وثائقي "المسافة صفر".. متى تيأس قناة "الجزيرة" من استهداف الجيش المصري؟

قناة الجزيرة

وثائقي "المسافة صفر".. متى تيأس قناة "الجزيرة" من استهداف الجيش المصري؟

مشاهدة

02/08/2018

لا تيأس فضائية "الجزيرة" القطرية من استهداف الدولة المصرية، عبر سلسلة من البرامج والوثائقيات، يضع رؤيتها أشخاص متمرسون في هدم الدول، وتفكيك مؤسساتها، وعلى رأسها مؤسسة الجيش، إلا أن ذلك لم يكن ناجعاً في حالة الدولة المصرية.

للمحتوى الإعلامي أهداف ورسائل تجيد "الجزيرة" توجيهها، إلا أنه من المفارقات أنّ ذلك المحتوى يتقاطع لحد كبير مع الأهداف الإعلامية لتنظيم "داعش" الذي يجيد أيضاً صناعة الإعلام الموجه لتحقيق أهداف محددة بعناية.

تؤيد الجزيرة ادعاءات الإرهاب بأفلام من نوعية: "المسافة صفر.. حروب التيه"

ففي ظل تركيز "الدواعش" في إصداراتهم المرئية على التحريض على الانضمام للجيش، تأتي قناة "الجزيرة" لتبث أفلاماً تسعى للهدف ذاته، محاولة نقد نظام التجنيد الإجباري من خلال محاولة إثبات أنّ هناك تفرقة بين الضباط والجنود في العطايا والامتيازات.

ويزعم التنظيم الإرهابي في سيناء عبر ماكيناته الإعلامية أنّ الجيش المصري ضعيف في مواجهته، ثم تأتي "الجزيرة" لتؤيد ذلك الادعاء عبر أفلام من نوعية "العساكر" ومؤخراً "المسافة صفر.. حروب التيه".

هناك لقطات ليست خاصة بالقناة ولم تحرص على الإشارة للمصدر

خالٍ من المهنية

يسقط الفيلم الوثائقي فنياً مهنياً إذا كانت المشاهد الأولى فيه "مركبة وملفقة"؛ فاللقطة الأولى كانت لطائرة تحوم في السماء، والثانية مشهد لجنود يسيرون على الأرض وفي خلفيتهم دبابة وكاسحة ألغام، والثالثة لجندي ينظر من فوق تبه بمنظار.. ثم تعود الشاشة لمشهد الجنود السائرين على الأرض، فيقع الانفجار فيتساقط بعضهم على الأرض قتيلاً.

لم تفد إذن الطائرة المحلقة في السماء، ولا الضابط الممسك كاميرته بيديه في أعلى التبة، في أن يحولوا دون سقوط الجنود على الأرض.. هذا ما تريد اللقطات الأولى إيصاله للمشاهدين، الذين لم يعرفوا أنّ صناع الفيلم دلسوا عليهم.

اقرأ أيضاً: التدين الجديد: تهمة الجزيرة الساذجة للإمارات والسعودية!

فمشهد الطائرة في السماء ليس له علاقه بالضابط الممسك بالكاميرا، والمأخوذ من إحدى اللقطات التي بثتها القوات المسلحة المصرية أثناء عملياتها ضد الإرهاب، كما أنّ المشهدين ليس لهما علاقة بمشهد الجنود على الأرض، والذي التقطته عدسة المبايعين لتنظيم داعش في شمال سيناء، بعدما زرعوا عبوة ناسفة لاستهداف الجنود المصريين.

ليست لقطات خاصة بالفضائية إذن، ولم تحرص على أن تشير في شريط إلى المصدر، الذي أخذت عنه تلك اللقطات المنقطعة الصلة، فظهر كأنه مشهد واحد التقطته القناة، حتى توصل رسالة فحواها: برغم كل هذه القوات استطاع التنظيم في سيناء أن يفجر عبوة ناسفة عند مرور الجنود.

 

 

تلفيق مغرض

تنتهي المشاهد الأولى، ليظهر صوت الإعلامية سلام هنداوي، على مشهد جديد لسيارة إسعاف تسير على طريق مجهول فتقول: "لا يكاد يمر أسبوع على قوات الأمن المصرية جيشاً وشرطة في شمال سيناء، دون وقوع قتلى ومصابين في صفوفها، جراء هجمات تنظيم الدولة هناك.. "، تكتمل الرسالة القطرية في الكلمات الأولى لـ"سلام" وهي أنّ الدولة المصرية غير قادرة على تحقيق الأمن في شمال سيناء، فرغم الطائرة الطوافة، وأجهزة المراقبة والدبابة فإنّ الجنود يسقطون بفعل العبوات الناسفة، وها هي سيارة الإسعاف الصفراء تهرول في المكان.

تريد "سلام" أنّ تثبت أنّ عدد شهداء قوات الأمن المصرية قارب الألفين على يد "داعش" الذي تصر الجزيرة على وصفه بــ "ولاية سيناء" أو "تنظيم الدولة" لكن "سلام" نفسها أوعزت في نهاية الفيلم أنّ التنظيم قد تلقى ضربات موجعة على يد قوات الجيش المصري مما أفقده قدراته.. لكن لا بأس من إلقاء قطرة عسل في بحر سم زعاف.

الجزيرة دست السم في العسل فرمت معلومة مضللة فأظهرت الإرهابيين كأبطال مسلحين وليسوا جماعة إرهابية

تعود هنداوي للحديث عن أنّ هذه الحملة لم تكن هي الأولى، للجيش المصري على المتطرفين في سيناء، فقد كانت هناك حملة في آب (أغسطس) العام 2011م، وهو الرسالة الثانية التي يحاول الفيلم أن يرسلها "إذا كانت ليست المرة الأولى فهي لن تكون الأخيرة".

تتطابق هذه الرسالة مع الرسالة نفسها التي أرسلها المبايعون لــ "داعش" في سيناء في إصدارهم المرئي الأخير مطلع العام الحالي، وهو ما يشي باتحاد الأهداف الإعلامية على الأقل بين التنظيم والمنصات الإعلامية القطرية.

ترجع هنداوي سبب شن الجيش المصري حملته الأولى "نسر" بسبب استهداف "مسلحين بينهم عناصر من جماعة أنصار بيت المقدس استهدفوا مقارة للشرطة في العريش".. وهذا صحيح لكنها أردفت بسبب آخر قائلة: "وتفجير خطوط الغاز المصدر لإسرائيل".

اقرأ أيضاً: المشاهد العربي يطوي مرحلة "الغفلة الإعلامية" لقناة الجزيرة

لم تكن "نسر" من أجل تفجير خطوط الغاز المتجه لإسرائيل، فهذا الأمر كانت قد حسمته محكمة قضائية مصرية عليا، بعد أن حكمت بوقف تصدير الغاز المصري للكيان الصهيوني، وهو ما استجابت له الدولة المصرية، وكانت ذلك قبل بدء العملية نسر بعدة أشهر.

وقضت هيئة تحكيم دولية بتغريم الحكومة المصرية مبلغ 1.7 مليار دولار، لصالح شركة الكهرباء الإسرائيلية، بعد توقف إمدادات الغاز المصري إلى إسرائيل، في أعقاب "ثورة" 25 يناير كانون الثاني 2011، التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، وفق شبكة " سي إن إن".

لكن "الجزيرة" دست السم في العسل، فرمت معلومة مضللة تهدف من ورائها لتحويل وجهة المشاهد إلى أن هؤلاء "المسلحين" كانوا يستهدفون خطوط الغاز المتجه للعدو بفعل النظام المصري، بما يظهرهم كأبطال مسلحين وليسوا جماعة إرهابية، وأن الدولة المصرية لم تحاربهم إلا من أجل ذلك، وفي صالح إسرائيل.

المذيعة نفسها ذكرت في نهاية الفيلم أنّ التنظيم قد تلقى ضربات موجعة على يد الجيش

شيطان الجزيرة

تعرض "سلام" لخريطة لسيناء، تشرح من خلالها مدى أهميتها للعالم، فهي تربط بين آسيا وأفريقيا وبين البحر الأحمر والمتوسط، عبر قناة السويس التي يمر منها 8 % من حجم التجارة العالمية، منها 3% خاصة بإمدادات النفط، وأنها تشكل نقطة حساسة من العالم .. فتقول: "تلك الجغرافيا وضعت سيناء على أكثر المناطق الأكثر حساسية من ناحية الأمن الإقليمي والدولي" ثم صمتت سلام لتظهر الشاشة بشكل مفاجئ صورة انفجار كبير وسط سيناء.

كشف صناع الفيلم في الدوحة عن إدراكهم لأهمية سيناء، وحساسيتها.. إلا أن "البروديوسر" الذي وضع مشهد الانفجار، بعد الحديث عن أهمية سيناء الأمنية والاستراتيجية، أراد أن يرسل رسالتها بشكل واضح لقوى دولية ما "أنها ليست آمنة".

اقرأ أيضاً: برامج "الجزيرة".. "سرّي للغاية" يروج لتنظيم القاعدة

تتكشف مقاصد الفيلم مشهداّ وراء مشهد .. فيأتي بملثمين يستوقفون المارة في منطقة صحراوية للدلالة على أن التنظيم الداعشي يحكم سيطرته على المحافظة دون الإشارة إلى أن هذا الفيديو خاص بالتنظيم بثه كجزء من داعيته التي يريد فيها أنه ما يزال باقياً على قيد الحياة.

تزعم "سلام" بأنها تعاونت مع فريق ميداني تابع للجزيرة في سيناء ثم تأتي بعامل مصري في فضائية "الجزيرة"، ومقيم في الدوحة، وموال لجماعة الإخوان المسلمين، في غرفة مغلقة ليتحدث عن الأوضاع في سيناء.

يحاول أبو بكر خلاف، من خلال الصور معلقة على الجدار لعسكريين مصريين استشهدوا في سيناء، أن يثبت أن هناك من قادة القوات الأمنية من استهدف بناء على اختراق معلوماتي للجيش، وأن هناك أشخاصاً يتعاملون مع التنظيم من داخل تلك المؤسسة.

اقرأ أيضاً: برامج "الجزيرة" .."الاتجاه المعاكس": صراخ تمرير رسائل الطائفية والعنف

يستدل "خلاف" على ذلك بمحاولة استهداف طائرتي وزير الدفاع السابق ووزير الداخلية في مطار العريش، وكذا استهداف العميد شرطة محمد سليم السواركة، وهو من أبناء سيناء، والعميد عمرو صالح، واللذين استهدفا في العام 2014م خلال استقلالهما لسيارة مدنية

يفترض "خلاف" أن استهدافهما في سيارة مدنية دليل على الاختراق، لكنه يتغافل أن جميع العناصر الأمنية في سيناء يستقلون سيارات مدنية إذا لم يكونوا في مهام عملياتية.

تريد "الجزيرة" إذن أن تثبت أن من قتلوا على يد التنظيم كان بسبب اختراق للقوات الأمنية، فلا بأس إذن أن تعمل الدولة المصرية على تطهير أجهزتها من بقايا الجماعات الإسلامية من إخوان وغيرهم داخل مؤسساتها، وعلى "الجزيرة" مراعاة ذلك في تقاريرها.

 

 

تشويه صورة البطل

لم يبق إذن سوى تشويه صورة البطل في تصور المصريين، فكان الحديث عن العقيد أحمد منسي، والذي لقبه المصريون بالأسطورة بعد استشهاده، نظراً لشجاعته في مواجهة الإرهاب، وحب القبائل السيناوية له باعتراف "الجزيرة" نفسها، التي حاولت هدم أسطورته.

وفي الوثائقي لابد أن يكون هناك انفراد فحاولت "الجزيرة" أن تصنع ذلك لكن دون مهنية، فقالت إنّها نجحت في التصوير مع مجند خدم في سيناء بعد ثورة الثلاثين من يونيو 2013م.

تشق سيارة الطريق الدائري الذي يطوق القاهرة، فيظهر على جانبي الطريق رجل يخفي وجهه، ثم يفتح الباب ليستقل السيارة .. من ذلك؟ إنه المجند حسب ادعاء الجزيرة.

اقرأ أيضاً: ما خفي أعظم ... الجزيرة حيت تتلاعب بالتاريخ!

يقع المجند المزعوم متضخم الصوت بفعل المونتاج، في أخطاء حين يتحدث عن أنه حضر هجوماً شنه تنظيم الدولة على رفح والشيخ زويد في العام 2015 بهدف السيطرة عليهما فيقول : "العيال في الوحدة قالت إسرائيل هجمت على مصر، وكان يوم فوضى، لكن كان الإرهابيون يهجمون على 20 كميناً وعلى وحدة من بتوع الجيش) .. المفترض أنه مجند في الجيش نفسه كان من الأولى أن يقول: هجوم على وحدة تابعة لنا لكنه تحدث كأنه لم يكن مجندًا في الجيش.

اعترفت "الجزيرة" أنّ التنظيم الإرهابي مُني بخسارة فادحة في الواقعة السابقة، بعد تدخلات الطيران الحربي المصري، والمدفعية وهم ما عرض قياداته وعناصره لخسائر فادحة في الأرواح والسلاح.

ومع ذلك تظهر "سلام" مع حسن أبو هنية، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية : لماذا يبدو التنظيم أكثر قوة ليس فقط من الناحية القتالية، وإنما من الناحية المعلوماتية، وهل المنظومة الأمنية في سيناء مخترقة؟

حسن أبو هنية

تحاول "سلام" إثبات ضعف الدولة المصرية في سيناء، التي هي نقطة حساسة بالنسبة للعالم، كما قالت في بداية فيلمها، ثم تذهب وتجيء لكنها تعود إلى هذه النقطة طوال الفيلم.

يجيب حسن أبو هنية: "ثمة خلل كبير في المنظومة الأمنية الاستخباراتية المصرية بشكل واضح" تعود الرسالة الموجهة لقوى خارجية لتفوح برائحتها مجدداً "تعالوا إلى سيناء النقطة الأمنية الحساسة عالميا لأنها ليست آمنة"، ويعطي  "أبو هنية" الإجابة المطلوبة بدقة في أول جملة ينطق بها .. لم يعد لباقي حديثه ضرورة إذن.

لكن أبو "أبو هنية" يكمل شططه، حينما يحاول الربط بين تداخل العسكريين البعثيين في تنظيم داعش في العراق وبين الحالة المصرية، فيريد تشبيه الحالة العراقية التي تعرض فيها الجيش العراقي للتفكيك بعد سقوط نظام صدام حسين، وانضمام عسكريين عراقيين لتنظيم داعش وبين مصر التي يتمتع جيشها بالتماسك والصلابة كونه ينال تأييد ودعم الشعب المصري طيلة تاريخه، وانحياز هذه الجيش لشعبه حتى في ثورتيه (يناير- يونيو) ضد نظامين حاكمين.

يدعي أبو هنية بأنّ عشرات العسكريين جنّدتهم الجماعة الإرهابية ولا يذكر سوى شخصين تم فصلهما أصلاً قبل ذلك

يدعي أبو هنية أنّ هناك عشرات العسكريين تمكن جماعة أنصار بيت المقدس على تجنيدهم في صفوفها، ثم ضرب مثالاً بشخصين فقط هما؛ هشام عشماوي وعماد عبدالحميد، إلا أنه لم يستطع أن يسرد أكثر من ذلك، ولم يقل أنّ هؤلاء قد تم فصلهما قبل انضمامهما للتنظيم، كما أن هناك عسكريين انضموا لتنظيمات متطرفة منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي لكن ذلك لم يشكل سوى الاستثناء النادر الذي لا يقاس عليه.

وإذا كان انضمام عدد لا يعد على الأصابع من العسكريين للتنظيمات الإرهابية فهل هذا يكفي لأن يكون التنظيم أقوى من الجيش المصري نفسه كما يدعي الفيلم؟ .. ينقرض التنظيم في سيناء لكن كهنة "الجزيرة" يظلون يبحثون عن الثغرات التي يمكن أن تستهدفها بسهامها المسمومة.

 

 

الصفحة الرئيسية