ماذا فعل الترابي بالسودان؟

صورة محمد جميل أحمد
كاتب سوداني وباحث في قضايا الإسلام السياسي
3261
عدد القراءات

2017-11-19

من الأهمية بمكان؛ الكشف عن التناقضات المركزية في التجربة السياسية للدكتور الراحل حسن الترابي ــ المنظّر الأكبر لتيار الإسلام السياسي في السودان ــ نظرياً وحركياً، فتلك التجربة التي شكّلت ملامح الجريمة الكاملة للإسلام السياسي في السودان، على مدى أكثر من ربع قرن، تقتضي محاكمة نظرية  بالضرورة، حول  ما إذا كانت مساهمات الترابي (التي يصفها البعض بأنّها مساهمات نظرية في الفقه السياسي الإسلامي) مساهمات حقيقية في إطار تطوير الخطاب المعرفي للحركة الإسلامية السودانية (وهو ما كان ينبغي أن يصل به، بالضرورة، إلى انسداد نظري وواقعي يقتضى شجاعة للاعتراف به)، أم أنّها محاولات تنظيرية مؤدلجة، ارتبطت بممارسات سياسوية لا أخلاقية، من ناحية، وتبريرية من ناحية ثانية.
تأتي أهمية التشديد على هذا المعنى؛ من صعوبة فرز التجربة النظرية للدكتور حسن الترابي عن سياق العمل الحركي الذي ظل فيه الراحل (طوال أكثر من نصف قرن وحتى وفاته في العام 2016) بمثابة ناشط أول على رأس العمل التنظيمي، لا كمرشد فقط (إلا في حالات الضرورة) ما يعني أنّ السياق الذي فعل فيه الترابي ما فعله بالسودان، من خلال التجريب الكامل لأفكار الإسلام السياسي، سيمنحنا مصداقية محاكمة التجربة النظرية والحركية للترابي في كل مواقف الرجل، وتصريحاته، وفتاويه السياسوية.

صمم الترابي الإطار النظري، وقاد التجربة الحركية للإسلام السياسي في السودان من طور التنظير إلى طور الممارسة، لتكون هذه أول جريمة كاملة للإسلام السياسي بالسودان والمنطقة العربية

لقد ظل حسن الترابي ــ وبوحي من حالة جماهيرية لأتباعه وضعته في مصاف متعالية عن النقد ــ كما لو أنّه ليس معنياً بأخطائه وخطاياه، طوال تجربته النظرية والسياسية (حتى بعد أن أصبحت تلك الخطايا اليوم منكشفة تماماً) لكل من يريد أن يبصر تناقضاته العارية، التي خاض فيها بالسودان مغامرات كارثية دون أن يرف له جفن، أو أن يعتذر عنها للشعب السوداني، ما يعني، كذلك، لكل متابع بصير؛ أنّ ضرورة ممارسة النقد الصارم لمنظومة التناقضات التي مارسها الترابي في تاريخه، أصبحت الآن وهنا؛ إحدى أهم موجهات قراءة هذه المرحلة التاريخية الكارثية من عمر السودان. وهي مرحلة لا نزال، للأسف، نشهد فصولها التي تم خلالها: تقسيم السودان، والحرب الأهلية، وتدمير البنى التحتية لأهم المشاريع الوطنية المنتجة، وتدمير منظومة التعليم، والفساد العام المتأتي، بالأساس، من: إحلال أهل الولاء محل أهل الكفاءة، فيما عرف بسياسات "الصالح" العام أو سياسات "التمكين" التي كانت وبالاً مخزياً في نتائجها الكارثية على السودانيين، فيما نراه ماثلاً اليوم. ولما كان الترابي هو الذي صمم الإطار النظري، وقاد التجربة الحركية للإسلام السياسي في السودان من طور التنظير إلى طور الممارسة، دون أن يعتذر للشعب عن فشله؛ فتلك هي أول جريمة كاملة للإسلام السياسي في السودان والمنطقة العربية.

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: