظهر تأثيرها الكامل إلّا بعد التغلّب على الوباء، وحينها قد تكون لحظة الحقيقة رهيبة على النظام الإيراني.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
https://www.lemonde.fr/blog/filiu/2020/03/22/le-regime-iranien-survivra-...

للمشاركة:

هل ستقلب البشرية صفحة كورونا نحو مستقبل أفضل؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-29

نادية عويدات

قلب فيروس كورونا الدنيا رأسا على عقب وكشف نقاط الضعف الاقتصادية والسياسية والصحية وحتى الأيديولوجية للدول، فظهر إلى لعيان ما كان مضمرا وما كان خفيا.

تجني البشرية بأكملها في هذه اللحظات الحرجة نتائج استثماراتها خلال العقود السابقة سواء كانت حكيمة أم عقيمة. فمثلا، في السنوات الأخيرة فاقت استثمارات الصين في مجال البحوث العلمية ما تخصصه الدول الغربية، بما فيها الولايات المتحدة في هذا المجال. ربما نتيجة لذلك، أذهلت الصين العالم بقدرتها على بناء مستشفى حديث خلال عشرة أيام فقط لمعالجة مرضى كورونا بينما يرقد مرضى دول أوروبية مثل إسبانيا وإيطاليا على أراضي المستشفيات لقلة الأسرة والأجهزة الطبية. صحيح أن الصين لا تزال محط نقد عالمي بسبب أساليبها السلطوية إلا أن هذا لا ينفي الاعتراف بتمكنها الإداري.

استثمرت بلدان كثيرة في الآن نفسه، ومنها بلدان في منطقة الشرق الأوسط، مليارات الدولارات في صناعة الأسلحة، لكن هذا الاستثمار لم ولن يجدي نفعا أمام أخطار لا تراها العين المجردة، ولم يعهدها البشر منذ تفشي الطاعون في العصور الوسطى.

لقد أظهرت هذه الأزمة عبثية هذه السياسات خصوصا أن هذه الأسلحة، كما تشير دراسات كثيرة، يشكل المدنيون العزل نصيب الأسد من ضحاياها. لعل هذه الخلاصة دفعت بالأمين العالم للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى دعوة المشاركين في صراعات مسلحة حول العالم (وتشكل الدول الإسلامية خمسة وستين بالمئة منها) التوقف عن قتل بعضهم البعض ومواجهة عدو الإنسانية المشترك.

إن هذا التهديد العالمي لملايين البشر أظهر أيضا هشاشة، لا بل خطورة، بعض الأيديولوجيات والممارسات الدينية ليس فقط على المؤمنين بها بل على كل من قد يكون معرضا لخطرها حيث انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي دعاوى متعصبين لطوائف مختلفة تدعوا المؤمنين من تلك الطائفة إلى تحدي الفيروس المميت والاستمرار في التجمعات الدينية وكأن الفيروس سينحني احتراما لمعتقداتهم.

صور أحد هذه الفيديوهات راية دينية يتم تمريرها من مريض إلى مريض لتقبيلها لما فيها من صفات دينية من المعتقد أنها ستشفى المرضى الذين سارعوا لإظهار ولائهم بتقبيلها ولمسها في الوقت الذي سهل هذا انتشار الفيروس بالمستشفى الذي يرقدون به.

وفي مقطع آخر، أظهر شخصا يستهزئ بالفيروس أثناء قيامه بزيارة ضريح معين تحديا للتعليمات بل حث بقية المؤمنين على البقاء في تحدي لتوصيات السلامة العامة التي أوصت بها الدولة.

ولعلنا نعي جيدا أنه حيث يقطن هؤلاء ستعاني مجتمعاتهم من خسارات فادحة في الأرواح سواء آمنوا أم لم يؤمنوا بهذه المعتقدات والأيديولوجيات فمن خصوصيات هذا الفيروس الخبيث سرعته المذهلة على الانتشار، وعدم تميزه بين سني وشيعي ومسلم ومسيحي ويهودي أو متدين وملحد وبين صيني وأمريكي أو عربي.

