"من أجل سما": تجرأنا على الحلم ولن نندم على الكرامة

"من أجل سما": تجرأنا على الحلم ولن نندم على الكرامة

مشاهدة

04/03/2020

الفيلم الوثائقي السوري "من أجل سما"، للمخرجة السورية وعد الخطيب، والمخرج البريطاني إدوارد واتس، من أكثر الأعمال الفنية السورية التي أنتجت في الأعوام التي تلت الثورة السورية، وما تلاها من حروب ومجازر ودمار ومآسٍ، تتقاطع فيها الحكايات الشخصية للأفراد بقضية عامة، سياسية أو اجتماعية أو حدث كبير، هذا المنحى من السرد أو التصوير، سواء كان في أعمال أدبية أو أفلام سينمائية، أخذ على عاتقه توثيق المأساة السورية، من خلال المعاناة الشخصية للفرد والتي من خلالها تفتح نافذة لمعاناة بلد بأكمله، وتكون شاهدة أيضاً على مصائر من حولها.

اقرأ أيضاً: يوم تنتهي مسيرة الشقاء السوري
لجأ السوريون، منذ بداية الثورة السورية، إلى التوثيق من خلال كاميراتهم وكاميرات هواتفهم الجوالة، ومن خلال الكتابة، سواء في الصحافة أو في الأدب، لتكوين ذاكرة جماعية عمّا حدث وما يزال يحدث ضدّهم، من انتهاكات ومجازر وقتل ودمار على يد النظام السوري وروسيا وإيران من جهة، وعلى يد الإسلاميين والجهاديين المتطرفين من جهة أخرى.

المخرجة السورية وعد الخطيب
في الأعوام الثلاثة والأربعة التي تلت انطلاقة الثورة السورية، في 15 آذار (مارس) 2011، أُنتجت أعمال أدبية كثيرة، أبرزها كانت نصوص وشهادات ذاتية لكتّابها من الشباب السوريين الذي شاركوا في الثورة السورية بشكل أو بآخر؛ سواء في النزول إلى الشارع والمشاركة في المظاهرات، أو بإعلان موقف واضح مؤيد للثورة، ومناهض للنظام السوري والتنديد بأعمال العنف والقمع للمتظاهرين السلمييين واعتقالهم وتعذيبهم حتى الموت في السجون.

اقرأ أيضاً: خسائر جديدة للجيش التركي في سوريا
في مرحلة ما، بدأت هذه الأعمال الأدبية تتعرض للنقد والسخرية أحياناً، من قِبل كتّاب سوريين آخرين، سواء كانوا موالين للنظام السوري أو معارضين له، أو "رماديين"، وكان هناك وصف أو تعبير ساخر نسمعه من هؤلاء الكتّاب المنتقدين لتلك الأعمال على شاكلة: "بسبب الثورة أصبح كلّ من هبَّ ودبّ يريد أن يكتب ويصبح كاتباً"، مبررين انتقاداتهم بأنّ أغلب هذه الأعمال كتبت بأسلوب رديء ولغة ركيكة.

حاز فيلم "من أجل سما" على جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان (البافتا)، كما وصل الفيلم للترشيحات لجوائز الأوسكار

هذه الحساسية نحو النتاج الأدبي ما بعد الثورة، خفتت قليلاً، وبات معيار النقد الموجه لهذه الأعمال، يتناول فقط جودة العمل، وربما يرجع السبب إلى أنّ السوريين أدركوا مهمة توثيق ما يجري، ووضع التجارب الذاتية الحية، التي عايشت المآساة السورية بكافة أشكالها، سواء كان ذلك عبر نصوص أدبية ذاتية أو غير ذاتية.
لكن اللافت في مسألة السرد الذاتي، حين ينتقل إلى سرد بصري- ذاتي، خاصة فيما يخص الأفلام الوثائقية والتسجيلية، التي تكون الكاميرا فيها في لحظة الحدث، لا بعدها، تتداخل الحكايات مع بعضها؛ حكاية الآخر تتقاطع مع حكاية المؤلف والمخرج، في هذه العملية تخفت نبرة الأنا، القصة الشخصية، مع الحدث الذي الذي يقع تحت وطأته الجميع، "الأنا" هنا شاهدة على المأساة الشخصية والجماعية في اللحظة نفسها، والتي يراها الجميع أمام الشاشة.
في فيلم "من أجل سما"، هناك عنصر آخر يضاف؛ القصة الشخصية، والنضال الجماعي، من أجل الجيل الذي ولد في زمن الحرب، عن الأم- المخرجة، وعد الخطيب، التي آمنت بالثورة، وبمستقبل أفضل لسوريا، لا يحكمه الطغاة أو المتطرفون، وتزوجت بعدها الطبيب الذي أحبته، حمزة الخطيب، وولادتها لابنتها "سما" في فترة الحرب والقتل والمجازر.
الأم قررت أن توثق قصة نضالها وقرارها، هي وزوجها الطبيب، في بقائهم في مدينة حلب تحت الحصار، من أجل أن تعرف ابنتها، على الأقل، حقيقة ما حدث، وكيف تعرفت إلى أبيها، وكيف أحبا بعضهما وقررا الزواج والإنجاب، والحلم في مستقبل أفضل للبلاد، رغم كلّ ما حدث ويحدث.

المخرج البريطاني إدوارد واتس
في بداية الفيلم؛ تظهر الطفلة سما وهي مستلقية على السرير، ونسمع صوت الأم – المخرجة من خلف الكاميرا، وهي تغني لابنتها، كانت وعد الخطيب وزوجها الطبيب حمزة الخطيب وابنتهما يعيشون في غرفة داخل مستشفى ميداني، لحظات ونسمع صوت القصف على أماكن قريبة جداً من المستشفى، ينادي أحدهم على وعد كي تتحرك بسرعة من مكانها، تعطي وعد طفلتها لإحدى الممرضات لتنزل بها إلى قبو المستشفى.
تتحرك وعد وهي تحمل كاميرتها، وتتقدم الكاميرا باتجاه ممر طويل داخل المستشفى، بعدها تهبط قذيفة قريبة جداً من المستشفى، فيدخل غبار كثيف ويغطي الممرّ، من ثم تتحرك الكاميرا ومن خلفها صوت المخرجة، تسأل: "وين سما؟ سما مع مين؟".

ظهرت المخرجة وعد الخطيب، وهي ترتدي فستاناً كتبت عليه عبارة بالخطّ العربي: "تجرأنا على الحلم ولن نندم على الكرامة"

تطمئن الأم على ابنتها، يلاعب الأب الطبيب حمزة الخطيب سما، تضحك سما، نسمع صوت الأم، تقول: "سما... أنت أحلى شي صار بحياتي.. بس شو هالحياة اللي أنا جبتك عليها... أنت ما اخترت هادا الشي.. رح تسامحيني؟".
كيف لا يتقاطع الشخصي بالعام، أمام كاميرا توثق موت الأطفال في مستشفى ميداني أو توثق حتى معجزة نجاتهم؟! في مشهد داخل المستشفى، وأثناء القصف العنيف بالصواريخ والبراميل المتفجرة من قبل الطيران الحربي الروسي، الداعم للنظام السوري على أحياء حلب الشرقية المحاصرة؛ يُدخل المسعفون امرأةً حاملاً في شهرها التاسع، كانت قد أصيبت وأغمي عليها جراء القصف الذي ظهرت آثاره على وجهها المغطى بالدماء، وأجزاء من جسدها، فقرر الأطباء على الفور إجراء عملية قيصرية لإخراج الجنين من بطنها.

اقرأ أيضاً: خطوات أردوغان القادمة في سوريا؟
يتابع المشاهد هذا المشهد وهو في حالة ذهول وترقب، وربما تتبادر إلى ذهنه أسئلة سريعة ممزوجة بالخوف والرعب؛ ما الذي سيحدث؟ هل سيموت الجنين؟ هل ستموت الأم؟ لحظات ويُخرج الطبيب الجنين من بطن أمه، يحمله من قدميه، ويجعل رأسه للأسفل، ويقوم بتدليك ظهره من ثم الضغط بأصابع يديه على بطنه وصدره، لإخراج الماء أو الدماء من داخله، ثم يعيد مرة أخرى تدليك منطقة أسفل الظهر، في هذه الأثناء نراقب ملامح الطفل، النائم أو الميت؟ لا ندري بعد، ملامح عابسة وصامتة لطفل مولود للتوّ، تقترب الكاميرا أكثر لوجه الطفل، فيفتح عينيه فجأة، ويخرج الدم من فمه، من ثم يبكي، إنّه على قيد الحياة! تُعلق المخرجة وعد الخطيب على نجاة الأم ومولودها الجديد من الموت بقولها: "تنيناتهن مناح.. هي معجزة، عطتنا القوة لنبقى عم نصارع، تماماً متلك يا سما".


في لقطة أخرى؛ تقترب وعد بكاميرتها باتجاه ابن صديقتها، الذي يبلغ من العمر 12 عاماً تقريباً، وتسأله إن كان يريد الخروج من حلب؟ فيجيبها الطفل بالرفض، فتعيد وتسأله؛ حتى لو كانت عائلتك تريد الخروج؟ ليجيبها الطفل: لا مشكلة بذلك "ببقى لحالي"، ينهار الطفل، ويجهش بالبكاء أمام أسئلة المخرجة، التي ليس لها أيّة إجابات منطقية ولا حاسمة، وأمام قصف وقتل وموت لا يتوقف، على مدينة تمارس عليها كلّ أشكال الإبادات الجماعية والقتل الممنهج، يرفض صغارها قبل كبارها الاستسلام والخروج منها.

اقرأ أيضاً: تركيا ومأساة اللاجئين السوريين: "الأنصار" يتاجرون بـ "المهاجرين"
لا يكتفي فيلم "من أجل سما" بتوثيق القصف والدمار والموت والحصار، بل أيضاً وثقت عدسة وعد الخطيب كلّ لحظات البهجة المسروقة؛ مقاومة الموت بالحياة رغم كلّ شيء؛ كتوثيقها لعرس زفافها، هي ووزجها الطبيب، حمزة الخطيب، واحتفالهم مع أصدقائهم بهذا المناسبة.
مع بداية عام 2020؛ حاز فيلم "من أجل سما" على جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان جوائز الأكاديمية البريطانية للأفلام (البافتا)، كما وصل الفيلم للترشيحات لجوائز الأوسكار للأفلام، عن أفضل فيلم وثائقي لهذا العام، والذي ظهرت فيه المخرجة السورية، وعد الخطيب، وهي ترتدي فستاناً كتبت على قماشته عبارة بالخطّ العربي: "تجرأنا على الحلم ولن نندم على الكرامة".

الصفحة الرئيسية