مكافحة الإرهاب ـ التحولات البنيوية لمشهد التطرف والإرهاب في أوروبا

مكافحة الإرهاب ـ التحولات البنيوية لمشهد التطرف والإرهاب في أوروبا

مكافحة الإرهاب ـ التحولات البنيوية لمشهد التطرف والإرهاب في أوروبا


09/07/2026

اكرام زيادة

شهد تهديد التطرف والإرهاب في أوروبا تحولات جوهرية خلال السنوات الأخيرة، مقارنةً بمرحلة الذروة التي اتسمت بالعمليات واسعة النطاق التي نفذتها التنظيمات السلفية “الجهادية”، وعلى رأسها القاعدة وتنظيم “داعش”، والتي أوقعت أعداداً كبيرة من الضحايا. وفي المقابل، باتت الدول الأوروبية تواجه نمطاً متزايداً من الهجمات منخفضة التعقيد وعالية التأثير النفسي، تستهدف تجمعات مدنية وأماكن عامة، بما في ذلك الفعاليات الرياضية والحفلات الموسيقية ومراكز التجمعات.

وتتميز هذه الهجمات بكونها تُنفذ في الغالب من قبل أفراد أو خلايا صغيرة تعمل بصورة مستقلة، بعيداً عن الهياكل التنظيمية التقليدية للجماعات المتطرفة. تٌشير المعطيات الحديثة إلى تصاعد دور الفضاء الرقمي في عمليات الاستقطاب والتطرف، حيث يزداد انخراط القاصرين والشباب في مخططات إرهابية بعد فترات قصيرة من التعرض للمحتوى المتطرف عبر الإنترنت، في تحول لافت عن أنماط التجنيد التقليدية التي كانت تتطلب شهوراً أو حتى سنوات من التأطير الأيديولوجي والتعبئة الفكرية. 

تصاعد هجمات “الذئاب المنفردة” في أوروبا

يشير مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026 إلى أن الشباب والقاصرين شكلوا (42%) من التحقيقات المتعلقة بالإرهاب في أوروبا وأمريكا الشمالية عام 2025، أي ثلاثة أضعاف النسبة منذ عام 2021. أكد منسق الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإرهاب في مارس 2026 أن الأجهزة الأمنية الأوروبية باتت تتعامل مع حالات تطرف تشمل أطفالاً لا تتجاوز أعمارهم (12) عاماً، وأن عملية التطرف أصبحت أسرع وأكثر ارتباطاً بالفضاء الرقمي مقارنة بالهياكل التنظيمية التقليدية.

وبينما لوحظ انتشار التطرف عبر الإنترنت لسنوات، فقد تراجع نموذج “التخطيط الافتراضي” الذي كان يستخدمه تنظيم “داعش” سابقًا، حيث كان أعضاؤه يقدمون المشورة للمهاجمين المحتملين عبر الإنترنت بشأن التخطيط العملياتي، وإن لم يختفِ تمامًا، وطغى عليه ازدياد الهجمات البسيطة التي ينفذها أفراد بمفردهم (الذئاب المنفردة). يشير مؤشر الإرهاب العالمي 2026 إلى أن أوروبا الغربية والوسطى شهدت (51) حادثة إرهابية في عام 2025 مقارنة بـ(81) حادثة في 2024، كما يؤكد أن (93%) من الهجمات القاتلة في الدول الغربية منذ 2021 كانت من تنفيذ أفراد منفردين. 

إضافةً إلى ذلك، وبينما لا يزال الإرهاب السلفي “الجهادي” التهديد الأكثر شيوعًا في أوروبا، فإن مرتكبي هذه الهجمات والمهاجمين المحتملين يُظهرون بشكل متزايد انتماءات أيديولوجية غامضة، أو يفتقرون إلى روابط رسمية بأي منظمة إرهابية مصنفة.

الإرهاب بالوكالة داخل أوروبا

تنخرط دول “معادية” للاتحاد الأوروبي في عمليات خارجية تقترب بشكل متزايد من عتبة الإرهاب. فقد نفذت روسيا وإيران عمليات على الأراضي الأوروبية ترقى إلى أعمال إرهابية برعاية الدولة، غالباً عبر وسطاء. وتُعد موجة الهجمات التي تبنتها حركة “أصحاب اليمين الإسلامي” في أوروبا منذ بداية الحرب مع إيران مثالاً واضحاً على ذلك؛ إذ ترتبط هذه الحركة بـ”كتائب حزب الله” ، وهي فصيل عراقي مدعوم من إيران .

وقد شهدت أوروبا سلسلة من الهجمات المخطط لها والمنفذة منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية في أوائل مارس 2026، حيث انفجرت قنبلة خارج كنيس يهودي في لييج ببلجيكا، في مارس 2026. وفي الشهر نفسه، وقع انفجار في مدرسة أرثوذكسية في أمستردام . وفي باريس، حققت السلطات مع شابين بتهمة التخطيط لـ” هجوم معادٍ للسامية “. وفي مايو 2026، ألقت الشرطة الفيدرالية الأمريكية (FBI) القبض على محمد باقر سعد داود السعدي، القيادي في “كتائب حزب الله” الموالية لإيران ، والذي كان يدير مؤامرات ضد كنائس يهودية وأماكن عبادة يهودية في نيويورك وكاليفورنيا وأريزونا وكندا وأوروبا، ويوكل تنفيذ الهجمات مقابل (10) آلاف دولار إلى عصابات إجرامية محلية وأفراد من جماعات إجرامية مشتبه بانتمائهم إلى عصابات.

أدار السعدي واجهةً لكتائب “حزب الله”، الوكيلة لإيران، تُعرف باسم حركة “أصحاب اليمين الإسلامي”، والتي رُبطت بسلسلة من الهجمات بالقنابل الحارقة والعبوات الناسفة، وتدمير البنية التحتية التي استهدفت بنوكًا ومحطات تلفزيونية ومجمعات مكاتب في مدن وبلدات أوروبية. وفي المملكة المتحدة، ألقت السلطات القبض على خلية من مواطنين إيرانيين كانوا يراقبون عددًا من دور العبادة اليهودية، بالإضافة إلى تورطهم في هجوم حريق متعمد استهدف خدمة إسعاف يهودية، وطعن رجلين يهوديين في لندن في أبريل 2026.

أَضف إلى ذلك العمليات الإرهابية أو “التخريبية” المرتبطة بروسيا في أوروبا، وتجدر الإشارة إلى أن موسكو تنفي عادةً أي تورط مباشر، بينما تتحدث الحكومات الأوروبية وأجهزة الاستخبارات عن عمليات “تخريب” و”حرب هجينة” أكثر من كونها عمليات إرهابية بالمعنى التقليدي. ومع ذلك، فإن بعض القضايا أُحيلت قضائياً باعتبارها جرائم إرهابية أو أعمالاً تهدد سلامة المدنيين.  أعلنت وكالة يوروجست في مارس 2026  تحديد (22) مشتبهاً بهم في شبكة يُعتقد أنها عملت لصالح الاستخبارات العسكرية الروسية. وتضمنت العملية إرسال طرود تحتوي على مواد حارقة أو متفجرة إلى مراكز شحن في المملكة المتحدة وألمانيا وبولندا. ووجهت لعدد من المتهمين تهم إرهابية في ليتوانيا. تشير التقديرات الحديثة إلى توثيق ما لا يقل عن 151 عملية تخريب وحرب هجينة مرتبطة بروسيا في أوروبا خلال الفترة 2022–2026، وغالباً ما تستخدم روسيا وكلاءً لتنفيذ مثل هذه الهجمات. 

في غضون ذلك، تتداخل بعض العمليات الخارجية التي تنفذها دول معادية في أوروبا، بما في ذلك عمليات تخريب مختلفة مرتبطة بروسيا تسعى إلى تأجيج التوترات بين الطوائف، بشكل مباشر مع تصاعد الاستقطاب ومستويات التهديد بعد هجمات السابع من أكتوبر 2023 والحرب اللاحقة في غزة. وفي فرنسا، سعت عمليات مرتبطة بروسيا عمداً إلى تقويض التماسك الاجتماعي من خلال ارتكاب جرائم كراهية، بما في ذلك وضع رؤوس خنازير مقطوعة  أمام تسعة مساجد ومراكز إسلامية في العاصمة في سبتمبر 2025،  وتخريب مواقع يهودية شملت معابد ونصباً تذكارياً للمحرقة ومطعماً يهودياً في باريس في مايو 2025.  بشكل عام، أبرز المشهد الحالي للتهديدات في أوروبا كيف أن الإرهاب لا يزال أداة في متناول الدول لتحقيق أهدافها.

تلاقي الجريمة المنظمة والجماعات المتطرفة

لا تزال العلاقة بين الجريمة والإرهاب في أوروبا مصدر قلق بالغ: فليس فقط الدول تستخدم وكلاء إجراميين لتنفيذ الهجمات، بما في ذلك العصابات الإجرامية وتجارة المخدرات، بل هناك أيضًا أدلة متزايدة على تداخل الشبكات الإجرامية و”الجهادية”.  ويشير مصطلح “الترابط بين الجريمة والإرهاب” إلى مختلف أوجه التداخل بين الجريمة والإرهاب، بما في ذلك كيفية تفاعل الجماعات الإرهابية والكيانات الإجرامية، سواء من خلال التعاون أو الاندماج أو التقليد. وبالتالي، يشير المصطلح في آنٍ واحد إلى تعاون “حزب الله” مع الشبكات الإجرامية لتحويل عائدات تعقب المخدرات إلى خزائنه، وتحوّل “جماعة أبو سياف” إلى كيان إجرامي يمارس عمليات الخطف مقابل الفدية، وتاريخ الجرائم الصغيرة للعديد من المقاتلين الأجانب الأوروبيين الذين انضموا إلى تنظيم “داعش”.

وُجهت تهمة التآمر لشراء طائرات مسيرة لصالح “حماس” في مايو 2025، لشن هجوم على أهداف في الدنمارك أو غيرها من الدول الأوروبية إلى رجل يبلغ من العمر 28 عامًا على صلة بعصابة “لويال تو فاميليا” الدنماركية (وهي واحدة من أشهر وأخطر عصابات الشوارع في الدنمارك. اكتسبت شهرة واسعة بسبب تنظيمها الهيكلي الصارم وحروب الشوارع الدامية التي خاضتها، وصُنفت كأول منظمة إجرامية تُحل وتُحظر رسميًا بموجب الدستور الدنماركي في تاريخ البلاد). وقدّرت المخابرات الإسرائيلية أن الشبكة كانت تعتزم استخدام هذه الطائرات المسيرة ضد السفارة الإسرائيلية في السويد. إضافة إلى ذلك تُعرف منظمات إجرامية عابرة للحدود، مثل “فوكستروت” ، بتنفيذ عمليات لصالح إيران. 

تتمتع جماعة “فوكستروت” بتاريخ طويل من العمليات الإجرامية في السويد وعبر أوروبا، وغالبًا ما تُنسق خططها مع الأهداف الإيرانية من خلال استهداف إسرائيليين ويهود.  تأسست الجماعة عام 2010، وانخرطت في البداية بشكل أساسي في أعمال عنف العصابات وتهريب المخدرات والأسلحة في شمال أوروبا. أسسها روى ماجد، وهو سويدي من أصل كردي من أصل إيراني، وهو الآن هارب انتقل من السويد إلى تركيا وكردستان العراق عام 2018، ثم إلى إيران عام 2023.

مع مرور الوقت، ازداد تقارب الجماعة مع الأهداف الاستراتيجية الإيرانية لمواجهة خصومها في أوروبا. وتشير التقارير إلى أنها أقامت علاقات مع وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية. في يناير 2024، خططت الجماعة لمهاجمة السفارة الإسرائيلية في ستوكهولم، بزرع متفجرات عند مدخلها، لكن قوات الأمن أحبطت العملية قبل انفجار المتفجرات. في العام نفسه، استخدم مراهقان دنماركيان قنابل يدوية ضد السفارة الإسرائيلية في كوبنهاغن، فأصابا مبنى سكنيًا بدلًا من السفارة، وقد نسقا مع “فوكستروت” لتنفيذ الهجوم. والجدير بالذكر أن منفذي الهجوم أفادوا بأن دافعهم كان الحصول على مقابل مادي وليس خلافات أيديولوجية مع إسرائيل. وفي 8 مارس 2026، زرعت عائلة مكونة من أربعة أفراد عبوة ناسفة بدائية الصنع في السفارة الأمريكية في أوسلو، النرويج، مما أدى إلى إلحاق أضرار بالمدخل، ولا يزال الحادث قيد التحقيق، لكن أدلة محدودة تشير إلى تورط منظمة “فوكستروت”.

من الساحل إلى أوروبا.. إعادة تشكيل التهديدات الإرهابية

يُعدّ تزايد جاذبية ولايات تنظيم “داعش” في أفريقيا، ولا سيما ولاية الساحل بُعدًا آخر، لا يزال قيد الظهور، في مشهد التهديدات في أوروبا. فمع تعزيز هذه الفروع سيطرتها على الأراضي والموارد – وهو أمرٌ يزداد ترجيحًا بعد أن أعلنت مجلة الدعاية الرئيسية لتنظيم “داعش” رسميًا تبني هجماتٍ نفذتها جماعة تُعرف باسم “لكوراوا” ، والتي تُشكّل حلقة وصل فعّالة بين ولاية الساحل وولاية غرب أفريقيا – يُمكن أن تُصبح هذه الفروع مراكز جذبٍ متزايدة للأفراد المتطرفين في أوروبا للانضمام إليها كمقاتلين أجانب. وقد رصدت تقارير الطرق التي أظهرت بها ولاية الساحل نيتها توجيه عمليات خارجية ضد أوروبا، بما في ذلك عبر المغرب وإسبانيا. وأخيرًا، في سياق العمليات الخارجية والمقاتلين الأجانب، يبقى من المهم تتبّع التطورات في سوريا ما بعد الأسد – بما في ذلك مسار المقاتلين الأجانب هناك واستمرار وجود خلايا تنظيم “داعش” في البلاد – وتقييم دلالاتها على احتمالية توجيه عمليات خارجية من بلاد الشام إلى أوروبا.

التطرف الهجين

ومما يزيد هذه التحديات تعقيداً، أن العديد من مؤسسات وبرامج مكافحة الإرهاب الأوروبية المعاصرة صُممت لمواجهة التطرف المحدد بوضوح والمدفوع بأيديولوجية معينة. ومع ذلك، يواجه الممارسون بشكل متزايد عنفاً استعراضياً (والذي، وإن لم يكن خالياً دائماً من الأيديولوجيا، غالباً ما يبدو مدفوعاً دون هدف سياسي أو ديني واضح). وقد دقّت الشرطة الأوروبية (يوروبول) ناقوس الخطر بشأن شبكات مثل “شبكة 764” (وهي شبكة إلكترونية عالمية خطيرة تعمل عبر الإنترنت وتستهدف المراهقين والقاصرين  تمارس الابتزاز الجنسي، وتشجع على العنف، إيذاء النفس، والتطرف العنيف)، في حين أظهر الهجوم على مدرسة ثانوية في غراتس، النمسا، في يونيو 2025 عن تنامي تأثير بعض المجتمعات الرقمية المتخصصة، مثل مجتمعات “الجريمة الحقيقية”، التي قد تدفع بعض المتابعين إلى تمجيد المجرمين العنيفين ومنفذي الهجمات الجماعية.

وفي الوقت نفسه، أصبحت بعض أشكال التطرف المعاصرة أكثر تعقيداً، إذ لا تستند إلى أيديولوجية واحدة واضحة، بل تمزج بين توجهات وأفكار متعددة، وقد أشارت برامج الاتحاد الأوروبي الخاصة بمكافحة التطرف لعام 2026 إلى تزايد حالات الأفراد الذين يتبنون خليطاً من الأفكار الجهادية واليمينية المتطرفة ونظريات المؤامرة والمضامين العنيفة المنتشرة عبر الإنترنت، دون انتماء واضح إلى أيديولوجية واحدة، وهو ما يُعرف بـ”التطرف المدمج” أو “الهجين”.

إعادة هيكلة سياسات مكافحة الإرهاب الأوروبية

بالنظر إلى أن نسبة متزايدة من المتطرفين هم من القاصرين والشباب، فمن الضروري استكمال جهود إنفاذ القانون التقليدية بنهج صحي عام يعالج التطرف من جذوره. وفي عصر يتميز بتحول التطرف إلى العالم الافتراضي، تقع المسؤولية أيضاً على عاتق شركات التكنولوجيا التي تراجعت عن جهودها في مجال الرقابة، مما سمح للمحتوى الإرهابي بالانتشار على منصاتها. ورغم تزايد الإدراك بضرورة تطوير سياسات مكافحة الإرهاب لمواكبة التحولات المستمرة في طبيعة التهديدات، فإن ذلك لا ينبغي أن يأتي على حساب متابعة التهديدات التقليدية. فلا تزال التنظيمات الجهادية، وعلى رأسها تنظيم “داعش” والقاعدة، تحتفظ بقدرات على التخطيط وتنفيذ عمليات خارجية، كما يظل الإرهاب اليميني واليساري المتطرف مصدر قلق أمني مستمر. ومن ثم، فإن تجاهل هذه التهديدات لصالح التركيز الحصري على الأنماط الجديدة من التطرف قد ينطوي على مخاطر كبيرة.

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية