الإسلامي الليبرالي محمد توفيق علاوي: هل يستقيم مع داعميه المسلحين؟

الإسلامي الليبرالي محمد توفيق علاوي: هل يستقيم مع داعميه المسلحين؟

مشاهدة

09/02/2020

عام 1977؛ تخلّص ابن العائلة الغنية من مخالب السلطات الأمنية والحزبية البعثية، لينفذ بجلده، مضحياً بشهادة البكالوريوس في الهندسة المعمارية من جامعة بغداد، حين تصاعدت حملة اعتقالات طالت إسلاميين شيعة، بعد أن تجرأ عدد منهم على إطلاق تصريحات ضدّ السلطة الحاكمة في مسيرة زيارة أربعين الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، من النجف إلى كربلاء.

كان علاوي في قربه من "الدعوة الإسلامية" وتأثّره بالسيد محمد باقر الصدر غريباً عن نسق سياسي امتازت به عائلته

النصف اللبناني من عائلته، فضلاً عن حالته الموسورة، مكّناه من إكمال دراسته في الجامعة الأمريكية ببيروت، في تخصصه الهندسي، ليبدأ بعد ذلك رحلة في المال والأعمال امتدّت من بغداد إلى لندن، مرورواً بالعاصمة اللبنانية.
كان محمد توفيق علاوي في قربه من "الدعوة الإسلامية" وتأثره بالسيد محمد باقر الصدر (أعدمه صدام حسين في نيسان/ أبريل 1980)، غريباً على نسق سياسي امتازت به عائلته؛ فهي كانت من الجهات العروبية المحسوبة على ليبرالية النظام الملكي، ومن دعائمه قبل 1958، وبعيدة عن التيارات الإسلامية حتى وإن كانت تدين بالولاء للمرجعية الشيعية في النجف. 

إقامته في الغرب (بريطانيا)، وعمله المهني، أسهما في تغليب ليبراليته على انتمائه الإسلامي "الحزبي"، ليتبنّى مفهوم الدولة المدنية في التفريق بين السياسة والدين، فدخل المعترك السياسي ضمن قائمة ابن عمّه، زعيم "الوطنية"، إياد علاوي، منذ عام 2005، لينتخب عضواً لمجلس النواب العراقي، بداية عام 2006، حتى تعيينه وزيراً للاتصالات أواسط العام ذاته حتى نهاية عام 2007، ليعود إلى البرلمان عوضاً عن النائبة الراحلة، السيدة عايدة عسيران (من النصف اللبناني في عائلته)، عام 2008.

اقرأ أيضاً: أي دور للسفير مسجدي في تثبيت أركان الحكم العراقي؟
انتخب عام 2010 نائباً في البرلمان، ثم عُيِّن وزيراً للاتصالات نهاية العام ذاته، ليقدم استقالته أواخر عام 2012 إثر خلاف مع رئيس الوزراء حينذاك، نوري المالكي، الذي سارع إلى توجيه تهم الفساد لـ "الداعية" السابق والليبرالي حينذاك، محمد توفيق علاوي.
مافيات السلاح والفساد العراقية واجهت بقوة مشروعات اتسمت بالجرأة والجدية اقترحها علاوي عام 2007، وهي:
*مشروع أمني متكامل لحماية بغداد والمدن المهمة من التفجيرات الإرهابية والحيلولة دون دخول الإرهابيين من الأراضي السورية إلى العراق، الذين كانوا يتدفقون على بلاده بعلم دمشق وتسهيلاتها.
*تمكين العراق من تحقيق مورد مالي (غير النفط) قد يتجاوز 20 مليار دولار سنوياً، من خلال موقعه الجغرافي عبر مشروع الكابل الضوئي الذي يربط شرق الكرة الأرضية (الصين والهند وأستراليا وكوريا والباكستان وغيرها) بغربها، وبالذات أوروبا وأمريكا.

*مشروع القناة الجافة التي تربط ميناء الفاو من خلال شبكة ثنائية جديدة للسكك الحديدية بشبكة السكك الحديدية التركية، وهذه القناة الجافة تكون موازية لقناة السويس؛ حيث يمكن من خلالها إيصال البضائع التي تفرغ في ميناء الفاو خلال بضعة أيام إلى كافة المدن المهمة في كافة الدول الأوروبية.
*مشروع طريق الحرير؛ عبر خط ثنائي للسكك الحديدية بين العراق وإيران، يرتبط العراق من جهة الشرق بأغلب دول شرق آسيا، من الصين والهند والباكستان وماليزيا وغيرها، فضلاً عن كافة الدول الأوروبية من جهة الغرب.
وحاول الرجل البقاء على جانبه المهني الرافض للحزبي الضيق، وهو ما برز في رسالته 2018 إلى رئيس الوزراء حينذاك، حيدر العبادي، وجاء فيها: "أما إذا بقيت متردداً، وبقيت حاشيتك نفسها، وبقيت أنفاسك الحزبية طاغية على أنفاسك الوطنية، وبقيت رؤوس الفساد طليقة، فسيستمر حينها تدهور البلد، وستستمر معاناة الناس، وسيدمر المجتمع، وأخشى ألّا يذكرك التأريخ بخير".

ساهمت إقامة علاوي في الغرب في تعزيز ليبراليته وتبنيه مفهوم الدولة المدنية

كلّ هذه المحطات بدت وكأنّها تأكيد على مهنية الرجل وليبراليته، وظلّ على صلة بفكرته الإسلامية، حتى وإن لاحقه "الدعاة"، الحاكمون بين 2006-2018، بالاتهامات والأباطيل، وهو ما جعله يقول: "للأسف، لم يستطع أغلب أعضاء الطبقة السياسية تقبّل حقيقة أنّهم مرفوضون من قبل الشعب، وللأسف، لم يفهموا حينما لم يصوّت في الانتخابات الأخيرة (2018) أكثر من 19٪ من المواطنين المؤهلين للتصويت؛ أنّهم لا يمثلون أغلبية الشعب، بل تمادوا في الأمر وقاموا بحملة من التزوير أفقدتهم الكثير من شرعيتهم؛ وأستطيع هنا أن أقول بكل ثقة؛ إنّ هذا البرلمان لا يبلغ تمثيله الحقيقي لـ 15٪ من الشعب العراقي بل أقل من ذلك".
تأييد الاحتجاجات الشعبية

الباحث والأكاديمي الأمريكي إيريك بوردنكيرشر: الحكومة العراقية الحالية أثبتت عدة مرات أنّها ليست شريكاً موثوقاً للولايات المتحدة

بدا علاوي مؤيداً لحركة الاحتجاجات الشعبية، التي انطلقت في الأول من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، معتبراً أنّها "صوت 81٪ من العراقيين الذين لم يصوتوا في الانتخابات الأخيرة؛ لذلك فالمشاركون الحقيقيون في هذه التظاهرات هم بالملايين، حتى إن بقوا في بيوتهم ولم يخرجوا إلى الشارع، إن لم يفهم السياسيون هذه الحقيقة فالمستقبل الذي ينتظر البلد خطير وخطير جداً".
هذا الموقف لعلاوي كرره في كلمته الأولى التي وجهها بعد دقائق من تكليفه، في الأول من شباط (فبراير) الحالي، بتشكيل حكومة جديدة خلفاً لحكومة عبد المهدي، فدعا المتظاهرين إلى مواصلة احتجاجاتهم وأن يراقبوه و"يرفعوا الصوت ضدّه إن أخطأ".

اقرأ أيضاً: من هو شريك سليماني في قتل العراقيين والأمريكيين؟

لكنّ جواب ساحات الاحتجاج جاء بما لا يسرّ علاوي، ولتبدأ الصورة في إظهار تفاصيلها الدقيقة، ومنها كيف تمّ تكليفه برئاسة الحكومة باتفاق أكبر قوتين، وهما "الفتح" بزعامة هادي العامري، و"سائرون" بزعامة مقتدى الصدر، اللتين سبق أن اتفقتا على تسمية رئيس الحكومة المستقيل، عبد المهدي، وليس هذا فحسب؛ بل ثمة من قال إنّه "خيار إيراني"، بدليل عناوين الصحف الإيرانية حول تكليف علاوي.
وفي الأيام التي تلت التكليف؛ بدا واضحاً رفض الشارع العراقي لتصريحات الصدر بأنّ "رئيس الوزراء المكلف جاء متناسباً مع خيارات المتظاهرين"، مشيرين إلى أنّ علاوي هو نتاج اتفاقات سياسية بين قوى مسلحة تابعة لإيران، ملمحين إلى أنّ اجتماعات قم (حيث يقيم الصدر) هي التي أفرزت تلك الشخصية.
وكانت قد وردت أنباء عن اجتماع عقد في إيران، جمع زعيم التيار الصدري (مقتدى) وزعيم تحالف الفتح (العامري)، برعاية النظام الإيراني، خلال الأسابيع الماضية، بحث فيه الطرفان تسمية مرشح لرئاسة الوزراء.

هذه الأنباء حصلت على جانب من المصداقية من حملات قمع شنّها أنصار مقتدى الصدر (المؤيد لمحمد توفيق علاوي) على المتظاهرين الرافضين الترشيح، وبما يؤكد أنّ ظلّ إيران الثقيل في العراق ليس من السهل تجاوزه، وأنّ القرار العراقي لم يعد في بغداد، بل في طهران، حتى إن كرّر المسؤولون العراقيون القول إنّهم على مسافة واحدة من طرفَي الصراع الإيراني- الأمريكي.
ويقول الباحث والأكاديمي الأمريكي، إيريك بوردنكيرشر، وهو زميل بحثي في "مركز تنمية الشرق الأوسط"، التابع لجامعة لوس أنجلوس -كاليفورنيا: "الحكومة الحالية في بغداد أثبتت عدة مرات أنّها ليست شريكاً موثوقاً للولايات المتحدة، من خلال إهمال واجباتها الأساسية، بما في ذلك عجزها عن حماية الموظفين الأمريكيين في الخارج".

اقرأ أيضاً: ناديا لطفي معشوقة الجماهير ورفيقة الفدائيين المحاصرين في لبنان
ويضيف، في دراسة نشرها "معهد واشنطن" قبل أيام: "عملية التصويت المثيرة للجدل، التي أجراها البرلمان العراقي مؤخراً لإنهاء وجود القوات الأمريكية في العراق، تؤكّد ما تمّ تداوله لأشهر، إن لم يكن لأعوام، من أنّ الحكومة العراقية في بغداد خاضعة لعناصر موالية لإيران، ويثبت هذا التصويت أيضاً قبولاً باستمرار تواجد الميليشيات خارج سيطرة الدولة، على غرار "كتائب حزب الله"، وبالتالي رغبة في تجاهل سيادة القانون".


الصفحة الرئيسية