لكن البشر بحاجة، في مقابل ذلك، إلى تقديس الحياة الإنسانية والحفاظ عليها بدل الاستهتار بها. فهل ستؤدي هذه الأزمة بعد تفاقمها إلى القضاء على كثير من هذه الممارسات اللاعلمية، ولو بعد حين؟ وهل ستدفع المؤمنين إلى تمحيص أكبر لمعتقداتهم وممارساتهم والتمييز بين العلمي والخرافي وحدود كل منهما؟

حتى داخل بلاد غنية مثل الولايات المتحدة، وهو بلد متقدم لا يوفر خدمات صحية مجانية لمواطنيه، سوف تهز هذه الأزمة أركانه بلا رجعة. وسوف تضعه أمام تحديات عدة منها الغلاء المذهل للخدمات الصحية وانعدام التأمين الصحي لملايين الأمريكيين، فماذا سيكون مصير كل هؤلاء؟ هل ستكون أميركا مجبرة على تغيير سياستها الرأسمالية وتتبع نهج بقية الدول الغربية بتوفير خدمات صحية مجانية؟ أم أنها ستتبع نظرية البقاء للأقوى وترك الضعفاء من مواطنيها لمواجهة مصيرهم وحدهم؟ أم أنها ستنتهج أسلوبا جديدا لا يمت لكل ما ذكرنا بصلة؟ فمثلا قرر الكونغرس تخصيص 2 تريليون دولار لامتصاص الكساد الاقتصادي فإلى أين سيوجه هذا الرقم الضخم بالضبط: إلى وول ستريت والبنوك والشركات الكبرى، أم الفقراء والمحرومين من التأمين الصحي المجاني؟

أبرزت هذه الأزمة العالمية أيضا مدى أهمية الاستثمار في العلم والتكنولوجيا، فقد أصبح المجال الافتراضي كما هو ملاحظ في ظل هذه الأزمة حاجة حياتية ملحة لتعليم أجيال لا بل ضرورة حتمية داخل نمط الحياة الجديد، ولعل من المفارقات الكبيرة في واقعنا اليوم أنه بينما يتوقف اقتصاد بلدان بأكملها عن العمل، تبحث شركات ضخمة مثل أمازون عن موظفين قادرين على العمل عن بعد في موقعها لتلبية الاحتياجات المتزايدة لمستخدمي الموقع.

إن هذا الفيروس الفتاك والذي يتوقع الكثير العلماء أنه لا يزال في بدايته، رغم أنه قد أصاب حوالي نصف مليون إنسان حتى الآن، وأدى إلى وفاة الآلاف خلال أسابيع قليلة، ولا يزال عداد الأرقام في تزايد يوما بعد آخر، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل ستؤدي هذه الخسارة الهائلة الى إيقاظ الإنسانية من سباتها كما فعلت الحرب العالمية الثانية في أوروبا؟

أودت الحرب بحياة عشرات الملايين من البشر آنذاك الأمر الذي حفز الدول الأوروبية للمشاركة في النزاع إلى خلق ترابط تجاري واجتماعي وسياسي بين أطراف النزاع حين ذاك بحيث يصبح الصراع المسلح بينها مستحيلا في المستقبل، وعلى ركام الحرب العالمية الثانية تشكل الاتحاد الأوروبي. كورونا يقدم للبشرية الآن فرصة جديدة لكي تراجع نفسها وتبني مستقبلا مختلفا تماما. فماذا ستختار البشرية؟

هنا أمام هذا الوباء، والذي يعتقد الكثير من الباحثين وخبراء الاوبئة أنه لن يكون الأخير، هل ستؤدي هذه الأزمة إلى توحد الأسرة الإنسانية أمام هذا الواقع؟ أم أنها ستتفنن في إظهار شراستها تجاه الشعوب الأقل حظا؟

أبرزت هذه الأزمة كذلك حقيقة ترابط البشرية بعضها ببعض، وأسقطت كذلك العديد من الفوارق الشكلية والوهمية بين الشعوب. ولهذا فالأفكار التي تحرض على فئة ضد أخرى قد أصبحت بلا معنى.
فقد أصبحت لاجئة سورية في مخيم اليوم شبيهة بوضع مواطنة أميركية بلا تأمين صحي وغير قادرة على توفير العلاج لنفسها أو لعائلتها. كلتاهما ضحية لسياسات لا إنسانية سواء كانت سياسات داخلية أو خارجية. فهل سيحتكر من يملكون المال والسلطة والموارد لحماية أنفسهم ويتركون بقية البشر للهلاك أم أننا سنشهد صحوات للضمير الجماعي عند الشعوب والأمم؟

ولعلنا سنعاود السؤال المقلق: يا ترى ماذا ستختار البشرية؟

عن "الحرة"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية