انقسام إخواني في الموقف تجاه إيران... التنظيم السوري يتبرأ من جبهة لندن

انقسام إخواني في الموقف تجاه إيران... التنظيم السوري يتبرأ من جبهة لندن

انقسام إخواني في الموقف تجاه إيران... التنظيم السوري يتبرأ من جبهة لندن


23/06/2025

في تطور لافت يعكس عمق الخلافات الداخلية بين أذرع جماعة الإخوان المسلمين، أصدرت الجماعة في سوريا بياناً رسمياً، تعلن فيه براءتها من موقف التنظيم الدولي الذي أعلن دعمه الكامل لإيران في مواجهتها مع إسرائيل. 

البيان السوري، الذي جاء رداً على رسالة وجهها الدكتور صلاح عبد الحق، القائم بأعمال المرشد العام للإخوان، إلى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، كشف عن تصدع واضح في رؤية الجماعة تجاه القضايا الإقليمية، وأعاد إلى الواجهة تساؤلات حول تماسك التنظيم وتوجهاته السياسية في الوقت الراهن.

رسالة إلى خامنئي

في رسالة نُشرت عبر حساب الإخوان المسلمين الرسمي على منصة (إكس)، وجّه صلاح عبد الحق خطاباً إلى خامنئي، أكد فيه دعم الجماعة لإيران في مواجهة ما وصفه بـ "العدوان الإسرائيلي الغاشم". الرسالة، التي حملت طابعاً حماسياً ودينياً، ربطت بين الهجمات الإسرائيلية على إيران والصراع الفلسطيني/الإسرائيلي، معتبرة أنّ إسرائيل تسعى لإضعاف "مراكز القوة" في المنطقة، بما في ذلك إيران وجماعة الإخوان المسلمين، بدعم من الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية. 

الرسالة شددت على مفهوم "وحدة الأمّة الإسلامية" كسلاح أساسي لمواجهة "الكيان الصهيوني"، داعية إلى تجاوز الخلافات الداخلية التي أضعفت الأمّة في الأعوام الماضية. واستحضرت الرسالة تراث الإمام حسن البنا، مؤسس الجماعة، في دعوته إلى التقريب بين وجهات النظر الإسلامية، مؤكدة أنّ الإخوان يسعون لتوحيد الجهود الإسلامية تحت رؤية استراتيجية شاملة.

وجّه صلاح عبد الحق خطاباً إلى خامنئي، أكد فيه دعم الجماعة لإيران في مواجهة ما وصفه بـ "العدوان الإسرائيلي الغاشم". الرسالة، التي حملت طابعاً حماسياً ودينياً، ربطت بين الهجمات الإسرائيلية على إيران والصراع الفلسطيني/الإسرائيلي

هذا الموقف، الذي بدا كأنّه محاولة لاستعادة دور سياسي بارز للتنظيم الدولي في ظل التحولات الإقليمية، أثار ردود فعل متباينة، خاصة في ضوء التوترات التاريخية بين الإخوان وإيران، التي لطالما اتُهمت من قبل فرقاء إسلاميين وسياسيين بدعم أجندات طائفية في المنطقة.

براءة من "القتلة والمجرمين"

في المقابل، سارعت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا إلى إصدار بيان قاطع يرفض موقف التنظيم الدولي، معلنة براءتها من أيّ بيان يصدر باسم الجماعة وينحاز إلى إيران. البيان السوري، الذي صيغ بلغة حادة ومشحونة، وصف إيران ونظامها بـ "القتلة والمجرمين"، متهماً إيّاها بتدمير العراق والشام واليمن، وتهجير الملايين من العرب والمسلمين. 

البيان أكد أنّ موقف الإخوان السوريين من إيران وإسرائيل واحد، معتبراً أنّ الطرفين يتصارعان على النفوذ والهيمنة في المنطقة، على حساب الشعوب العربية والإسلامية. وفي إشارة واضحة إلى تجربة الشعب السوري مع نظام الأسد المدعوم إيرانياً، شدد البيان على أنّ الجماعة لن تقع في فخ "المجرم الماكر"، في إشارة إلى إيران، ولن تنحاز إلى أيّ طرف يسعى لتشويه الإسلام أو المتاجرة به.

البيان السوري لم يكتفِ بالرفض، بل زعم أنّ الجماعة تنتهج سياقاً وطنياً بحتاً، بداعي أنّ "البوصلة الوطنية" هي المحدد الوحيد لتحركات الإخوان في سوريا، خاصة بعد "النصر المبين" الذي تحقق بسقوط نظام الأسد، بحسب البيان.

 كما دعا البيان إلى مشروع حضاري إسلامي يركز على تحرير الشعوب من الهيمنة الأجنبية، سواء كانت إسرائيلية أو إيرانية، رافضاً أيّ شكل من أشكال التبعية لـ "الأدعياء والمجرمين".

صراع الهوية والأولويات

هذا الخلاف العلني بين الإخوان في سوريا، وبين التنظيم الدولي المتمثل فيما يُعرف بـ "جبهة لندن"، يعكس انقساماً عميقاً في رؤية الجماعة تجاه القضايا الإقليمية. ففي حين يسعى التنظيم الدولي إلى استثمار الصراع الإيراني-الإسرائيلي لتعزيز حضوره كقوة إسلامية موحدة، يبدو أنّ الإخوان السوريين يرفضون التعاطي مع الوجود الإقليمي القوي لطهران، بداعي أنّ الجماعة شهدت عقوداً من القمع المدعوم إيرانياً عبر نظام الأسد.

تاريخياً، كانت العلاقة بين الإخوان السوريين وإيران متوترة. فقد رفضت الجماعة في مناسبات سابقة عروضاً إيرانية للحوار، كما أنّها واجهت نظام الأسد المتحالف مع إيران، هذه الخلفية التاريخية تجعل موقف الإخوان السوريين منغلقاً على تجربتهم المحلية، حيث يرون في إيران طرفاً مسؤولاً عن معاناة الشعب السوري، لا حليفاً محتملاً ضد إسرائيل. بل ربما تكون المسافات البينية بين الجماعة السورية وإسرائيل أقرب.

الإخوان في سوريا، الذين يحاولون اللحاق بلحظة انتصار تاريخي بسقوط الأسد، وينكرون تهميش نظام أحمد الشرع لهم، يرون أنّ أولويتهم هي العمل بعيداً عن تبعات الانخراط في أيّ صراع مع إسرائيل.

من ناحية أخرى، يعكس موقف التنظيم الدولي محاولة لاستعادة مكانة الإخوان كلاعب إقليمي، في ظل تراجع نفوذهم في العديد من الدول العربية. لكنّ هذا الموقف يثير تساؤلات حول مدى واقعيته، خاصة في ظل التوترات الطائفية التي غذتها إيران في المنطقة، والتي تجعل أيّ تقارب معها مثار جدل داخل الأوساط الإسلامية السنّية.

هذا الانقسام يضع الإخوان المسلمين أمام تحدٍّ وجودي: فهل يمكن للجماعة الحفاظ على تماسكها التنظيمي في ظل هذه الخلافات العميقة؟ وهل ستتمكن من صياغة رؤية موحدة تجمع بين طموحاتها الإقليمية وأولويات فروعها الوطنية؟

الخلاف الحالي بين الإخوان السوريين و"جبهة لندن" ليس مجرد اختلاف في المواقف السياسية، بل هو تعبير عن صراع أعمق حول هوية الجماعة ودورها في المرحلة القادمة. الإخوان في سوريا، الذين يحاولون اللحاق بلحظة انتصار تاريخي بسقوط الأسد، وينكرون تهميش نظام أحمد الشرع لهم، يرون أنّ أولويتهم هي العمل بعيداً عن تبعات الانخراط في أيّ صراع مع إسرائيل. في المقابل، يبدو التنظيم الدولي مصرّاً على لعب دور إقليمي أوسع، حتى لو تطلب ذلك تقارباً مع إيران.

هل سينجح الإخوان في تجاوز هذا الانقسام عبر حوار داخلي يعيد توحيد صفوفهم، أم أنّ هذا الخلاف سيمهد لمزيد من التشرذم؟ الإجابة ستتوقف على قدرة الجماعة على التوفيق بين طموحاتها العالمية وواقعها المحلي، في ظل منطقة تعيش صراعات معقدة لم تعد تقبل الحلول السهلة.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية