صورة الجسد في وعي المرأة الريفية بين الدين والأعراف الاجتماعية

3079
عدد القراءات

2018-01-21

مسألة زيّ المرأة من المسائل الشائكة ودائمة الجدل؛ نظراً إلى رمزية الزيّ الدالة على الهوية المجتمعية والدينية، وتحميل الجسد الأنثوي عدة تناقضات، مثل: الشرف والعار، الازدراء والاشتهاء، الطهارة والدنس، الكيد ونقصان العقل.  
غير أنّ المرأة تحب البهجة بطبيعتها، وتتلمس بواطن جمالها المادية بداخلها، ولديها رغبة دائمة في إظهارها بجلّ صورها وأبهاها، إلّا أنّها ترتطم بضوابط الزي؛ الاجتماعية والدينية، فلا ترضخ لها، ولا ترفضها صراحةً، إنّما تتحايل عليها بعدة أساليب.

في بعض المناطق الريفية لازالت بعض الأسر تترك بناتها دون حجاب حتى سنّ الزواج

فالمرأة الريفية لا تلتزم بارتداء الحجاب الشرعي المُسمّى "نقاباً وخِماراً"، وتتزين كلّ صباح بكحل يُسمّى الفرعوني أو العربي، وتستخدم الصابون المعطر وبعض تركيبات العطور الشعبية، وتذهب إلى نساء القرية الماهرات لإزالة الشعر الزائد من جسدها ووجهها، وتهذّب حاجبيها، وتصبغ شعرها، وترسم على جسدها بالحناء، ومعظم النساء المُسنّات لازال الوشم يزين معاصمهن وأسفل شفاههن، رغم تحريم ذلك دينياً، ولا زالت المرأة الريفية تخرج إلى الحقل وهي ترتدي عباءة فضفاضة، لكنّها محددة ببعض الخطوط والرسومات التي تُظهر معالم جسدها، وفي مواسم الحصاد أو الزراعة، لا سيما الصيفية كالأرز، أو حين تخرج لتنظيف حاجياتها المنزلية على ضفاف الممرات المائية، كالترع والأنهار وأحواض الري، تنحني بجسدها، وتشمّر عن ساعديها وساقيها، في مشهدٍ اجتماعيّ مبهجٍ يجمع عدداً من نسوة القرية، يتحاورن فيه عن شؤونهن الخاصة بأولادهن وأزواجهن، وتدبير أعمالهن، ويتداولن أخبارهن، وربما يتواعدن بالزيارات لبعضهن.
وفي بعض المناطق الريفية وأطراف الحضر، لازالت بعض الأسر، التي تتباهى بجسد فتياتهن وشعرهن الجميل، تترك بناتها دون حجاب حتى سنّ الزواج، باستثناء مواقيت الدوام المدرسي الذي يجبرهن على ارتداء غطاء الرأس بشكلٍ موحّدٍ، وبعد الزواج تضع الفتاة غطاء الرأس على استحياء، دون تغطية الشعر بالكامل، وتستمر بارتداء التنورة والجينز والقمصان الملونة المبهِجة.

بمناقشة بعض النسوة عن مسألة شرعية ارتداء الحجاب أقرّت معظمهن أنّه ضروري كي ينلن الاحترام الاجتماعي

وبمناقشة بعض النسوة عن مسألة شرعية ارتداء الحجاب وتحريم التخلي عنه، أقرّت معظمهن أنّه ضروري كي ينلن الاحترام الاجتماعي، بأن يسترن أجسادهن من أعين الرجال، فبدون الحجاب يشعرن أنهن عاريات، وأجابت إحداهن بواقعية حاسمة عن سؤال: هل توافقين أن تتخلى ابنتك عن حجابها؟ فقالت:"كان جوزها يطلقها"، لم تشر إلى الدين في تحريمه أو إباحته، إنّما أشارت إلى البناء الاجتماعي والسلطة الأبوية التي تهيمن على وعيها وواقعها.
أخريات رأين أنّ الحجاب فرض من الله يجب الالتزام به، حتى وإن كُنّ غير مقتنعات بارتدائه، إلى أن انتهى الحوار بإقرارهن بأنّ مسألة الحجاب هي مسألة اجتماعية في المقام الأول، ونظرت إحداهن إلى المسألة بمعيارية جمالية بحتة؛ إذ قالت إنّ ما يمنعها من ارتداء الحجاب الشرعي، المُسمى "خِمار"، هو أنّه لا يناسب جسدها الطويل، وأنّها عندما جربت ارتدائه جعل شكلها قبيحاً، فلم تعد إليه مجدداً.

تستغل المرأة في بعض الأرياف كافة المناسبات، الاجتماعية والدينية، في خدمة مسألة الزواج

وتؤهّل النساء بناتهن، منذ الصغر، ليكُنّ زوجات وأمهات، ويخضعن لسلطة آبائهن، ثم إخوانهن الذكور، حتى لو كانوا يصغروهنّ في العمر، ويُقاس نجاح البنت وتميزها بدرجة جمالها الجسدي وزواجها المبكر، لذلك توافق معظم الأمهات على زينة بناتهن الصغيرات، وتحايلهن على الحجاب، ويوفرن لهن مستحضرات التجميل، ويصبغن شعورهن بالألوان المختلفة، ممّا قد يظهرهن بشكلٍ جماليّ مفتعلٍ لا يتناسب، على الإطلاق، مع أعمارهنّ أو حجابهنّ، ويوافق آباؤهن على ذلك، ما دامت المسألة "براجماتية"، الهدف منها الزواج، رمز تحققهن الاجتماعي، ما ينعكس على ارتفاع نسب معدلات زواج القاصرات في ريف مصر، وصعيدها وأطراف الحضر.
 وتستغل المرأة في تلك الأماكن كافة المناسبات، الاجتماعية والدينية، في خدمة مسألة الزواج؛ فمثلاً، وبخلاف حفلات الزفاف والخطوبة، تلتقي النساء وفتياتهن في المساجد خلال شهر رمضان بكثافة، لأداء صلاة العشاء والتراويح، وكذلك الأعياد؛ حيث يخرجن إلى الميادين العامة في كامل زينتهن بهدف التعارف، فيما بينهن واختيار العروس، وفيما يُسمى "الجمعة اليتيمة"، وهي الجمعة الأخيرة من شهر رمضان، تتم زيارة مسجد إبراهيم الدسوقي بأعداد هائلة من النسوة تتواجد بالمسجد وساحاته، وبالاقتراب منهنّ سألنني: هل أنتِ عزباء أم متزوجة؟ لأنهنّ خصصن مكاناً للفتيات غير المتزوجات في الدور العلوي من المسجد، من أجل التعارف، بغرض الزواج.

يحظر على الفتيات الصغيرات غير المتزوجات التحدث، أو الاستماع، إلى أية مسائل تتعلق بالجنس

ويَعقب الزواج مسألة ممارسة الجنس، وهي من التابوهات الاجتماعية والدينية المحظور الحديث في شأنها بشكلٍ معلنٍ صريحٍ، ويحظر على الفتيات الصغيرات غير المتزوجات التحدث، أو الاستماع، إلى أية مسائل تتعلق بالجنس، كي لا تتفتح مداركهن للشهوة، فيقعن في المحظور، ورغم ذلك فبمقدور الثقافة الشعبية أن تتحايل على أية تابوهات، بما فيها التي صنعتها بنفسها، وهذا ما نلمسه في أغاني النساء يوم حنة العروس، وفي ليلة الزفاف والصباحية، خاصة في الصعيد، برموز وكلمات تشير بالتورية إلى العلاقة الجنسية وتفاصيلها بين الزوجين، ودائماً ما تستعير الأغاني التراثية مسميات الفاكهة التي تأخذ الشكل الدائري، ذات اللون الوردي أو الأحمر؛ كالرمان، والعنب، والمشمش، وخلافه، وذلك كتعبيرٍ رمزي عن جمال أعضاء الجسد الأنثوي. وتُعد تلك الأغاني تراثاً مصرياً عظيماً، يعكس كثير من عادات وتقاليد المجتمع المصري، لا سيما الإطار الذي يحكم الأسرة، ويصف ماهية العلاقة الأساسية في بنائها، إضافةً إلى كونها توعية جنسية غير مباشرة، تُلقَّن في ظلّ سلطة المجتمع ورايته. 
وبعد الزواج، يصبح من حقّ المتزوجات أن يعبّرن، في مجالس النساء المُغلقة، عن ممارساتهن الجنسية، وأن يستشرن بعضهن في المسائل الخاصة بها، ويمرّ الحديث مرحاً مبتهجاً بالنظرات الغامزة والضحكات الصاخبة، وتبادل العبارات والرموز الجنسية بمصطلحات ومفردات فَجة، وتتعلم الفتيات، منذ صغرهن، إيقاعات وحركات الرقص الشرقي، ويمارسنه أحياناً بشكلٍ علني في حفلات الحنة والزفاف؛ إذ يُعدّ الرقص من المهارات الأنثوية التي تجب إجادتها وممارستها في العلاقة الزوجية، إضافةً إلى قيمته المعنوية لدى المرأة كطاقةٍ كونيةٍ ممدودةٍ تحمل في ثناياها تاريخها المقدس وتمردها على الواقع، وكصلاةٍ تمارسها دون وعي، تتشابه في أثرها النفسي، بالنّسبة إلى بعضهن، مع حالة الوجد الصوفي الذي يصل إليها الدرويش في رقصة سما. 
 

لقراءة البحث الخاص في تدين المرأة الشعبية في مصر ..عادات أم عبادات؟

انقر هنا

اقرأ المزيد...

الوسوم: