من الرهان على الإسلام السياسي إلى تفكيكه: هل انتهى "العقد غير المكتوب" بين واشنطن والإخوان؟

من الرهان على الإسلام السياسي إلى تفكيكه: هل انتهى "العقد غير المكتوب" بين واشنطن والإخوان؟

من الرهان على الإسلام السياسي إلى تفكيكه: هل انتهى "العقد غير المكتوب" بين واشنطن والإخوان؟


21/01/2026

لم يكن قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في كانون الثاني (يناير) الجاري، بحظر ثلاثة فروع محددة من جماعة الإخوان المسلمين، مجرّد تصعيد سياسي عابر أو خطوة رمزية، بل يشير إلى انفراج استراتيجي في السياسة الأمريكية تجاه التنظيمات الإسلامية العابرة للحدود. 

لقد سُمِّيت الفروع في "مصر والأردن ولبنان" منظمات إرهابية، في أول تصنيف من نوعه يطال تنظيماً إسلامياً تاريخياً بنطاق عريض بعد عقود من استخدام الولايات المتحدة له كجزء من "خارطة الإسلام السياسي" في المنطقة.

الخطوة تُحوِّل الملف من صيغة سياسية رمزية إلى صيغة قانونية، أمنية واقعية، تحدد قواعد جديدة للتعامل مع شبكات لها امتدادات اجتماعية وسياسية واقتصادية واسعة. في هذا التقرير نحاول قراءة ما يعنيه هذا القرار، لماذا ظهر الآن، وكيف يضع نهاية لعقد غير مكتوب بين واشنطن وجماعة الإخوان، وتحول النظرة إليها من شريك محتمل إلى تهديد قابل للمعالجة القانونية؟

عقد غير مكتوب… نشأ بعد 11 أيلول (سبتمبر)

في العقود التي تلت هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 اجتهدت أجهزة السياسة الخارجية الأمريكية في تطوير أدوات للتعامل مع الإسلام السياسي كجزء من "الديمقراطية المنتجة" في المنطقة، لا كعدو صريح. في هذا السياق تم التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها فصيلاً قادراً على أن يكون وسيطاً بين الدولة والمجتمعات الإسلامية، خصوصاً عندما لعبت دوراً سياسياً في بعض بلدان المشرق، أو كانت فاعلًا في المجتمعات المسلمة المهاجرة داخل أوروبا والولايات المتحدة. هذه النظرة لم تأتِ من فراغ، بل من رؤى تفترض أنّ احتواء التيارات الإسلامية المعتدلة يمكن أن يُسهم في استقرار أوسع للمنطقة ومنع التطرف العنيف.

سُمِّيت الفروع في "مصر والأردن ولبنان" منظمات إرهابية، في أول تصنيف من نوعه يطال تنظيماً إسلامياً تاريخياً بنطاق عريض بعد عقود من استخدام الولايات المتحدة له كجزء من "خارطة الإسلام السياسي" في المنطقة.

إلا أنّ هذا الرهان بدأ يتصدّع منذ عدة سنوات، بدخول الإخوان في حلقات عنف وعدم استقرار في بعض السياقات الإقليمية، وتراكم علاقات مالية وسياسية أثارت الشكوك داخل الدوائر الأمريكية المعنية بالأمن والمال.

تصنيف ثلاثة فروع... تحول قانوني وأمني

في 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 أصدر ترامب أمراً تنفيذياً يُلزم وزارة الخارجية ووزارة الخزانة بتقديم تقرير خلال 30 يوماً يوصي بتصنيف بعض فروع جماعة الإخوان منظمات إرهابية أجنبية أو كـ "إرهابيين عالميين مصنفين بشكل خاص" (Specially Designated Global Terrorists)، استناداً إلى قوانين الهجرة والجنسية والقوانين الاقتصادية الطارئة.

بموجب هذا السياق، في 13 كانون الثاني (يناير) أعلنت الولايات المتحدة رسميّاً تصنيف ثلاثة فروع من الإخوان المسلمين فروعاً إرهابية. وتم تصنيف الفرع اللبناني، المعروف باسم "الجماعة الإسلامية"، منظمة إرهابية أجنبية من قبل وزارة الخارجية، بينما وُضع فرع الإخوان في كلٍّ من الأردن ومصر ضمن لائحة "الإرهابيين العالميين المصنفين بشكل خاص" من قبل وزارة الخزانة، وهو تصنيف غالباً ما يُستخدم لوضع قيود مالية وعقوبات على الأفراد والكيانات والموارد المالية.

أصدر ترامب أمراً تنفيذياً يُلزم وزارة الخارجية ووزارة الخزانة بتقديم تقرير خلال 30 يوماً يوصي بتصنيف بعض فروع جماعة الإخوان منظمات إرهابية أجنبية أو كـ "إرهابيين عالميين مصنفين بشكل خاص".

هذا التحوّل في المعالجة يدلّ على أنّ الإدارة لم تعد تتعامل مع الإخوان كفصيل سياسي يمكن التفاوض معه، بل كشبكات تزعم أنّها مرتبطة بأنشطة عنيفة، أو تدعم فصائل مثل حماس في المنطقة، وهو ما ذُكر صراحة في نص الأمر التنفيذي بأنّ هذه الفروع تشارك أو تُسهم فيما تعتبره واشنطن "عنفاً أو حملات زعزعة استقرار".

منطق جديد… العقوبات قبل السياسة

تصنيف الفروع بهذه الصورة يحمل تأكيداً على أنّ واشنطن الآن ترى أنّ إدارة الإسلام السياسي لا يمكن أن تكون مجرد أداة دبلوماسية، بل يجب أن تُعالَج عبر الأدوات القانونية والأمنية، بفرض العقوبات وتقييد الموارد المالية، وأنّ القرار يستهدف تجفيف المصادر التي قد يتم استخدامها لدعم أيّ أنشطة تراها واشنطن غير متوافقة مع مصالحها.

في 13 كانون الثاني (يناير) أعلنت الولايات المتحدة رسميّاً تصنيف ثلاثة فروع من الإخوان المسلمين فروعاً إرهابية. وتم تصنيف الفرع اللبناني، المعروف باسم "الجماعة الإسلامية"، منظمة إرهابية أجنبية من قبل وزارة الخارجية.

وفي هذا الإطار فإنّ القرار لا يكتفي بالبُعد الأمني فحسب، بل يفتح الباب لمسارات أكبر في السياسة الداخلية الأمريكية، إذ إنّ تصنيفاً كهذا قد يجد انعكاسات في قضايا الهجرة واللجوء والتأشيرات، ليس فقط في الولايات المتحدة بل في دول غربية أخرى تتعامل مع مصطلحات الإرهاب على نحو مماثل، وهو ما يشير إليه بعض الخبراء الأمريكيين الذين يرون أنّ هذا القرار قد يغير قواعد التعامل مع طلبات اللجوء أو إقامة الأفراد المرتبطين بهذه الفروع.

نهاية التسامح… وتحوّل التصنيف إلى أداة ضغط

الخطوة الأمريكية ليست منعزلة عن تحولات أكبر في بعض الولايات داخل البلاد؛ فقد شهد عام 2025 قرارات على مستوى حكومات ولايات مثل تكساس وفلوريدا بتصنيف مجموعات محسوبة على الإخوان أو مرتبطة بهم ضمن قوائم إرهابية على مستوى الولاية، رغم أنّ التصنيف الاتحادي هو فقط الذي يمتلك سلطة تطبيق العقوبات الفيدرالية.

وهذا يُظهر أنّ الرؤية تجاه الإخوان لم تعد مجرد ملف أمني خارجي، بل أصبحت جزءاً من نقاشات أكبر حول الإسلام السياسي ومستقبل علاقاته مع المجتمع الأمريكي والإطار القانوني الداخلي.

انعكاسات على السياسة الخارجية والتحالفات

التصنيف الأمريكي لفروع جماعة الإخوان يحمل أيضاً دلالات إقليمية ودولية. التقدير الأمريكي في القرار يرتبط بأحداث مثل الحرب في غزة بعد 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، وتعاون بعض الفصائل التي ترتبط إيديولوجيّاً ببعض فروع الإخوان أو تعمل ضمن تحالفات مع كيانات مثل حماس أو حزب الله.

هذا الأمر خلق توافقاً مع بعض حلفاء واشنطن في المنطقة، مثل مصر والإمارات، اللتين رحبتا ودعمتا مثل هذه الخطوات التي تعتبرها جزءاً من مواجهة ما تصفه بـ "الإرهاب والإيديولوجيا المتطرفة". في المقابل قد يفاقم القرار من التوترات مع دول أخرى مثل قطر وتركيا، حيث يتم التساهل أو التعايش مع فروع من التنظيم ضمن منظومة السياسة الداخلية، وهو ما يعكس تعقيدات التوازنات الدبلوماسية الأمريكية في المنطقة.

ما بعد القرار

إنّ تحول إدارة ترامب من منطق "التعامل السياسي مع فروع الإخوان" إلى منطق التصنيف القانوني والعقوبات المالية والأمنية يعكس نهاية عهد طويل من التسامح مع الغموض المؤسسي والمالي حول بعض نشاطات التنظيم، ويمثل نقطة فاصلة في العلاقة بين واشنطن وجماعات الإسلام السياسي العابرة للحدود.

التصنيف الأمريكي لفروع جماعة الإخوان يحمل أيضاً دلالات إقليمية ودولية. التقدير الأمريكي في القرار يرتبط بأحداث مثل الحرب في غزة بعد 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023.

في هذا المنعطف أصبح من الواضح أنّ الولايات المتحدة لم تعد تعتبر جماعة الإخوان شريكاً مثبتاً في إدارة الإسلام المعتدل، بل باتت تراه تحدياً قانونياً وأمنياً يستدعي أدوات أكثر حزماً وضبطاً.

ولأنّ القرن العشرين والعلاقات الشرق أوسطية الأمريكية قد بنيا عقداً غير مكتوب على أمل إدماج التيارات الإسلامية المعتدلة في النظام الدولي، فإنّ هذا القرار يشير إلى أنّ تلك النظرة لم تعد قائمة بالقوة نفسها، وأنّ المرحلة القادمة في السياسة الأمريكية ستُقرأ من خلال إطار القانون والعقوبات أكثر من الإطار السياسي التقليدي.

 


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية