مصطفى محمود: رحلة بين الشكّ والإيمان لم ينتهِ الجدل حولها

مصطفى محمود: رحلة بين الشكّ والإيمان لم ينتهِ الجدل حولها

مشاهدة

12/12/2019

لثمانية وعشرين عاماً؛ استّمر الطبيب والكاتب المصري الراحل، مصطفى محمود، في تقديم أشهر برامج التلفزيون المصري "العلم والإيمان"، بعد حياة حافلة بالإسهامات الأدبية والعلمية والثقافية، اكتسب فيها الراحل شهرة إضافية، وأثار حالة من الجدل؛ كونه العائد من عالم الإلحاد، إلى عالم العلم والإيمان.

بدايات غير مبشرة

بجسد نحيل وعلل صحية، ولد مصطفى محمود، في مدينة شبين الكوم، بمحافظة المنوفية، في كانون الأول (ديسمبر) عام 1921، لأب من الطبقة الوسطى؛ حيث كان يعمل موظفاً لدى الحكومة، وله عدد كبير من الأبناء، كان الراحل أضعفهم بنياناً، حتّى إنّ الأطباء تنبأوا له بوفاة مبكرة، لكنّه خالف تلك التوقعات، ومنحته تلك العلة الصحية الوقت الكافي لأن يمضي وقته في القراءة والاطلاع، بدل الجري واللهو؛ إذ انتقل للدراسة بمدينة طنطا في محافظة الغربية، والتي كان الحضور الصوفي فيها طاغياً، وما يزال، كما أنّ فترة التحاقة بالمدرسة كانت زاخمة بالأحداث الثقافية والسياسية المهمة التي ساهمت في تكوينه، فالبلاد تشهد وفاة الزعيم الراحل، سعد زغلول، بعد أن كان رئيساً لوزراء مصر، وبداية تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، والتي كان لها الفضل في المدّ الإسلاموي الذي حدث لأبناء الريف المصري بشكل خاص، ولم يستثنِ الراحل منهم، ولضرب شعبية حزب الوفد الحاكم في مقتل، في ظلّ هذا التشوش والزخم، تكوّن وعي الكاتب الصغير.

نقاد مصطفى محمود: كان حرياً به نقد سياسات الانفتاح التي أفقرت المصريين، وهدمت المجتمع الزراعي- الصناعي الواعد في مصر الناصرية

مخالفاً التوقعات مرّة أخرى، تفوق الصبي في دراسته، وارتاد كلية الطب، وبدأ مسيرته الأكاديمية، التي أعيقت لـ 3 Hعوام، انعزل فيها داخل المستشفى بسبب مرضه الشديد، ما أتاح له فرصة الانعزال والعكوف على قراءة كلّ ما كان يقع تحت يده، متأثراً بالفلسفة الوجودية الوليدة في فرنسا.
في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وبعد تعافيه استأنف الدراسة مرة أخرى، حتى تخرّج بعد عام واحد من اندلاع ثورة يوليو 1953، والتي سيكشف الراحل لاحقاً عن عدائه لها في كتاباته، كما ساعدته دراسة الطبّ في استكشاف نفسه من جديد، فمع ارتياده المشرحة الطبية التي أرخ لأيامها في كتاباته، اكتشف جلال الموت في نفسه، حتى إنّ أول كتاباته المكتملة كانت بعنوان "لغز الموت"، عام 1959، وهي أشبه ما تكون بطرح فلسفي عن الموت، لم يخفِ فيها خلفيته الأكاديمية، والتي ترى الموت عبر الخلايا، بعيداً عن الروح،  لكنّه وقف متسائلاً فيها عن الإنسان وماهيته، وحقيقة الزمن والروح والوجود والعدم، بدا فيها متشككاً في الأديان وأجوبتها الجاهزة عن الحياة والموت، متأثراً بفلسفة ألبير كامو، وجان بول سارتر، رهبان الوجودية، إذ كان لكتاباتهم حضور كبير في فترة الأربعينيات والخمسينيات.

كاتب كثيف الاطلاع
لقارئ كتابات الدكتور مصطفى محمود أن يستشعر أنّه أمام كاتب يملك حساًّ أدبياً، وربما شاعرياً، أكثر من الشعراء، رغم خلفيته العلمية البحتة، وهو أيضاً كاتب مطلع على كلّ جديد في مجال علم النفس والاجتماع والسياسة والاقتصاد، وهو ما مكّنه من الكتابة في عدة صحف ومجلات قومية، منها: "روز اليوسف"، ومؤسسة "الأهرام"، و"أخبار اليوم"، وحصل منها على عضوية نقابة الصحفيين إلى جانب عضويته في نقابة الأطباء، وهنا وقع الصدام الأول بينه وبين الرئيس الراحل، جمال عبد الناصر، الذي فتح عليه محمود النار حتى آخر أيام حياته، ففي ظلّ اقتصاديات التأميم، وإعادة هيكلة الطبقة الوسطى المصرية، قرّر عبد الناصر ألا يسمح للمواطنين بالجمع بين أكثر من عضوية نقابية، فقرّر محمود التخلي عن عضوية الأطباء، والاحتفاظ بعضوية نقابة الصحفيين، واعتزال العمل الطبّي وتفرّغ للكتابة، وبعناوين نارية هاجم في "الأهرام" و"روز اليوسف" نظام عبد الناصر، منتقداً ما سمّاه النظام الحاكم بالناصرية، وعليه تمّ إيقافه عن الكتابة؛ حيث قال له رئيس تحرير مجلة "روز اليوسف"، الكاتب إحسان عبد القدوس: "اقعد في بيتك... دي أوامر".

اقرأ أيضاً: رحيل صالح علماني صوت الإسبانية العربي

كان الراحل على محطة جديدة من الخلاف مع عبد الناصر، لكن هذه المرّة ليس بسبب السياسة، بل بوشاية من المؤسسة الدينية الرسمية "دار الإفتاء"، إذ رفعت تقريراً إلى الرئيس عبد الناصر، بعد نشر كتاب الدكتور مصطفى محمود "الله والإنسان"؛ فالكاتب يتحدث عن الألوهية كفكرة في التاريخ الإنساني تتطور بتطور الإنسان والمجتمعات، وهذا ما أثار حفيظة رجال الدين، ما دفع عبد الناصر إلى تحويل التقرير المقدم من الأزهر إلى المحاكمة، لتكتفي المحكمة بمنع الكتاب من النشر والتداول، ليعاد طبعه فيما بعد، لكن بصيغة التوبة، في كتابه الأشهر "حوار مع صديقي الملحد"، لكن بعد قدوم الرئيس المؤمن، السادات، وما صديقه الملحد إلّا نفسه العائدة من الإلحاد إلى الإيمان، كما زعم، وطوال فترة منعه من الكتابة عكف على كتابة مسرحيات، كانت أشهرها: "الإسكندر الأكبر"، "الزلزال"، "الإنسان والظلّ"؛ إذ دارت جميعها في فلك الدولة الظالمة، وقمع الحريات الشخصية، فتكرر منعه من الكتابة كثيراً، فمع وقوع نكسة حزيران (يونيو) 1967، عاد الراحل بكتابه "لغز الحياة"، الذي بدا فيه متأثراً بكتابات داروين، ونظريات فرويد في الطبّ النفسي، ومنتقداً لها من وجهة نظر دينية.

الشكّ والإيمان
يستشعر القارئ؛ أنّ الشكّ والإيمان هما محور حياة مصطفى محمود، ولكن يبدو أنّ وفاة عبد الناصر كانت توقيتاً مناسباً لعودة مصطفى محمود إلى حظيرة الإيمان، ورحلته بينهما، التي نشرها في كتاب عام 1971، تبعها بحواره مع صديقه الملحد، وبينهما عدة محطات من الكتابات التي حاول فيها الجمع بين الدين والعلم، مستعيناً بخلفيته الأكاديمية، والتي ساعدته على كتابة روائع أدبية في الخيال العلمي، كان أهمها روايته "العنكبوت" (عام 1965)، التي تحولت فيما بعد إلى مسلسل تلفزيوني عرضه التلفزيون المصري، وأضاف إليها روايته "رجل تحت الصفر"، عام 1966، متحلياً فيها بروح الأديب الجامع بين اللغة المتقنة والمطلع العالم على أحدث نظريات الفيزياء، فكانت تلك الرواية محطته الأخيرة مع عبد الناصر، الذي كرّمه ومنحه جائزة الدولة التشجيعية في الأدب قبل أشهر قليلة من وفاته، فكان القارئ المصري والعربي على موعدٍ من كتابات أخرى غريبة على الدكتور مصطفى محمود، يفتح فيها النيران على المعسكر الشيوعي، خاصة في فترة حرب الاستنزاف التي تمّ طرد الاتحاد السوفييتي فيها من تواجده في مصر الناصرية.

حلقات مسلسل العنكبوت
ربما جاءت وفاة مصطفى محمود في وقت مناسب قبل أن يشهد انقلاب الشباب الذي تربّى على كتاباته، قبل ثورة يناير2011.
وعبّرت عبير هاشم (34 عاماً)، معلمة فلسفة في إحدى المدارس في القاهرة، عن رأيها لـ "حفريات": "لا أستطيع إنكار أنّ قراءاتي وتبلور وعيي في المرحلة الثانوية والجامعة، كان بفضل كتابات مصطفى محمود، الذي اتّسمت كتبه بسلاسة الطرح، فلم يكن من المتحذلقين، وهو ما دفع الآلاف من شباب التسعينيات، ومن كانوا في عمري، أن نقرأ له، لكن بعد تجربة ثورة يناير، وانكشاف غمامة الزيف الديني الذي تربينا عليه، وبدأت في مراجعة كلّ ما قرأت من كتبه، اكتشفت أنّه كان مجرد غطاء سياسي لنظام السادات الذي انقلب على ناصر".

اقرأ أيضاً: أنور عبد الملك.. واضع الاستشراق أمام أزمته الحقيقية
ولفتت عبير هاشم التي ساعدتها دراستها الفلسفة على قراءة الماركسية، إلى أنّ انتقادات محمود الكثيرة للماركسية، "ليست سوى تناول سطحي يصدقه البسطاء ومحدودي الثقافة، هدفه الأول إضعاف المعسكر الشيوعي في مصر"، ربّما يجهل كثيرون أنّ الراحل في بداية حياته آمن بالاشتراكية والماركسية ثمّ انقلب عليها لاحقاً وأفرد لنقدها مؤلفات كاملة، أهمها: "الماركسية والإسلام"، "لماذا رفضت الماركسية؟"، "سقوط اليسار"، و"أكذوبة اليسار الإسلامي"، و"عصر القرود".

 

الإيمان دعامة العلم
ثلاثة عقود عكف الدكتور مصطفى محمود على تقديم حلقات برنامجه الأشهر "العلم والإيمان"، مرتدياً ثوباً جديداً يحاول فيه أن يخضع العلم لكلّ ما جاء في النصّ الديني، وعلى أنشودة الناي الأشهر لعازف الناي المصري، محمود عفت، التي تستجلب الخشوع الصوفي إلى النفس، تجتمع الأسرة المصرية حول برنامجه كلّ أسبوع، فيستشعر العوام من الناس عظمة دينهم، وببساطة تحدث إلى العاديين من الشعب فتقرّب إليهم، وبصوته المميز شكّل وجدان أجيال كاملة، هي ذاتها الأجيال التي ستطلق سهام النقد عليه.
تقول الطبيبة المصرية الدكتورة هناء شوقي (63 عاماً)، لـ "حفريات": "كنت من الأجيال التي عاصرت كتابات الراحل فور إطلاقها، فقد ملأت كتبه حقائب أبناء الجماعات الإسلامية، الذين انتشروا كالنار في الهشيم في السبعينيات من القرن الماضي؛ إذ كنت ضمن الطلبة المستهدفين للتجنيد آنذاك، وكانت كتاباته عن الماركسية بشكل خاص، تروّج في الجامعة لضرب حركات طلاب الأحزاب اليسارية والشيوعية، والتي كانت في أوج نشاطها، خاصة بعد قرارات الانفتاح".

لقارئ مصطفى محمود أن يستشعر أنّه أمام كاتب يملك حسّاً أدبياً أكثر من الشعراء، رغم خلفيته العلمية البحتة

وتسترسل قائلة: "إلى جوار سيد قطب وحسن البنا، روّج طلاب جماعة الإخوان لكتب مصطفى محمود عن الاشتراكية والإسلام كرأس حربة في مواجهتهم المفتوحة مع اليسار المصري، وكان سبباً في وقوع العديد من شباب جامعة القاهرة بشكل خاص، في شرك الجماعات الإسلامية".
وإلى جانب كونه كاتباً يمتلك أدواته، فقد أثار الراحل حالة من الجدل السياسي والديني، منذ انطلاقه في عالم الكتابة، أوقعته في شرك التناقضات، خاصة إنكاره لمرحلة الشكّ الإلهي التي عاشها، بعد عودته إلى حظيرة الإيمان، ومدحه المستمر لسياسات السادات، خاصة أنّه أبى أن يمتدح ناصر، الذي عدّه المصريون الأب الروحي للطبقة الوسطى، وتبنى النهج الإصلاحي نفسه لمنظّري الإسلام السياسي، فرأى الحلّ في الأعمال الخيرية، وتقديم المساعدات من الأغنياء للفقراء، وكرّس لنهجه في الجمعية الخيرية التي أنشأها باسمه "جمعية مصطفى محمود الطبية"، والتي تضمّ مستشفى للفقراء، ومسجداً وداراً للمناسبات، بينما يرى كثيرون أنّه كان حرياً به نقد سياسات الانفتاح التي أفقرت المصريين، وهدمت المجتمع الزراعي-الصناعي الواعد في مصر الناصرية، وجعلت معظم شرائح شعب العلم والإيمان تمدّ يدها إلى الصدقات والمعونات.

الصفحة الرئيسية