
في الوقت الذي تشهد فيه القارة الأوروبية مراجعات أمنية وفكرية حاسمة تجاه حركات الإسلام السياسي، ما تزال الساحة البريطانية تعيش حالة من السيولة والتردد في التعاطي مع تغلغل جماعة الإخوان المسلمين وواجهاتها المتعددة. وهذا المفصل التاريخي والتباين الجغرافي كانا محور دراسة تحليلية معمقة كتبها اللورد دين جودسون، عضو مجلس اللوردات البريطاني ومدير مركز أبحاث "بوليسي إكسشينج" (Policy Exchange)، ونشرتها مجلة "ذا سبيكتاتور"(The Spectator).
تكتسب قراءة اللورد جودسون أهمية استثنائية، كونها لا تقف عند رصد الأنشطة الظاهرة للجماعة، بل تغوص عميقاً في تفكيك عقيدة المنظومة الأمنية والسياسية البريطانية التي باتت تمثل "حالة شاذة" في الغرب، فبينما تتجه دول مثل ألمانيا وفرنسا والنمسا، وحتى الولايات المتحدة، نحو تضييق الخناق القانوني والأمني على شبكات الإخوان، تظل لندن أسيرة مقاربات تقليدية متأخرة، عاجزة عن التمييز بين الإرهاب المادي المباشر وبين "البيئة الإيديولوجية الحاضنة" التي تفرخ هذا الإرهاب وتشرعن وجوده.
صحوة القارة الأوروبية في مواجهة الاختراق الصامت
ينطلق الكاتب في تحليله من رصد اتساع الفجوة الاستراتيجية بين المقاربة البريطانية ومقاربات حلفائها الأوروبيين والأمريكيين، ويرى أنّ هذا التباين يعكس قراءة مختلفة تماماً لطبيعة التهديد الذي يمثله الإسلام الحركي، ففي ألمانيا، لم يعد التحذير من الإخوان المسلمين مقتصراً على التقارير السنوية الروتينية، بل تحول إلى صرخة أمنية أطلقها سينان سيلين، مدير الاستخبارات الداخلية الألمانية، أمام البرلمان الاتحادي (البوندستاغ). سيلين حذر بوضوح من محاولات الجماعة الممنهجة للتغلغل في الأحزاب السياسية والتأثير في مفاصل المجتمع والدولة عبر استغلال القوانين الديمقراطية كغطاء لفرض أجندة تتوافق مع قراءتهم للشريعة، مؤكداً أنّ التزامهم بالقوانين هو التزام تكتيكي مؤقت.
هذا الحسم الألماني يقابله حظر فرنسي صارم للفعاليات المرتبطة بالجماعة وتوجه برلماني لإدراج الإخوان في قوائم الإرهاب الأوروبية، بالتوازي مع رصد فرنسي دقيق للشبكات الإخوانية العابرة للحدود التي تتخذ من بريطانيا مقراً لها، مثل "الرابطة الإسلامية في بريطانيا". وتشير التقارير الأمنية في هولندا إلى تتبع أنشطة التمويل والتحريض المرتبطة بحركة حماس والشبكات الحليفة لها، في المقابل، يرى جودسون أنّ بريطانيا ما تزال عاجزة عن مجاراة هذه اليقظة الأوروبية، بل إنّها تقدم نموذجاً للتباطؤ والتردد، ممّا يجعلها الملاذ الأكثر أماناً لشبكات الإخوان في الغرب، على الرغم من تصاعد المؤشرات حول دور هذه الشبكات في تسميم السلم المجتمعي وإذكاء خطابات الكراهية ومعاداة السامية في الداخل البريطاني.
عقيدة "شين فين الإسلامي" والرهانات الخاطئة للاستخبارات البريطانية
يفكك التقرير الجذور الفكرية والمهنية للتردد البريطاني، مرجعاً إيّاها إلى العقيدة الراسخة داخل جهاز الاستخبارات الداخلية (MI5)، فالموقع الرسمي للجهاز يقتصر في تعريفه لمكافحة الإرهاب على الحركات العنيفة مثل داعش والقاعدة، متجاهلاً تماماً البنى الفكرية لتيارات الإسلام السياسي "غير العنيفة"، ويعود هذا التجاهل إلى إرث أمني بريطاني قديم يرى في الجماعات الإسلامية التقليدية، مثل الإخوان والكيانات المنبثقة عنها، أداة نافعة لمنع تطرف الشباب وانزلاقهم نحو الإرهاب المادي.
هذه المقاربة، التي يصفها التقرير بنظرية "شين فين الإسلامي" (تيمناً بالجناح السياسي للجيش الجمهوري الأيرلندي)، تقوم على فرضية واهية تفيد بأنّ فتح قنوات الاتصال والتعاون مع الإسلاميين غير العنيفين كفيل باحتوائهم وتحويلهم إلى وسطاء سلام داخل مجتمعاتهم.
لكنّ التجربة التاريخية أثبتت عقم هذه النظرية؛ إذ تبين أنّ هؤلاء الوسطاء المفترضين يستخدمون الاعتراف الرسمي لتعزيز نفوذهم وسيطرتهم على الجاليات، وتأسيس كانتونات ثقافية واجتماعية منعزلة، ممّا يسهم في خلق بيئة مثالية للتطرف اللاحق عوضاً عن تجفيف منابعه. إنّ مساواة حركة إيديولوجية شمولية عابرة للحدود مثل الإخوان بحركة قومية محلية مثل "شين فين" تمثل خطأ استراتيجياً فادحاً في حسابات الأمن البريطاني.
إرث "جينكينز-فار" وعقم استراتيجيات الاحتواء
يعيد اللورد جودسون التذكير بالمراجعة الشهيرة لملف الإخوان المسلمين التي أمر بها رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون وقادها السير جون جينكينز والسير تشارلز فار، ورغم مرور السنوات تظل الخلاصة الجوهرية لتلك المراجعة صالحة وراهنة، وهي أنّ سياسة "الاحتواء" والتعاون مع الإسلاميين لم تسفر أبداً عن تغيير قناعاتهم أو تعديل سلوكهم، بل على العكس تماماً؛ نجحت الجماعة من خلال قنوات التواصل الرسمية في تشكيل السياسات البريطانية وتوجيهها لخدمة مصالحها التوسعية، تحت شعار "نحن لا نغير أفكارهم، بل هم من يغيرون أفكارنا".
إنّ الفشل في تبنّي خلاصات مراجعة "جينكينز-فار" وتطبيقها بشكل صارم يعكس هيمنة تيار بيروقراطي في الخدمة المدنية يفضل الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع كافة الأطراف لتجنب الصدامات المباشرة، وهذا النزوع البيروقراطي نحو التهدئة يغفل حقيقة أنّ جماعة الإخوان المسلمين تجيد "التقية السياسية"، وتتقن تقديم خطاب مزدوج؛ خطاب ليبرالي منفتح موجه لصناع القرار الغربيين باللغة الإنجليزية، وآخر تعبوي إيديولوجي موجه للقواعد باللغة العربية، يرسخ مفاهيم المفاصلة والعداء للدولة الوطنية وقيم التسامح.
"العجز المكتسب" ومتاهة البيروقراطية في دهاليز "وايت هول"
ينتقل المقال إلى قراءة الواقع السياسي الحالي في ظل حكومة حزب العمال، مشيراً إلى وجود صراع صامت داخل أروقة السلطة، فبينما يدرك جناح داخل الحزب "تحديداً الجناح البراغماتي المحيط بمدير الاستراتيجيات كير ستارمر" خطورة تغلغل الإسلام السياسي ويسعى لتطبيق استراتيجية مكافحة التطرف والتماسك الاجتماعي "حماية ما يهم" مع الاحتفاظ بالتعريف الصارم للتطرف المتفق عليه سابقاً، تواجه هذه الرغبة السياسية حائطاً صدوداً من البيروقراطية المتكلسة في "وايت هول".
ويطلق جودسون على هذه الحالة تعبير "العجز المكتسب للمنظومة"؛ حيث تتملص المؤسسات الحكومية من مسؤولياتها القانونية والأمنية تجاه مواجهة الكيانات المرتبطة بالإخوان، خوفاً من الدخول في نزاعات قضائية مكلفة بتهم التشهير، أو التعرض لاتهامات بـ "العداء للمسلمين".
ويؤدي هذا الخوف البيروقراطي إلى ضياع استراتيجيات مواجهة التطرف في "وادي الموت" الفاصل بين وزارة الداخلية وجهاز الاستخبارات ووزارة المجتمعات والجهات الرقابية مثل "أوفستد"، ممّا يمنح واجهات الجماعة مساحات حركة واسعة ومحصنة قانونياً، ويستشهد الكاتب بالاضطراب الفكري لوزير الدولة بوزارة الداخلية، اللورد هانسون، الذي أقر في البداية بمسؤولية الإخوان عن نشر معاداة السامية في بريطانيا، قبل أن يتراجع سريعاً تحت وطأة الضغوط البيروقراطية ليلتزم بالصيغة الروتينية التي تتفادى تسمية الجماعة علناً.
نهاية "الاقتصاد الزائف" وكلفة تجاهل المنبع
يخلص التقرير المنشور في "ذا سبيكتاتور" إلى نتيجة جوهرية تتفق مع الخط التحليلي لمنصة "حفريات"؛ وهي أنّ السياسة البريطانية الحالية تجاه الإسلام السياسي تمثل "اقتصاداً زائفاً وخطيراً" في التعامل مع الأمن القومي، فالاكتفاء بمطاردة الخلايا الإرهابية المسلحة مع غضّ الطرف عن المؤسسات والجمعيات التي تزرع الفكر المتطرف في العقول يمثل معالجة للأعراض وتجاهلاً للمرض الحقيقي.
إنّ التسامح مع "الإسلام السياسي غير العنيف" وتوفير الملاذات الآمنة لشخصياته وواجهاته في لندن تحت ذريعة حرية التعبير أو سياسة الاحتواء، لا يؤدي إلا إلى استدامة تدفق المتطرفين وتعميق الانقسام داخل النسيج المجتمعي البريطاني.
وما تشهده شوارع المدن البريطانية من استقطاب وتوترات متزايدة وحوادث كراهية ليس سوى الثمار المرة لتلك السياسة المتراخية، ممّا يفرض على صانع القرار في لندن تجاوز حالة "العجز المكتسب" واللحاق بركب الواقعية الأوروبية قبل فوات الأوان.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%86_2_0_0_0.jpeg.webp?itok=p0gqQ4WW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7%20_0_3.jpg.webp?itok=U4V355jo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_1.png.webp?itok=FCHpKJl8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9%20_0_0.jpg.webp?itok=jtPJQOa0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7_7_2_0.jpg.webp?itok=MRdVXkL-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_178_0_0_0.jpg.webp?itok=N5m8JDRL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_1_0_0_0_0_3_0_1_0_0.jpg.webp?itok=e81gh-VT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_3_0.jpg.webp?itok=iG8Vg3HI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_1_2_1_2.jpg.webp?itok=SEFBpa2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/df7b21c6-2c34-41f6-818c-b305e51aae4b_0.png.webp?itok=E5AJxWY2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/6b323b01-d424-4286-b3ec-de39f4e24f60.png.webp?itok=yAAiE1XX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=NVFZIg7-)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_11_1_10.jpg.webp?itok=Df8VuPuW)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0.jpg.webp?itok=KsUddOOW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_3.jpg.webp?itok=KE0VCaW3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_3.jpg.webp?itok=xVE89XIG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/55_9.png.webp?itok=gQ-7AvcP)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D9%81%D9%88%D8%B1_3.jpg.webp?itok=wrsAg3D5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/hrmz_1_0_5_1.jpg.webp?itok=TKlST296)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)