هل سواد البشرة مرادف للقبح وبياضها معادل للجمال؟!

1411
عدد القراءات

2018-07-02

ثار سجالٌ واسع في الآونة الأخيرة حول الحادث العنصري الذي تعرّض له طفل سوداني مقيم في لبنان، بسبب رفض مديرة إحدى دور الحضانة في منطقة كسروان (جبل لبنان) قبول الطفل مسوّغة موقفها بأنّ بعض ذوي الأطفال الموجودين في الحضانة اعترضوا على قبوله؛ بعد تهديد بعض الأمهات بسحب أطفالهن من المؤسسة في حال تم قبول الطفل صاحب البشرة السوداء.

وقد قام والد الطفل بتسجيل ابنه في حضانة أخرى بعد الحادثة العنصرية. ووصف ناشطون الخطوة بالعنصرية والمقززة، مؤكدين أنها لا تمت بصلة لأي علاقات إنسانية بين البشر ولا بعادات اللبنانيين وأخلاقهم.

حين تتفاقم مشاعر الضيق باللون وتأخذ مدى سلبياً يستحيل البعد الجمالي عنصرياً إذ يتضمن المفاضلة والتصنيف

وطالب منتقدو القرار بمحاسبة إدارة المؤسسة وعدم السكوت عن التجاوزات المستمرة التي يتعرض لها لاجئون في لبنان. والمؤكد أن هذا السلوك العنصري المؤسف والذي يتنافى مع كل تعاليم الديانات والقيم الإنسانية والقوانين الدولية وحقوق الطفل في التعليم، ليس خاصاً بلبنان؛ بل نجد حالات متفرقة تشبهه في أكثر دول الإقليم، ما يسمح، ربما، بالحديث عن ظاهرة ثقافية واجتماعية تتعلق بموضوع العنصرية والنظرة السلبية لدى بعضنا حيال السود، وربما لا تستثنى دولة عربية من مثل هذه الحالات المؤسفة.

اقرأ أيضاً: الحب ينتصر على لون البشرة في "حارة السمران" بغزة

ذات يوم، أغراني الفضول شخصياً، وأنا أقلّب موجات الراديو في السيارة، بمتابعة برنامجٍ لتفسير الأحلام تقدمه إذاعة للقرآن الكريم، تبثّ من دولة خليجية. يقدّم السائل ملخصاً لحلم رآه ويقوم الشيخ الداعية بتفسيره. جاء سؤال سيدة على الجانب الآخر من الهاتف كالآتي: رأيت في منامي زوجي وهو يقبّل فتاة، فاستيقظت منزعجة حزينة، ما يكون تفسير هذا الحلم؟ ردّ الشيخ مازحاً: "ربما استيقظتِ منزعجة لأنه قبّل فتاة جميلة، ولو كانت سوداء لما أزعجكِ الأمر"! والحقيقة أنني صُدِمتُ من إجابة الشيخ، فكرّتْ سُبحةُ الأسئلة في ذهني تترى: هل سواد البشرة مرادف للقُبح وبياضها معادل للجمال؟ هل تنطوي الإجابة عن مكنونات لا وعية تخفي ميلاً عنصرياً تجاه البشرة السوداء، والحد الأدنى من هذا الميل هو الجانب الجماليّ؟ أليس من حق المرأة السوداء/السمراء أن تشعر بأنوثتها، وتمارس غيرتها ودلالها مثل كل النساء وعلى قدم المساواة؟ لم تطفئ كل الأسئلة غضبي، فطرحتُ الأمر على صديق لي من السودان، فسألته ممهداً: ألا يتضايق أهل السودان من الأفلام المصرية القديمة التي تُظهر السوداني شخصاً ساذجاً ليس مكانه سوى أن يكون بوّاباً عادة؟ فأجابني:

سيكون لطيفاً أنْ يبادر المختصون في علم اللسانيات إلى دراسة مدى تحيز العربية وغيرها من اللغات ضد اللون الأسود

لا ينظر السودانيون إلى هؤلاء بصفتهم سودانيين، إنهم نوبيون مصريون (من منطقة النوبة على الحدود بين مصر والسودان). واستطرد: فتجارب هجرة السودانيين إلى الخارج للدراسة والعمل في الغرب وفي دول عربية، أعادت إليهم الشعور بأنهم مختلفون عن العرب بلونهم الأسود، فكان إشارة الغربي للسوداني، أحياناً، بأنه «زنجي»، وحصر بعض العرب النظر اليه وتمييزه بلونه، تعزيزاً لمشاعر جديدة على السوداني نفسه، الذي بدأ، تحت وطأة ردود الفعل هذه، إعادة النظر في هويته، حيث بعدما كان إصراره جارفاً بأنه عربي وليس أفريقياً، صار يبحث عن جذوره الأفريقية، تحت ضغط الشعور بـ «اللاجمال» والاختلاف في الشكل، وفق مقاييس الغير. فكان البحث في الجذور الأفريقية تعويضاً بدرجة ما، عن الإحساس بأنّ الانتساب إلى العروبة ربما، برأي صديقي، يحتاج إلى اللون قبل اللسان والثقافة! وحين تتفاقم مشاعر الضيق باللون وتأخذ مدى سلبياً أكثر اتساعاً، يستحيل «البعد الجمالي» بعداً عنصرياً، يتضمن المفاضلة والتصنيف والتراتبية.

اقرأ أيضاً: اللغة العربية "السوداء"!

أزعم أنّ التساؤل عما إذا كانت ثقافتنا العربية (وغيرها من الثقافات) تنطوي على بذور تمييز ضد الملونين قد يكون (التساؤل) مشروعاً ويستحق النظر.

فليس في الأدب والشعر العربي، في حدود ما أعلم، تقدير لسواد البشرة، ومن الأمثلة النادرة في مدح البشرة السوداء، قول الشاعر:

"الناسُ تعشقُ مَنْ في خَدّهِ خالٌ

فكيفَ بي وحبيبي كلّه خالُ".

وفي مستوى آخر، كان الشاعر المخضرم سحيم عبد بني الحسحاس يقول:

"إنْ كنت عبداً فنفسي حرة كرما

أو أسود اللون إني أبيضُ الخلق".

وثمة أدبيات غير عربية تُمجّد السواد، مثل قول الشاعر السنغالي ليوبولد سيدار سنغور: "أنت أسود، إذاً أنت جميل".

وربما يكون مبحثاً لطيفاً أنْ يبادر المختصون في علم اللسانيات إلى دراسة مدى تحيز اللغة العربية وغيرها من اللغات ضد اللون الأسود: فالفتن سوداء والجحيم سوداء، وندعو على الشخص بسواد الوجه وندعو له ببياضه، والأسود لون حزن وحداد، والسوداوية نقيض التفاؤل، والكوميديا/ السخرية السوداء تستجلب الرثاء أكثر من الفرح. وفي معنى محايد نرمز إلى الغالبية بـ "السواد الأعظم" (لماذا ليس البياض الأعظم؟).

في الحضارة المصرية القديمة يُعدّ اللون الأسود رمزاً للبعث والحياة الخالدة أي أنّ للعوامل الاجتماعية تأثيرها في اختلاف معاني الألوان

وفي الحديث النبوي يقول النبي -صلّى الله عليه وسلم-: "سوداء ولودٌ خيرٌ من حسناء لا تلد"، أخرجه الطبراني وابن حبان والعقيلي وابن عساكر. في المقابل، كساء الكعبة أسود والحجر الأسود محاط بالقداسة والهيبة. والأسود في الموضة ملك الألوان وصِنو الرسمية والأناقة، وفي الحضارة المصرية القديمة يُعدّ اللون الأسود رمزاً للبعث والحياة الخالدة، ما يعني أنّ للعوامل الاجتماعية والثقافية (والأسطورية) تأثيرها في تحديد أو اختلاف معاني الألوان ودلالاتها، ويمكن البناء على ذلك، وتوظيف المجاز والرمزية في تفسير معنى السواد، في النصوص الدينية بخاصة، لمنع أي التباسات في حقها، قد تشكّل بنية تحتية لا واعية تفسّر سلوك البعض السلبي أو آراءهم إزاء أصحاب البشرة السوداء.

اقرأ أيضاً: لماذا قاطع نجوم عالميون شركة ""H & M السويدية؟

بلا شك إنّ القوانين الرادعة لأي سلوك عنصري خطوة أساسية في العلاج، لكن العلاج الثقافي هو الأجدى، على المستوى البعيد، وهو جزء من منظومة تعزيز الاعتدال، ومن الجوهري أن تركّز مناهج التعليم ومؤسسات التنشئة ووسائل الإعلام والمنابر الفنية والدينية في البلدان العربية على فكرة أنّ الحياة في عمقها هي احتفاء باختلاف الألوان والفصول والأسماء والرؤى والأحلام، وبأنّ جذوتها تذبل  حين لا ندرك ذلك...فتلفّنا بالبياض الأبدي والفوات الحضاري!

اقرأ المزيد...

الوسوم: