مسلسل Wild Wild Country: يُسائل الديمقراطية الأمريكية

مسلسل Wild Wild Country: يُسائل الديمقراطية الأمريكية

مشاهدة

23/10/2018

ترجمة: محمد الدخاخني


حظي المسلسل الوثائقيّ Wild Wild Country، الّذي أنتجته شركة نتفليكس وحصل على جائزة الإيمي، بثناءٍ مُستحقّ واسع النّطاق منذ إطلاقه في وقتٍ سابق من هذا العام.

وعلى نحو منعش، لا يتقصّد هذا المسلسل الوعظَ، ويتعاطى بدفءٍ مع ضيوفه من المُحاوَرين متجنّباً الحكم على أفعالهم، ويتبنّى منهجيّة تروم تحديد ما هو غريب (الفِرَق الدينيّة الصّغيرة! المطاعم المسمّمة! الحبّ الحرّ!) واستعماله في السّرد، وتوجيه المشاهدين نحو تأمّلٍ لبعض المفاهيم المُسكِرة إلى حدّ ما.

اقرأ أيضاً: فيلم "بيروت": السرديّة الأمريكيّة عن الحرب الأهليّة اللبنانيّة

ويُعدّ موضوع Wild Wild Country متميّزاً من النّاحية التّاريخيّة -صراع يدور في أوائل الثّمانينيّات بين حركة دينيّة جديدة وسكّان ولاية أوريغون الأمريكيّة- وإنْ كان يحتوي على أصداء تاريخيّة تمتدّ من استعمار الأمريكيتين إلى معارك تدور في الوقت الحاضر حول حقوق التّصويت، والعدالة الاقتصاديّة، وعمليّات تحسين المناطق بغرض تغيير طبيعتها السّكانيّة والاجتماعيّة gentrification.

ويؤرّخ المسلسل لصعود وسقوط حركة دينيّة جديدة يقودها بغوان شري راجنيش (الذي سيُطلق عليه لاحقاً اسم "أوشو") وتديرها ما أناند شيلا، سكرتيرته ذات الشّخصيّة الكاريزميّة وصاحبة الّلسان الّلاذع.

الحركة، الّتي تأسّست في الهند في السّبعينيّات، أخذت تنمو بسرعة في العضويّة والثّروة على نحو جعلها تُثير انتباه السّلطات الهنديّة. ومن ثمّ عملت شيلا، سكرتيرة زعيم الحركة، على تنسيق انتقالها إلى الولايات المتّحدة. وعلى هذا الأساس، قامت المنظّمة بشراء مزرعة تبلغ مساحتها أربعة وستين ألف فدان في مقاطعة واسكو الرّيفيّة بولاية أوريغون، حيث حاولت بناء مدينة سيطلق عليها لاحقاً اسم "راجنيشبورام".

لا يقتصر عمل السّانياسيّين على بناء مزرعة ذاتيّة الاكتفاء بل بناء بلدة كاملة على تضاريس وعرة وقاسية جالبين الحياة إلى أرض قاحلة

على أنّ هذا الجهد سرعان ما دفع أتباع الحركة (الّذين أُطلق عليهم اسم "السّانياسيّين" أو "الرّاجنيشيّين") إلى نزاع ضار مع السّكان المحافظين المتقدّمين في السّن الموجودين في أنتيلوب، أقرب المدن إليهم. وفيما يحاول هؤلاء السّكّان وقف عمليّة تأسيس مدينة راجنيشبورام، تقوم المنظّمة ببذل مجهود مضاعف، شراء ممتلكات في أنتيلوب، وترشيح سانياسيّين لمناصب منتخبة، والسّيطرة على المدينة بشكل جوهريّ. وبعد ذلك تقوم المنظّمة بنقل آلاف المشرّدين إلى مزرعتها للتّأثير على انتخابات المقاطعة. ومع تزايد التّوترات، يتأجّج الوضع على نحو يؤدّي إلى تفجيرٍ لأحد الفنادق، وحالات تسمّم جماعيّ بالسالمونيلا، ومؤامرات تهدف إلى اغتيال بعض الشّخصيّات، ومحاولة فعليّة لقتل أحدهم. وفي نهاية المطاف، تنقسم المنظّمة ويُلقى القبض على بغوان ويُجبر على مغادرة البلاد. وعندها ينتصر سكّان أنتيلوب.

اقرأ أيضاً: أفلام عربية ترشحت للأوسكار

ومع ذلك، فإنّ المسلسل الّذي يمتدّ إلى ستّ حلقات لا يمثّل أيّ فانتازيا يمينيّة للقمع الأبيض والتّمرّد. والعين غير المتحيّزة لـ Wild Wild Country تدعو إلى اشتباك نقديّ مع الأحداث الّتي تمّ تصويرها، والّتي تمثّل صورة مصغّرة للرّأسماليّة في الغرب الأمريكيّ. فمن خلال عرض هذا التّاريخ في شكل غريب، يتحدّى المسلسل المشاهدين للتّصدّي لعنفه واحتمالاته، في الوقت الّذي يقدّم فيه عرضاً متناقضاً لإمكانيّات التّغيير في بلد يروّج لالتزامه بالدّيمقراطيّة، لكنّه في الواقع مرعوب منها.

لن يستوطنوا هنا أبداً

تصعب المبالغة بشأن الهويّة الأمريكيّة المحض لمستوطنة الرّاجنيشيّين في مقاطعة واسكو. فبإيحاء من رؤى تستبطن الولايات المتّحدة باعتبارها "أرض الوعد"، تتحرّك حركة راجنيش إلى المناطق الرّيفيّة في وسط ولاية أوريغون ساعيةً إلى التّسامح الدّينيّ، والفرص الاقتصاديّة، والتّحرّر من حكومة تشتبه في نشاطاتها. وتستفيد خطّتهم لإنشاء مدينةٍ من قوانين لها جذور في التّاريخ الرّائد لولاية أوريغون، الّتي ينصّ دستورها لعام 1857 على مواثيق "الحكم الذّاتيّ" الّتي تمنح المدن درجة كبيرة من الاستقلال إزاء كلّ من الحكومات الفيدراليّة وحكومات الولاية. فبموجب قانون الدّمج الصّادر في ولاية أوريغون عام 1893، يمكن لأيّ مجموعة تتكوّن من 150 مقيماً أن تصوّت من أجل اندماجها كمدينة واحدة - وهو ما كانت حركة راجنيش تأمل فيه تماماً. 

يؤرّخ مسلسل Wild Wild Country لصعود وسقوط حركة دينيّة جديدة يقودها بغوان شري راجنيش وتديرها ما أناند شيلا

يقوم الرّاجنيشيّون ببناء مستوطنتهم بشكل منهجيّ إلى حدّ كبير، وبالطّريقة نفسها الّتي شُكّلت بها جماعات أخرى عمداً بوحي من زعماء دينيّين، ومصلحين سياسيّين، وأكثر من مجرّد عدد قليل من الوكلاء. وكان أولئك الّذين يمتلكون المهارات الأساسيّة -مسّاحو الأراضي والمقاولون والأطبّاء وغيرهم- من بين أوائل المنتقلين إلى الموقع. وتلخّص شيلا الفلسفة التّقشّفيّة الّتي تدفع هذه الجهود قائلة: "الآن هو وقت العمل".

وهناك شيء من البطولة في عمل السّانياسيّين، حيث لا يقتصر الأمر على بناء مزرعة ذاتيّة الاكتفاء فحسب، بل بناء بلدة كاملة على تضاريس وعرة وقاسية، جالبين الحياة والحضارة، كما يقولون، إلى أرض قاحلة بشكل أصيل. وقد نعت محامي بغوان، سوامي بريم نيرن، الأمر بأنّه "تحويل الصّحراء إلى أرض خضراء"، وهي كلمات تبدو وكأنّها مأخوذة مباشرة من التّاريخ المتغطرس للاستيطان الأمريكيّ (أو من فيلم ويسترن للمخرج الرّاحل جون واين، الّذي كان قد صوّر أحد أفلامه بالفعل في الموقع المستقبليّ لراجنيشبورام).

أتباع الحركة الدينية بقيادة باغوان شري راجنيش في ولاية أوريغون

وبشكل يبدو تهكّميّاً، يثير احتضان السّانياسيّين للاستعارات الأمريكيّة الكلاسيكيّة الرّعب الشّديد من جانب سكّان أوريغون المحليّين، الّذين يرون من ناحية أخرى الرّوح الرّائدة باعتبارها مركزيّة لهويّة المقاطعة. وبالنّسبة إليهم، تكون عمليّة الاستيطان عبارة عن "غزو"، والشّرطة الرّاجنيشيّة عبارة عن "قوّة احتلال". وتتساءل رئيسة بلدية أنتيلوب، مارجريت هيل، هل يجب السّماح لمجموعة من المتطفّلين "بالقضاء حرفيّاً" على ثقافةٍ محليّة؟

إنّه سؤال ممتاز، لكن المرء يتساءل عمّا إذا كان هؤلاء السّكّان قد طرحوه عندما تعلّق الأمر بأهل واسكو في وسط أوريغون، الّذين سمّيت هذه المقاطعة باسمهم. وقد توفّيت آخر مُتحدّثةٍ بلغة الكيكشت، وهي لغة الواسكو، عام 2012. ووفقاً لما ذكره أولئك الّذين كانوا على مقربة منها في آخر حياتها، فقد كانت "تصحّح نُطق النّاس من فراشها في المستشفى".

اقرأ أيضاً: غاسبا نوي مخرج فيلم Climax: الجمهور لا يشغلني وفيلمي لا مكان له في أمريكا

ومن الجدير بالذّكر أنّ واسكو كانت طرفاً في معاهدة عام 1855 مع قبائل أوريغون الوسطى، والّتي تمّ توقيعها في ذي دالاس -وهو الموقع الّذي سيشهد لاحقاً الهجوم الرّاجنيشيّ سيئ السّمعة بالسالمونيلا. وبموجب المعاهدة، تنازلت الواسكو وقبائل أخرى عن 10 مليون فدان من الأراضي إلى الحكومة الأمريكيّة مع الحفاظ على مساحة قدرها 640,000 فدان أصبحت فيما بعد الحيازة الهنديّة المسمّاة "وارم سبرنغس". ومثلما ارتبطت مثل هذه المعاهدات بالتّوسّع نحو الغرب الأمريكيّ، فإنّ سيطرة حركة راجنيش على أنتيلوب تمّت عبر عمليّات قانونيّة أو على الأقلّ كان لها قشرة شرعيّة. فقد اشترت المنظّمة المزرعة الضّخمة في صفقة عقاريّة مباشرة وبدأت في الحصول على منازل وممتلكات أخرى في أنتيلوب من خلال كميّة كبيرة من السّيولة النّقديّة.

يوضّح المسلسل أنّ سكان أوريغون المحليّين كانوا راغبين في التّخلّص من أفكار الدّيمقراطيّة وحُكم القانون في الّلحظة الّتي هدّدت فيها امتيازاتهم الخاصّة

وما فعلته حركة راجنيش في أنتيلوب هو أيضاً مجرّد تطوّر بسيط لما يفعله مطوّرو العقارات والمضاربون العقاريّون يوميّاً في المدن في كافّة أنحاء البلاد. لقد كانت أسعار الأراضي زهيدة في هذه المنطقة، بل إنّ جزءاً كبيراً من المدينة كان معروضاً للبيع بالفعل -الفارق الوحيد أنّه لم يكن هناك مشتر متحفّز ومتحمّس. ثمّ حضرت الحركة وعرضت سعراً عادلاً، بل سخيّاً لمنازلهم، وعندها بدأ السّكّان في الرّحيل- وتغيّرت المدينة على هذا الأساس. وقد أعاد السّانياسيّون تسمية المطعم المحليّ إلى "زوربا البوذا" وشرعوا في تقديم طعام صحيّ بدلاً من البرغر. وبالرّغم من أنّ "زوربا البوذا" لم يكن مَشرباً يعرض جعة مخصوصة بأسعار مبالغ في ثمنها أو متجراً يقدّم حلوى مصّنّعة بشكل يراعي ذائقة معيّنة، إلّا أنّ التّأثير كان إلى حدّ كبير متطابقاً.

وكان هناك مُناظِر أخير: سكّان أنتيلوب الّذين لم يرحلوا شجبوا الانتقال في مصطلحات ثقافيّة، وليس سياسيّة واقتصاديّة بما يُناظِر التّركيز الخاطئ على الهيبيّين، بدلاً من المطوّرين، كوجهٍ لعمليّات تحسين المناطق بغرض تغيير طبيعتها السّكانيّة والاجتماعيّة gentrification. وكانت الاستجابة ملائمة، ربّما، بالنّظر إلى التّركيب العابر للطّبقات التّابع للتّحالف المناهض لحركة راجنيش، والّذي ضمّ أصحاب المزارع الأثرياء ومؤسّس شركة نايكي. فمن خلال اتّحادهم في معارضة متطفّلي العصر الجديد، شكّلوا تمرّداً من نوع ما لإخراج السّانياسيّين من الولاية.

سلِّح المشرّدين

سيكون من الإنصاف التّساؤل عمّا إذا كان Wild Wild Country يرسم ردّ الفعل على استيلاء حركة راجنيشي بطريقة إيجابيّة، واضعاً السّكان البيض المحافِظين في أنتيلوب كشعب مضطّهَد ومحاصر على يد غزاة أجانب.

لكن المسلسل يوضّح أنّ سكان أوريغون المحليّين، الّذين يدّعون أنّهم مؤيّدون للدّيمقراطيّة وحُكم القانون، كانوا في الحقيقة راغبين في التّخلّص من هذه الأفكار في الّلحظة الّتي هدّدت فيها امتيازاتهم الخاصّة. وتكشف الإشارات المتكرّرة إلى السّانياسيّين باعتبارهم "الشّرّ" و"القوّة الشّيطانيّة" إلى أنّ أنتيلوب ليست ملاذاً لحكومة علمانيّة ديمقراطيّة، بل موقع لحكمٍ مسيحيّ أبيض قائم يتعرّض لنزاع مؤقّت. وغنيّ عن القول أنّ هذه ليست خصوصيّة ينفرد بها ريف ولاية أوريغون.

اقرأ أيضاً: فيلم "جواب اعتقال": تناول نمطي لظاهرة التنظيمات الإرهابية

ويشير المسلسل إلى أنّ انزعاجاً عميقاً من الدّيمقراطيّة الجماهيريّة يغلي تحت سطح مدينتنا المشّرقة على التّل. فقاعدة "صوت واحد لشخص واحد" يجري الاحتفاء بها طالما أنّها لا تتحدّى بنى السّلطة الرّاسخة، المحلّيّة أو غيرها. وفي الّلحظة الّتي تتعرّض فيها السّلطة للخطر، تُلقى المجاملات الدّيمقراطيّة من النّافذة في نوبةٍ من ردّ فعل محض، ممّا يفضح الطّبيعة الهزليّة -وقد يقول البعض الزّائفة- للدّيمقراطيّة في الولايات المتّحدة.

ولا يتجلّى ذلك في أيّ لحظة أفضل ممّا كان عليه الأمر عندما قام الرّاجينيشيّون، على أمل استيراد كتلة تصويتيّة موثوقة تعزّز مصالحهم، بإرسال مبعوثين (وحافلات) إلى المراكز الحضريّة الرّئيسة لتجنيد المشرّدين. ومن خلال وعدهم بالحصول على الطّعام والمأوى والرّعاية الطّبيّة وقليل من الكرامة الشّخصيّة، كان الآلاف منهم  يستقلّون الحافلات متّجهين إلى راجنيشبورام، ممّا أدّى إلى زيادة عدد السّكان في مقاطعة واسكو بشكل كبير.

ماذا سيحدث لو أنّ المشرّدين والفقراء وغيرهم ممّن تركتهم الرّأسماليّة الأمريكيّة وراءها قد مارسوا فجأةً حقّهم في التّصويت بطريقة نَشِطة وقويّة؟

يعكس ردّ فعل السّكان والمسؤولين المحليّين حالة الذّعر اليمينيّ اليوم حول ما يسمّى بـ"تزوير الأصوات"، مع دعوات محمومة لزيادة متطلّبات الإقامة في ولاية أوريغون. (ويحذّر وليام غاري، نائب المدّعي العام للولاية خلال الفترة المعنيّة، على نحو ينذر بالشّر أنّ ولاية أوريغون "حينها والآن، في طليعة عمليّات التّصويت السّهلة"). في نهاية المطاف، يوقف المسؤولون صراحةً إجراءات تسجيل النّاخبين في المقاطعة، ممّا يمنع المشرّدين القادمين حديثاً -الّذين هم، كما هي الحال، من الملوّنين بشكل غير متناسب- من الانضمام إلى جمهور النّاخبين في واسكو.

من الواضح أنّ ما أناند شيلا ودائرتها الدّاخليّة كانت لديهم أسباب منبعها المصلحة الذاتيّة لدعوة المشرّدين إلى أوريغون، والقسوة الّتي عاملوهم بها في نهاية المطاف (تخديرهم والتّخلّي عنهم عندما يفشل جهدهم) تستحق الشجب. لكن هل كان أولئك الّذين جرى اختيارهم ونقلهم لممارسة حقوقهم "لا يصوّتون لمصالحهم"، كما تمضي العبارة؟ لقد عرضت منظّمة راجنيش على المشرّدين ما لم تفعله الرّأسماليّة الأمريكيّة: سقف فوق رؤوسهم، حياة خالية من جرائم الشّوارع، فرصة لمتابعة أنشطة أخرى غير مجرّد البقاء على قيد الحياة.

إن ما فعلته حركة راجنيش في أنتيلوب هو مجرّد تطوّر بسيط لما يفعله مطوّرو العقارات والمضاربون العقاريّون يوميّاً في المدن في كافّة أنحاء البلاد

إنّ دوافع شيلا كانت أنانيّة وأفعالها كانت مستغلّة، لكن خطّتها اعترفت بشكل صحيح بالسّلطة غير المستغَلّة لأولئك الّذين يملكون حقّ التّأثير في العمليّة السّياسيّة، ومع ذلك يتمّ منعهم من المشاركة فيها بسبب انعدام المساواة البنيويّ. يوجد اليوم أكثر من نصف مليون شخص بلا مأوى في الولايات المتّحدة، -وكما هي الحال مع 40 مليون أمريكيّ يعيشون في فقر- تقريباً لم يُعاملوا قطّ كجمهور من النّاخبين.

يطرح Wild Wild Country السّؤال التّالي: ماذا سيحدث لو أنّ المشرّدين والفقراء وغيرهم ممّن تركتهم الرّأسماليّة الأمريكيّة وراءها قد مارسوا فجأةً حقّهم في التّصويت بطريقة نَشِطة وقويّة؟ ماذا لو تمّ منحهم الفرصة للتّصويت لسياسيّين وسياسات تضع مصالحهم في المقدمة وفي المركز؟ ماذا لو جرى تمكينهم بدلاً من استخدامهم أو الإشفاق عليهم؟

إذا كنت واحداً من ذوي النّفوذ، فإنّ التّحرير الجماعيّ للفقراء سيمثّل لك صورة مزعجة للغاية. وما يقترحه Wild Wild Country هو أنّ محاولات تحقيق القِيَم المُعلَنة للدّيمقراطيّة الأمريكيّة ستقابل ببرهان أنّنا نعيش في ظلّ نظام آخر تماماً.

راجنيش زعيم الحركة وأتباعه في الهند

التقِ الرّئيس الجديد

مع الاقتراب من نهاية Wild Wild Country، تَظهر لنا لوحة معدنيّة وُضعت في أنتيلوب "المحرّرة" لإحياء ذكرى صِدام أوائل الثّمانينيّات. وفيها يُختتم النّقش القصير باقتباسٍ كليشيهيّ (أنت تعرف الواحد) يُنسب إلى إدموند بورك. إنّه تضمين ملائم، بالنّظر إلى أنّ بورك كان منتقداً رجعيّاً للثّورة الفرنسيّة ومؤسّساً للفكر المحافِظ الحديث.

ولم يَعرِض سكّان أوريغون المظّفّرين مُطلقاً أيّ تلميح يدلّ على التّأمل الذّاتيّ النّقديّ خلال استعادتهم للأحداث المصوّرة في المسلسل. لقد عادوا إلى القمّة، وتمّ التّأكيد على الوضع السّياسيّ القائم، وهذا كلّ ما يهمّ. وهنا تصبح راجنيشبورم مجرّد معسكر للشّباب اليافع. أمّا الحكم المسيحيّ فقد تمّت استعادته.

إنّ تكثيف Wild Wild Country للتّاريخ الأمريكيّ يشير إلى وجود عَلاقة واضحة بين الاستعمار الاستيطانيّ في القرن التّاسع عشر، والتّحسين الحضريّ المعاصر، وما يُسيّر من أجل الحكم الدّيمقراطيّ الّليبراليّ في الولايات المتّحدة. ويتمثّل الاستنتاج المنطقيّ في أنّ ما تغيّر منذ غزو الغرب أقلّ ممّا كنّا نعتقد: فأولئك الّذين استفادوا حينها يستمرّون في الاستفادة الآن. تلك ملاحظة مشحونة سياسيّاً، تتلاءم مع وقتٍ تتعرّض فيه حقوق السّكان الأصليّين للتّهديد، ويُطرّد أبناء الطّبقات العاملة من المدن، وتجري معاملة المشرّدين باعتبارهم مجرمين، ويعرّض الملايين لخطر الحرمان المُمنهج.

لا يّقدّم Wild Wild Country مساراً سياسيّاً للخروج من هذه الدّوامة، ولكنّنا نعرف الطّريق الواضحة: التّنظيم، التّنظيم، التّنظيم. فالآن هو وقت العمل.


المصدر: جون كارل بيكر، جاكوبين

الصفحة الرئيسية