هل انتهت "ثورة التغيير" في إثيوبيا وبدأ حكم الفرد؟

هل انتهت "ثورة التغيير" في إثيوبيا وبدأ حكم الفرد؟

مشاهدة

19/07/2020

شهدت إثيوبيا أحداثاً سياسية واجتماعية عنيفة، بداية الشهر الجاري، إثر اغتيال الفنان الأورومي المشهور، هتشالوا هونديسا، الذي قتل من قبل مسلحين، في الثلاثين من شهر حزيران (يونيو) الماضي، ما خلّف حوالي 200 من القتلى وآلاف الجرحى، في مواجهات بين الشرطة والمتظاهرين من نشطاء الحراك الأورومي، فيما سعت إدارة رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، إلى إيقاف حوالي ألف من المتهمين بالتورط في أعمال العنف، والناشطين البارزين، من بينهم السياسي جوهر محمد، قائد ثورة الشباب الأورومي التي قادت آبي إلى الحكم، فضلاً عن السياسي بكيلي جربا، وغيرهما.

المخرج لإثيوبيا هو تشكيل حكومة مصالحة ووفاق وطني، حتى لا تنحدر البلاد أكثر نحو العنف والعنف المضاد، وتجاوز الحالة القائمة مرهون بتفعيل دور القضاء، وتشكيل تحالف أوسع للقوى السياسية

فهل انتهت ثورة التغيير في إثيوبيا من خلال اعتقال رموزها، أم إنّها تبدأ للتو؟ وهل تمثّل الانتفاضة الشعبية الحالية موجة جديدة من الحراك الأورومي؟

يرى السياسي الإثيوبي وعضو الائتلاف الفيدرالي، لدتوا أيالي؛ أنّ الأزمة الحالية هي "نتاج الغموض الذي يكتنف إدارة المرحلة الانتقالية؛ حيث عجزت إدارة آبي أحمد عن مجابهة التحديات الداخلية، المتمثلة في الشراكة السياسية الواسعة، مع كافة الأحزاب السياسية الفاعلة، والطامحة إلى التحول الديمقراطي".

اقرأ أيضاً: تأكيد ثم نفي ثم اعتذار... كيف تضاربت تصريحات إثيوبيا حول "سد النهضة"؟

 ويضيف لدتوا في إفادته لـ "حفريات": بأنّ "النظام الحالي، الذي أتى إلى السلطة بوعود التغيير، لم يحقق على المستوى الميداني أياً من الشروط اللازمة لإحداث انتقال ديمقراطي حقيقي، بل مضى في ترسيخ حكم الفرد، لا سيما بعد الشعبية التي حظي بها آبي أحمد في بدايات وصوله للسلطة، وإطلاق سراح عدد كبير من المعتقلين السياسيين، ودعوة المعارضين للعودة إلى بلادهم، فضلاً عن حصوله على جائزة نوبل للسلام".

 ويوضح لدتوا لـ "حفريات"؛ أنّ "آبي أحمد، بدلاً من أن يستثمر الشعبية الداخلية والسمعة الدولية التي حصل عليها، من أجل بناء نظام ديمقراطي، سعى إلى الانفراد بالحكم، والتحول إلى نظام مركزي أحادي، ما حرّك ضدّه الناشطين والأحزاب السياسية التي دفعت أثماناً باهظة، لتحقيق الديمقراطية الفيدرالية لأكثر من ثلاثة عقود".

حراك التغيير لم ينته... ولكن

لا يرى لدتوا أنّ حراك التغيير قد انتهى كلياً، لكنّه يواجه، بحسب رأيه، "جملة من التحديات الصعبة"، ويضيف: "نحن نؤمن بالنضال السلمي، من أجل إحداث التغيير، والمظاهرات الأخيرة التي قامت إثر اغتيال هتشالوا، وإن بدت عنيفة وذات طابع أثني، فإنّها جزء من موروث النظام القديم الجديد"، وانتقد لدتوا "الاعتقالات التعسفية التي تعرض لها السياسيون والناشطون"، مؤكداً أنّ "هناك انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، وقعت خلال هذه الاعتقالات السياسية، وهي اعتقالات في الأغلب كيدية، وذات طابع انتقامي من الخصوم السياسيين". ويشير لدتوا إلى أنّ "معظم الاعتقالات تمت خارج نطاق القانون، فعوض أن توقف الشرطة الفيدرالية المطلوبين للعدالة، قامت قوات الحرس الجمهوري بحملة الإيقافات غير المبررة، التي بلغت، خلال يومين، أكثر من ألف موقوف".

اقرأ أيضاً:وزير الريّ المصري الأسبق لـ "حفريات": كارثة إذا أجبرتنا إثيوبيا على شراء المياه

ويخلص لدتوا إلى القول: "لا يمكن النظر إلى ما حدث عقب اغتيال الفنان المشهور، بمعزل عن الوضع السياسي العام، الذي غيّب الأحزاب، والتشاور السياسي مع النخب الإثيوبية الفاعلة"، كما أنّ النظام السابق، واللاحق، قد اشتركا في إيجاد الأرضية المناسبة "لتشكيل ميليشيات مسلحة تعمل خارج نطاق القانون، فيما تُعرف بالقوات الخاصة للأقاليم الفيدرالية".

ويؤكد لدتوا: "على جهاز القضاء الإسراع بالنظر في ملفات الموقوفين، وإطلاق سراح من يثبت عدم تورطهم في الأحداث الأخيرة، وعلى إدارة آبي أن تعود للأحزاب السياسية والنخب الأكاديمية والسياسية في سبيل إطلاق حوار وطني شامل، يقود نحو مصالحة حقيقية، وانتقال ديمقراطي، من خلال تشكيل حكومة مصالحة ووفاق وطني، حتى لا تنحدر البلاد أكثر نحو العنف والعنف المضاد".

ويتوقع لدتوا أنّه في حال "عدم استجابة إدارة آبي أحمد لمطالب الحوار والمصالحة الوطنية، فإنّ الحراك القادم قد لا يكون سلمياً، وينذر بتعريض وحدة البلاد للخطر"!

التغييرات الرأسية عقبة أمام التحول الديمقراطي

من جهتها، ترى الناشطة الإثيوبية شكيرا آدم؛ أنّ "المشكلة الجوهرية التي واجهت إثيوبيا بعد ثورة الشباب تتمثل في أنّ "التغيير أخذ طابعاً  رأسياً، من خلال تغيير رئيس الوزراء السابق، ديسالين، بـ آبي أحمد، دون أن يساهم ذلك في إحداث تغييرات أفقية، على مستوى الذهنية المستوعبة لمتطلبات التحول الديمقراطي، ما أدّى إلى حدوث اختلالات اجتماعية واضطرابات سياسية"،  تضيف شاكيرا، في إفادتها لـ "حفريات": "إدارة آبي أحمد أحدثت بعض التغييرات الطفيفة في بداية تقلده للسلطة، إلّا أنّها لم تجابه الإشكالية الجوهرية، ولم تسعَ إلى تحقيق تحولات جذرية، وهناك من يستغل تلك التحديات، ليخلق عوائق مصطنعة أمام التغيير؛ لأنّ مصلحته ترتبط بتخلّف المجتمع وفساد بعض رموز الدولة" .

اقرأ أيضاً:هل بدأت إثيوبيا بملء سد النهضة؟ ماذا سيكون رد مصر والسودان؟

وتؤكد شاكيرا "أن أشكال الصراع القائم والانتهاكات والعنف انعكست جميعها سلباً على مسيرة التغيير، وبدت البلاد تنحدر نحو الفوضى".

إدارة آبي أحمد أحدثت بعض التغييرات الطفيفة في بداية تقلده للسلطة، إلّا أنّها لم تجابه الإشكالية الجوهرية

وتوضح شاكيرا أنّ "وصول المعارضة إلى السلطة لا يعني تغييراً بالضرورة، بل قد يكون مقدمة لتفكّك الدولة"، وتستطرد "حتى الانتخابات ليست الباب الوحيد لإحداث التغييرات الضرورية والمطلوبة لتحقيق التحول الديمقراطي، فنحن في حاجة إلى تفكير إستراتيجي مختلف، يدفعنا للبحث عن الحلقة المفقودة: لماذا ندور في الفلك ذاته ونرتكب الأخطاء نفسها؟!"، مضيفة: "على الثوار أن يعوا جيداً متطلبات هذه المرحلة".

وفي إجابتها عن سؤال "حفريات" حول الخطوات المطلوبة لإحداث تغيير جذري وسلس، ترى شاكيرا أنّ "الأولويات تتطلب إطلاق حوار وطني شامل، والذهاب بعيداً في تجديد الطبقة السياسية، وسدّ الباب أمام عودة المفسدين، حتى لا تنزلق البلاد مرة أخرى إلى زمن الأنظمة المستبدة"، وتزعم أنّ "هناك مخططات دولية وإقليمية لاستغلال الأحداث السياسية الأخيرة".

  آبي يراهن على أنياب القضاء!

من جهته، يرى المحلل السياسي، إبراهيم إدريس؛ أنّ هناك تغييرات كبيرة حدثت في الشارع السياسي الإثيوبي، بقيادة منظمة شباب القيرو، والحركات المسلحة، ووجوه أكاديمية في الجامعات، وأطراف متعددة، من ممثلي المجتمع المدني والتيارات القومية، التي كان من نتائجها اتّساع مناخ الحريات، التي شملت: إطلاق سراح المعتقلين، وتوسيع حرية الصحافة، وإعادة سلطة القضاء، وحرية العمل السياسي والحزبي".

السياسي الإثيوبي وعضو الائتلاف الفيدرالي، لدتوا أيالي لـ "حفريات": النظام الإثيوبي الحالي، لم يحقق أياً من الشروط اللازمة لإحداث انتقال ديمقراطي حقيقي، بل مضى في ترسيخ حكم الفرد

ويؤكّد إدريس لـ "حفريات"؛ أنّ "تيار التغيير في السلطة الحالية سيمضي قدماً في الفترة القادمة، لمعالجة الأحداث الأخيرة، من خلال الاعتماد على المؤسسات القضائية، وهذا ما ثبت فعلياً الآن؛ حيث تمّ اعتقال قيادات مهمة، كانت من ضمن حركة التغيير السياسي، ومن قوميات تمثل الأغلبية في المجتمع الإثيوبي، بتهم تتعلق بإثارة العنف، وبثّ النعرات العرقية"، ويضيف: "أتصوّر أن يستمر آبي أحمد في تطبيق فكرة الإصلاح، من خلال تفعيل أنياب السلطة القضائية، وهو رهان فشل في تطبيقه النظام السابق".

اقرأ أيضاً:إثيوبيا تشن هجوماً جوياً على حركة الشباب الصومالية

وفي إجابته عن سؤال يتعلق بكيفية تجاوز الأزمة السياسية الراهنة، لا سيما في ظلّ اعتقال مئات الناشطين والسياسيين، يقول إدريس: "إنّ تجاوز الحالة السياسية الحالية، مرهون بتفعيل دور القضاء، والعمل بجدية، من خلال تشكيل تحالف أوسع للقوى السياسية، ومؤسسات المجتمع المدني، والذهاب نحو إنجاز الانتخابات، وإلا فإنّ مسيرة التغيير قد تقع في عنق زجاجة الفوضى والردة عن مشروع التحوّل الديمقراطي".

الصفحة الرئيسية