الأسباب الخفية لانفعالات أردوغان على تغريدة فخري باشا للشيخ عبدالله بن زايد

صورة عمر الرداد
كاتب أردني وخبير بالتحليل الأمني الاستراتيجي
3494
عدد القراءات

2017-12-24

فوجئ المتابعون بردّ الفعل الذي اتّسم بالتّشنج، والأسباب التي دعت الرئيس التركي أردوغان، لشنّ هجومٍ "شخصي" على وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد، على خلفية تغريدةٍ   - لدكتور عراقي - أعاد الوزير الإماراتي نشرها، حول "جرائم" السلطان العثماني، فخري باشا، في أوائل القرن العشرين في المدينة المنورة؛ حيث وصف كثيرون ردود فعل الرئيس التركي، بأنّها خارج أطر الأعراف الدبلوماسية، فبعد أن كال الشتائم والسباب بحقّ الشيخ عبد الله، تم استدعاء القائم بالأعمال الإماراتي في أنقرة، وهو ما ينذر بأزمة دبلوماسية بين البلدين، إلّا أنّ تعامل الرئيس أردوغان مع المسألة، باعتبارها قضية شخصية، أضعف دفاعات الرئيس أردوغان، الذي كان يفترض أن يستنجد بالمؤرخين والأكاديميين، ووثائق الحكم العثماني، ومن خلال المراجع التاريخية لنفي التهم المنسوبة لفخري باشا، رغم أنّ المرحلة التاريخية، التي جرى الحديث عنها، (1912-1916)، لها تفاصيل معروفة، من مصادر ومراجع تاريخية موثوقة، حيث شهدت الثورة العربية الكبرى، وجمعية الاتحاد والترقي، وشيوع مفاهيم التتريك، وإعدامات الوطنيين من العرب، خاصة من بلاد الشام، في دمشق وبيروت، ويدرك المتابعون والمؤرخون أنّهم يتحدثون اليوم عن تاريخ عمره مئة عامٍ فقط، وبأفواه شهود بعضهم أحياء، وأنّهم لا يختلفون على هذا التاريخ وتفاصيله، كما هو الحال في أسباب ومجريات معارك صفين والجمل وغيرها.

تعامل الرئيس أردوغان مع المسألة، باعتبارها قضية شخصية، أضعف دفاعات الرئيس أردوغان

وتأتي تغريدة الشيخ عبد الله بن زايد، في سياقات حوارات وجدالات واسعة بين الدارسين العرب حول الحكم التركي "العثماني" للعرب، والسؤال المركزي حول ما إذا كان هذا الحكم استعماراً، بكل ما يعنيه الاستعمار من الهيمنة والسيطرة على الشعوب المستعمرَة، وإفقارها، ونهب ثرواتها، أم أنّه كان امتداداً للخلافة الإسلامية، التي انتهت في بغداد؟ ويبدو جلياً، أنّ الغالبية العظمى من العرب، من أكاديميين، ومؤرِّخين، وشهود أحياء، يرون في الحكم العثماني استعماراً، استناداً إلى أدلة تاريخية حول تعامل السلاطين والولاة العثمانيين، خاصّة في المئة سنة الأخيرة من حكم العثمانيين، مع العرب، وصلت درجة وصف الاستعمار الأوروبي الذي وقع على شعوب المنطقة المنهكة، بعد انهيار الرجل المريض، بأنّه أقلّ سوءاً من الاستعمار العثماني، فيما بعض ورثة الإسلام السياسي اليوم، يرون في الحكم العثماني، رغم تعامله مع العرب بوحشية، وشيوع الأمراض، والفقر، والتجهيل المبرمج، وإحلال اللغة التركية محل اللغة العربية، امتداداً للخلافة الإسلامية.

أما عن الأسباب التي جعلت ردة فعل الرئيس أردوغان بهذه الحدّة، فمن الواضح أنّها سياسية بامتياز، مرتبطة بالحاضر، لكنها تستلهم الماضي، وتغرف منه، وتأتي في سياقات الصراع السياسي الذي تخوضه تركيا اليوم في المنطقة، والارتباك الذي يشكّل عنواناً لسياساتها، في ظل انقلاباتٍ سريعةٍ، كما جرى في تطورات العلاقة التركية مع روسيا، بعد إسقاط تركيا طائرة روسية على الحدود مع سوريا، في أواخر عام 2015.

الشيخ عبد الله بن زايد معروف بثقافته وحرصه على العلاقات مع العالم

ومن المعروف أنّ تركيا حسمت حالة الارتباك في تحديد العمق الإستراتيجي، بأن يكون عربياً إسلامياً، باستعادة السلطنة العثمانية بصيغة عصرية، لتكون بديلاً للعمق الأوروبي والغربي، في ظلّ استمرار عدم قدرة تركيا على الاستجابة لمتطلبات أن تكون عضواً في الاتحاد الأوروبي، وفي مقدمتها الحرية والديمقراطية، والتغريدة التي أطلقها وزير الخارجية الإماراتي، خاطبت المسكوت عنه المقدَّس لدى الرئيس أردوغان، الذي يضفي قداسة على السلطنة العثمانية ورموزها، لاتقل عن قداسة الأنبياء والخلفاء، في إطار المشروع التركي الجديد لأسلمة المجتمعات التركية، وتنمية نزعة السلطة لديها، بعد إقصاء المنافسين من أتباع فتح الله غولن، والتحالف مع الإخوان المسلمين في البلدان العربية، والشكوك في أوساطٍ، عربية وغربية، بتعاون تركيا مع الإرهابيين في سوريا.

الأسباب التي جعلت ردة فعل الرئيس أردوغان بهذه الحدّة تتمثل بارتباك السياسة التركية التي تستلهم الماضي لعلاج أزمات الحاضر

والحديث عن فخري باشا، أو أي من السلاطين العثمانيين، يتزامن مع أجواء القمة الإسلامية التي انعقدت في إسطنبول قبل أيام، بدعوة من الرئيس أردوغان، التي اتسمت بحضور قيادي إسلامي محدود، وتهديدات الرئيس أردوغان، واللهجة الخطابية الحاسمة، والخطوط الحمراء، والتي أسفرت عن استمرار عمل السفارة التركية في تل أبيب، وسفارة إسرائيل في أنقرة، والعلاقات مع رئيس الحكومة الإسرائيلية، الموصوفة من قبل الرئيس أردوغان بـ "الإرهابية"، ورئيسها "قاتل الأطفال"، إضافة لعلاقات اقتصادية بميزان تجاري يزيد على عشرة مليارات دولار سنوياً، فيما أعلنت تركيا، من جانبٍ واحدٍ، أن قنصليتها في القدس، "ستكون" سفارتها في الدولة الفلسطينية، وكانت المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس، التي أنجزت برعاية مصرية إماراتية، أفقدت تركيا، بالنهاية، ورقة حماس التي كانت مدخلاً لدور تركي في القضية الفلسطينية.

التعبير عن الرأي من خلال تغريدة يواجه بارتباك سياسي تركي غير مفهوم

بالتزامن، إنّه باستثناء جماعات الإسلام السياسي المأزوم، غالبية العرب والمسلمين اليوم ليس بمقدورهم تفسير دوافع تركيا لبناء تحالف مع الحرس الثوري الإيراني، ويطرحون، باستنكارٍ، أسئلة كبرى، في مقدمتها: كيف لسلطان المسلمين الجديد أن يضع يده بيد من يتباهون بأنّهم يسيطرون على أربع عواصم عربية؟ في إطار صراع صاغته القيادة الإيرانية على أسس قومية فارسية ومذهبية؟ وهل تتطلع تركيا اليوم للتعاون مع إيران للسيطرة على أربع عواصم عربية أخرى باسم الإسلام؟ وهل تحتاج القدس إلى مؤتمرات في إسطنبول وطهران لتحريرها من الاحتلال الإسرائيلي؟!

اقرأ المزيد...

الوسوم: