محب الدين الخطيب.. ماذا تعرف عن مستشار حسن البنا الفكري؟

محب الدين الخطيب.. ماذا تعرف عن مستشار حسن البنا الفكري؟

مشاهدة

02/03/2020

يعدّ محب الدين الخطيب من أوائل الذين قاموا بنشر الفكر السلفي في مصر والعالم العربي؛ حيث طبعت مكتبته السلفية، كتباً تراثية ومجلات تروج للفكر السلفي؛ من الفتح ورئاسته تحرير مجلة الإخوان المسلمين، ومجلة الأزهر، بالإضافة إلى مئات المقالات، التي ساهمت في تجهيز المجتمعات العربية والإسلامية لقبول الفكر السلفي، وقد دفع الخطيب تلميذه؛ محمد حامد الفقي، لإنشاء جماعة أنصار السنة المحمدية، لتقوم بالدور ذاته، وقد كان الخطيب وراء تأسيس جمعية الشبان المسلمين، التي كان من المفترض أن تقوم بدور تثقيفي جهادي كما يزعم القريبون من فريق التأسيس، فضلاً عن دعمه حسن البنا لتأسيس جمعية الإخوان المسلمين، وعمله مستشاراً ومرشداً فكرياً للبنا حتى مقتله، وفي نهاية مشواره دفع بآخر تلاميذه؛ محمد اسماعيل المقدم، لإنشاء المدرسة السلفية العلمية في الإسكندرية.

اقرأ أيضاً: الإسلامي الليبرالي محمد توفيق علاوي: هل يستقيم مع داعميه المسلحين؟
بيد أنّ مسار الخطيب النهائي، يتناقض مع توجهاته المبكرة؛ حيث بدأ قومياً عروبياً، وظل محتفظاً بمظهره العربي المتمدن، ورغم سلفيته الفكرية، لم يهتم بقضية الهدي الظاهر، فلم يعف اللحية أو يرتد الجلباب، بل ظل حليقاً يرتدي البزة الإفرنجية.

 محب الدين الخطيب
وفي ظل الاحترام الذي يكنّه له القوميون والإسلاميون على حد سواء، تنزوي لحظة تحوّل الخطيب من القومية العربية إلى الإسلاموية المتشددة، وقد يمنحنا إدراك سر تحوله هذا، تفسيراً لتنامي الظاهرة الإسلاموية في المجتمعات العربية والإسلامية، ويكشف عن الطبيعة الجذرية للفكر الماضوي الكامن.
المولد والنشأة
ولد محب الدين الخطيب في حي القيمريّة، في دمشق عام 1886، وهو ابن الشيخ أبو الفتح الخطيب، الذي كان من رجالات دمشق، وعمل أميناً لدار الكتب الظاهرية، حيث عانت سوريا في ذلك الوقت من التهميش والفقر والعزلة، كسائر الولايات العثمانية.

يعدّ محب الدين الخطيب من أوائل الذين قاموا بنشر الفكر السلفي في مصر والعالم العربي

وتوفيت والدة الخطيب قبل أن يتم السابعة، فألحقه والده بمدرسة الترقي النموذجيّة الابتدائية، وبعد وفاة الأخير، قام الشيخ طاهر الجزائري برعايته، حيث تأثر الخطيب بتوجيهات الجزائري العربية ذات الطابع الديني، فقد كان القوميون العرب يجدون في إحياء التراث الإسلامي انتصاراً للعروبة ضد ممارسات العثمانيين التي تستهدف تتريك العرب، في ظل بداية نمو الوعي القومي العربي ودعوات استقلال الدول العربية عن الدولة العثمانية.
وأنهى الخطيب دراسته الثانويّة عام 1905 في بيروت، ثم انتقل إلى إسطنبول "عاصمة الخلافة في ذلك الوقت"، ليلتحق  بكليتي الآداب والحقوق.
صدمته بالعرب المقيمين في تركيا
عاش الخطيب في حي يكثر فيه أبناء العرب المغتربين للدراسة، ورأى هناك جهل الطلاب العرب بقواعد لغتهم وإملائها وآدابها، حيث يتكلّمون بينهم برطانة الترك، فتخيّر مجموعة من الشباب وأقنعهم بوجوب تعلّم لسان العرب، واتفق مع صديقه الأمير عارف الشهابي أن يعلما هؤلاء الشباب لغتهم العربية، وبعد فترة أسسوا "جمعية النهضة العربيّة"، وكان صديقه العلامة الأستاذ؛ محمد كرد علي يرسل إليهم الصحف العربية بالبريد (1).

اقرأ أيضاً: مصطفى محمود: رحلة بين الشكّ والإيمان لم ينتهِ الجدل حولها
وحين شعر الأتراك بنشاط الجمعية، داهموا غرفة الخطيب ووجدوا فيها أوراقاً وصحفاً عربيّة، وقد نصحه الضابط التركي الذي داهم غرفته بالرحيل من تركيا لأنهم يتتبعونه، وبعد انتهائه من السنة الثانية، غادر إسطنبول إلى دمشق، خوفاً من إلقاء القبض عليه، فوجد شيخه طاهر الجزائري قد فر إلى مصر.

رغم سلفيته الفكرية، لم يهتم الخطيب بقضية الهدي الظاهر، فلم يعف اللحية أو يرتد الجلباب

وبعد استقراره في دمشق، قرّر الخطيب استكمال مسيرته العروبية، فأسس فرعاً من جمعيته؛ "النهضة العربية"، وظل مداوماً على عقد حلقات التعلم في نفس الأماكن التي كان يعقد فيها أستاذه؛ طاهر الجزائري، وكان من رواد هذه الحلقات؛ سليم الجزائري، أحد أقارب الشيخ طاهر، وفارس بك الخوري، وفي إحدى الجلسات رشحه الأول للعمل مترجماً للقنصل الإنجليزي في اليمن.
وتجهّز الخطيب بالفعل للسفر إلى اليمن، وكان لا بدّ من المرور بمصر، فمكث في القاهرة طوال شهر تشرين الأول (أكتوبر) 1907، حيث التقى بشيخه طاهر الجزائري، وصديقه محمد كرد علي، الذي كان يكتب في جريدة "المؤيد" للشيخ علي يوسف، وتعرّف على "رفيق العظم"، ثم دبّر له الأخير لقاءً مع رشيد رضا، الذي أعجب به جداً، ودعاه للانضمام إلى جمعيته السرية.

 

تأثير الجمعيات السرية على توجهات الخطيب
في ذلك الوقت، كانت الجمعيات السرية التي تناضل ضد الأتراك العثمانيين، متعددة، ولعلّ أشهرها "جمعية الشورى العثمانية"، التي أسسها رشيد رضا ورفيق العظم، وبعض السوريين الفارين إلى مصر، فانضم إليهم محب الدين الخطيب، حيث طالبه رشيد رضا بافتتاح فرع في اليمن، يضم المواطنين الصالحين.

وجد القوميون العرب في إحياء التراث الإسلامي انتصاراً للعروبة ضد ممارسات العثمانيين التي تستهدف تتريكهم

وسافر الخطيب إلى اليمن حيث التقى هناك بالقنصل الإنجليزي، وأعجب به وبثقافته، ولمّا استقر في البلاد، مارس تجنيد من رآه مناسباً للجمعية السرية، وعندما أسرف في تجنيد الأطباء والضباط، نبهه العظم إلى تذكير المنضمين بأهم شروط الجمعية؛ قتل الخائن الذي يفشي سرها، ثم نَصحهُ بزيادة الفدائيين من الطبقة الدنيا "البسطاء والحرفيين"، فهم أهلٌ للثقة والإيمان أكثر من الطبقة العليا(2).
ولمّا أُعلن الدستور العثماني "المشروطية"، عام 1908، تسرّع الخطيب وأعلن أن فرع جمعية الشورى السرية في اليمن، هو فرع جمعية الاتحاد والترقي، وحاول إنشاء مجلة في اليمن، لكنه واجه صعوبات مع أعضاء الجمعية، ليعود إلى دمشق، ويطالب مع إخوانه هناك بحقوق العرب، التي تنكرت لها حركة التتريك، الأمر الذي نبّه السلطات الحكوميّة له، فآثر السفر إلى إسطنبول يوم 13 نيسان (أبريل) 1909، فأمرت الحكومة بملاحقته، لينتقل إلى القاهرة في نفس العام.

اقرأ أيضاً: شكري مصطفى: الشاعر الرقيق والقاتل المتوحش الذي أنجب التكفير والهجرة

وفي القاهرة، عمل في جريدة المؤيد، بواسطة رشيد رضا، وأحمد بك تيمور، وفي عام 1911، أنشأ حزب اللامركزية مع بعض السوريين المقيمين في مصر، وبحسب رشيد رضا، فإنّ حزب اللامركزية كان يراد به خدمة الدولة والبلاد العربية معاً؛ "كان سبب تأسيسه ما أنذرت به الحرب البلقانية العثمانية من توقعات زوال الدولة، وكان يعتقد أن الدولة العثمانية، لا يمكن أن تعيش طويلاً، إذا أصرت على شكل حكومتها المركزية، وتحكيم الترك في جميع شعوب الدولة"(3).

دعم الخطيب حسن البنا لتأسيس جمعية الإخوان المسلمين كما عمل مستشاراً ومرشداً فكرياً له حتى مقتله

كما اشترك الخطيب في الجمعية السرية "العربية الفتاة"، ومقرها باريس، حيث كان معتمدها في القاهرة، وكان رقمه السري (28)، حيث يتلقى التعليمات من مسؤوله المباشر؛ عبد الغني العريسي (رقمه السري 21)، وتتمثل شروط هذه الجمعية بالسرية والكتمان والإيمان بالقومية العربية وإطاعة قرارات الأكثرية دون قيد ولا شرط.
ولم تكن الجمعية متاحة للجميع، ومن الصعب الانضمام إليها، حيث يتم اختيار العضو الجديد من قبل عضو سابق أولاً، الذي يُقدّم تقريراً عن الأول، حتّى تتم دراسته بشكل واف كعضوٍ منتسب، ثم يعهد إلى شخصين من أعضاء  الجمعية (الشخص الذي رشحه، وعضو آخر يتم اختياره من قبل المؤسسين)، ليقوما بدراسة كافة أحواله، وملابساته، ونزعاته في مبادئة الوطنية، وصلابة أخلاقه، ليُدعى أخيراً إلى تأدية القسم أمامهما فقط، حيث لا يحق له أن يعرف من أعضاء الجمعية غيرهما(4).

 

اتصاله بالإنجليز لمناصرة القضية العربية
ثمة وثيقة وجدها الباحث محمد عبد الرحمن برج، في أوراق محب الدين الخطيب، التي حصل عليها من أبناء الأخير، تثبت وجود اتصالات بين الجمعية السرية وأجهزة المخابرات الإنجليزية، وهي وثيقة صادرة عن الجمعية السرية العربية التي أسسها رشيد رضا، لتوحيد كلمة الأمراء العرب في الجزيرة، يطالبهم فيها بالاتحاد والوثوق بمطالب الإنجليز، والوقوف على الحياد وعدم مناصرة الدولة التركية، مُشيراً إلى أنّ الإنجليز لن يهاجموا المناطق العربية، مؤكداً على أنّ الحرب الكونية العالمية هي نعمة ساقها الله للعرب والمسلمين، مع شرح فضائل الاتحاد، الذي من الواضح أنه يخدم المصالح البريطانية.
تجربة السجن وتدخل الإنجليز لانقاذه
اختارت الجمعية العربية، والجمعية السرية للجامعة العربية، محب الدين الخطيب، للسفر إلى ابن سعود ومنعه من الانضمام إلى تركيا، حيث سافر إليه عبر الوصول إلى مقر المخابرات البريطانية في بومباي بالهند، ثم إلى الكويت، التي كانت تحت الحماية الإنجليزية، وهناك كان من المفترض الاتصال بالمقيم البريطاني، والعمل سوياً حسب البرقية التي أرسلها القائم بأعمال القنصل البريطاني؛ "شيتام"(5) ، لكن ولسبب ما، اعتقلته السلطات الإنجليزية في ميناء بوشهر، ليتم الإفراج عنه بعد تدخل المعتمد البريطاني في مصر.
انضمامه للثورة العربية بقيادة الشريف الحسين
عندما أعلنت الثورة العربية الكبرى، أثناء الحرب العالمية الأولى، قام الشريف الحسين بن علي بطلب الخطيب، فسافر الأخير إلى مكة، برفقة الضابط العربي في الجيش التركي، "نوري السعيد"، حيث أسس المطبعة الأميريّة، وأصدر جريدة القبلة، الناطقة باسم حكومة الحجاز، والتي كانت تحرّض على الثورة ضد الأتراك، فضلاً عن جريدة الارتقاء، وهي علمية أدبية تاريخية.

اقرأ أيضاً: يحيي أبو الهمام.. لماذا تنفست فرنسا الصعداء بعد مقتله؟
وقد تمكّن الجيش العربي من الانتصار على الأتراك في أكثر من موقعة، منها معركة العقبة التي مهدت الطريق إلى سوريا، حيث دخل الجيش العربي مدينة دمشق عام 1918، بقيادة الأمير فيصل، فانضم إليه محب الدين الخطيب، حيث أنيطت به إدارة وتحرير الجريدة الرسميّة للحكومة "العاصمة".
واشترك الخطيب مع الأمير فيصل في تجهيز الشعب السوري، وتدريبه على حمل السلاح بهدف مقاومة الجيش الفرنسي، ومنعه من دخول سوريا، فأنشأ اللجنة الوطنية العليا في دمشق وسائر البلاد السورية، والتي تضم 6 إلى 12 عضواً، وقد حظيت العاصمة بـ 48 لجنة، هدفهم، كما يقول الخطيب في مذكراته؛ "تحويل دمشق وسائر البلاد السورية الى ثكنات عسكرية، والأمة إلى أمة مسلحة".

 

 

الصدمة وهزيمة الحلم العربي
نظراً لأطماع فرنسا في سوريا، وقعت معركة ميسلون بين القوات العربية، يناصرها الشعبي السوري بأعضاء اللجنة الوطنية العليا، وبين القوات الفرنسية، ووقعت الهزيمة، وقد قتل في تلك المعركة؛ القائد العربي الشهير يوسف العظمة، ودخل الفرنسيون دمشق عام 1920، فغادرها محب الدين إلى مصر متخفياً في زي تاجر جِمال، يجرّ مرارة الهزيمة وضياع الحلم العربي.
لحظة التحول
في مصر، ظهر تأثّر محب الدين الخطيب  بفشل الثورة العربية والدولة العربية الكبرى، وفي نفس التوقيت تقريباً بدأ التيار السلفي بالظهور، متمدداً في الجزيرة العربية، فشاهد الخطيب وأدرك أهمية تكوين الجمعيات، سواء السياسية أو التربوية أو الدينية، وفَهِمَ أهمية التأثير في وعي الجماهير، وعلم أهمية تسليح الشعب وتدريبهم على القتال، كما أيقن أنّ العمل مع الإنجليز يوفر الحماية والتمويل، فقرّر ألا يكون في صدارة أي مشهد سياسي أو ديني  أو اجتماعي، واختار لنفسه طريقته في الحياة؛ وهي العمل من خلف الستار، للتأثير غير المباشر على الشباب حتّى يؤمنوا بما آمن به.
اختيار الفكر السلفي بديلاً عن القومية العربية
عمل الخطيب في تحرير جريدة الأهرام لمدة 5 أعوام (1920 -  1925)، أي حتّى العام الذي توفي فيه رفيق العظم؛ صديقه وزميله في الجمعيات السرية، وربما كان لرشيد رضا دور في توجهات محب الدين الخطيب نحو الفكر السلفي، إلّا أن الأقرب، ربما، هو شعوره بهزيمة المشروع العربي، وأنّ فكرة إحياء تراث السلف قد تكون تعديلاً للانتماء العروبي، فقرّر التحوّل واختيار الفكر السلفي بديلاً عن القومية العربية، وأنشأ المكتبة السلفية ومجلة الفتح، ودفع عام 1926بتلميذه؛ محمد حامد الفقي، لتكوين جمعيته الشهيرة "أنصار السنة المحمدية"، كما عمل في العام التالي، مع الكثير من الوجهاء، على تأسيس جمعية جديدة لتربية النشء العربي، أسماها "جمعية الشبان المسلمين"، التي تهتم بصفوة شباب المجتمع المصري، ثم في عام 1928، دفع مريده وتلميذه؛ حسن البنا إلى إنشاء جماعة الإخوان المسلمين، لتكون وعاء للبسطاء من العمال والحرفيين كما نصحه رفيق العظم.


الهوامش:
(1) محمد عبد الرحمن برج، محب الدين الخطيب ودوره في الحركة العربية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1990، ص 22
(2) المرجع السابق ، ص44
(3)  عثمان العظم ، مجموعة آثار رفيق بك العظم، من مقدمة رشيد رضا  عنه، مطبعة المنار  القاهرة 1925، ط 1
(4) محمد عبد الرحمن برج، محب الدين الخطيب ودوره في الحركة العربية، مرجع سابق  ص 76
(5)  مكي شبيكة، العرب والسياسة البريطانية في الحرب العالمية الأولى ، دار الثقافة  بيروت ،  1970

الصفحة الرئيسية