
في غزة، لم تعد السماء وحدها مصدر الخوف، فالموت الذي كان يسقط من الطائرات صار كامناً أيضاً في الجدران المتشققة، والأسقف المائلة، والأعمدة الخرسانية التي تنتظر لحظة انهيار جديدة.
وبين ركام الأحياء المدمرة يعيش آلاف السكان داخل مبانٍ متصدعة، فقدت صلاحيتها للسكن، لكنّها بقيت الملاذ الأخير لعائلات لم يعد لديها مكان آخر تذهب إليه.
وفي كل ليلة ينام الناس تحت أسقف يعرفون جيداً أنّها قد تسقط فوق رؤوسهم في أيّ لحظة، ومع ذلك يفرشون ما تبقى من أغطية فوق الأرض، ويشعلون ضوءاً خافتاً، ويحاولون إقناع أطفالهم بأنّ الغد ربما يكون أقلّ قسوة.
ووفق المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، فإنّ عدد الوحدات السكنية التي دمرها الاحتلال بشكل كلي، إضافة إلى الوحدات السكنية غير الصالحة للسكن، بلغت نحو 410 آلاف وحدة، منها 335 ألف وحدة سكنية دمرها الاحتلال بشكل كلي.
وبحسب المكتب، فقد دمر جيش الاحتلال 100 ألف وحدة سكنية بشكل جزئي، بالإضافة إلى أنّ أكثر من 350 ألف أسرة فلسطينية بحاجة إلى إيواء، واهترأت 132 ألف خيمة كلياً وغير صالحة للإقامة من أصل 135 ألفاً.
ووفقاً لتقارير دولية فإنّ المتفجرات التي ألقيت على القطاع فاق حجمها وقوتها التدميرية القنبلتين النوويتين اللتين ألقتهما الولايات المتحدة الأمريكية على مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين في الحرب العالمية الثانية.
أحياء كاملة مهددة بالانهيار
في بيت لاهيا شمال قطاع غزة، يقف باسل نسمان، رجل خمسيني، أمام بناية متآكلة الجدران، تبدو كأنّها نجت بصعوبة من انفجار هائل، فنصف الطابق العلوي مفقود، والنوافذ تحولت إلى فجوات سوداء، بينما تمتد شقوق عميقة على طول الجدران.
يقول نسمان (56 عاماً)، وهو ينظر إلى الأعلى بحذر شديد: "هذه البناية لم تعد بيتاً، لكنّها آخر ما نملك، وكل يوم نقول إننا سنخرج منها، لكن إلى أين؟ المدارس مكتظة، والخيام لا تقي برداً ولا حراً، والإيجارات تفوق قدرة الناس، ونحن نعيش هنا كأننا ننتظر دورنا فقط".
وكان نسمان يعمل نجاراً قبل الحرب، ويعيش مع زوجته وأبنائه الستة، واليوم لم تعد له ورشة، وليس لديه دخل ثابت، ولا حتى غرفة سليمة داخل المنزل.
ويدخل نسمان إلى ما تبقى من شقته بحذر، ويشير إلى سقف منخفض تتدلى منه أسلاك كهربائية عارية، ويوضح: "قبل ستة أشهر سقط جزء من السقف فوق المكان الذي ينام فيه ابني، ونجا بأعجوبة، ومنذ ذلك اليوم لا ينام أطفالي إلا وهم يرتجفون، حتى ابنتي الصغيرة تسألني كل ليلة: هل سينهار البيت علينا ونحن نائمون؟ ولا أجد جواباً أطمئنها به".
وخارج المنزل تمر شاحنة محملة بالركام، بينما يتصاعد الغبار في الهواء، وينظر نسمان إلى الحي المدمر بصمت طويل، ثم يهمس: "غزة لم تعد تخاف فقط من القصف، بل من البيوت الآيلة للسقوط التي بقيت واقفة بعده".
ويواصل نسمان حديثه وهو يتفقد حائطاً متشققاً: "أحياناً أشعر أننا لم نعد نعيش، بل فقط نؤجل الموت، فنحن لا نطلب حياة فاخرة، نريد فقط سقفاً آمناً لا يهدد حياتنا كل يوم".
منازل على حافة الانهيار
في حي الشجاعية شرق مدينة غزة يعيش الفلسطيني خليل سكر (51 عاماً)، في داخل بناية خرسانية مائلة بشكل واضح، بعد تعرّضها لقصف إسرائيلي أدى لحدوث تصدعات وتشققات كبيرة في جدرانها وسطحها.
يقول سكر: "كل زاوية هنا تحكي قصة موت لم يكتمل، فهذه البناية أصيبت أكثر من مرة، وفي كل مرة كنا نظن أنّها النهاية، لكننا بقينا داخلها لأننا ببساطة لا نملك خياراً آخر".
سكر كان يعمل سائقاً لشاحنة قبل أن تتوقف الحياة الاقتصادية بشكل شبه كامل، ويعيش حالياً مع زوجته وأبنائه وأحفاده البالغ عددهم 17 فرداً، في داخل شقة فقدت معظم جدرانها ونوافذها وأبوابها.
ويوضح: "حين تهب الرياح ليلاً نشعر أنّ البناية كلها تتحرك، وغالباً أضع يدي على الحائط لأتأكد إن كان ما زال ثابتاً أم لا، فتخيل أنّ الإنسان أصبح يخاف من البيت الذي يحتمي بداخله. في إحدى الليالي استيقظنا على صوت انهيار جزء من السلم الداخلي، وكدت أفقد حفيدي الصغير، ومنذ ذلك اليوم نصعد الدرج كأننا نمشي فوق حقل ألغام".
وفي غزة، تحولت المباني المتضررة إلى عبء يومي يرافق السكان في كل تفاصيل حياتهم، ويواصل سكر، وهو يحاول تثبيت قطعة قماش مكان نافذة مفقودة: "في الشتاء تدخل المياه من كل الجهات، وفي الصيف يتحول البيت إلى فرن، لكن الأسوأ هو الخوف المستمر، فلا أحد ينام بعمق هنا، حتى الأطفال يستيقظون مع أيّ صوت صغير".
خوف تحت السقف المتصدع
ويضيف: "استخدمنا الخشب والحديد القديم لإسناد بعض الجدران، ونعرف أنّ ذلك ليس حلاً حقيقياً، لكنّه محاولة لتأخير الكارثة فقط".
وخلال الشتاء تتضاعف مخاوف السكان داخل المباني المتضررة، ويوضح سكر: "حين تبدأ الأمطار يتحول الليل إلى كابوس، فالماء يتسرب إلى الأعمدة والجدران، ونخاف أن ينهار السقف فوق رؤوسنا، وفي الشتاء الماضي أمضينا ساعات طويلة خارج المنزل بسبب صوت تشققات مفاجئة".
ويشرح: "أحياناً أشعر أنّ الناس خارج غزة لا يدركون معنى أن تعيش داخل بيت قد يقتلك في أيّ لحظة، ومع ذلك تضطر للبقاء فيه لأنك لا تملك مكاناً آخر".
ويؤكد سكر أنّ "فكرة مغادرة المنزل تراوده يومياً، لكنّه يعود في كل مرة إلى السؤال نفسه، أين سيذهب؟".
ويتابع: "ذهبت إلى مراكز الإيواء، فرأيت آلاف الناس يفترشون الأرض، وعدت إلى هنا رغم الخوف، على الأقل هذا المكان يحمل ذكرياتنا، حتى لو كان مهدداً بالسقوط".
ثم يشير إلى صورة قديمة معلقة على جدار متشقق ويقول: "قبل سنوات كان هذا البيت مليئاً بالحياة والضيوف والضحكات، واليوم أصبحنا نخشى الجلوس في غرفة واحدة لفترة طويلة".
ويرى أنّ "الحرب لا تنتهي عندما يتوقف القصف، فهي تبدأ بعدها بشكل أصعب، ونحن نعيش كل يوم تحت تهديد جديد، لكن هذه المرة يأتي الخطر من فوق رؤوسنا مباشرة".
مبانٍ مهددة بالانهيار في غزة
يقول المدير الإداري لشركة رؤية للهندسة والاستشارات المهندس نعيم حجازي: إنّ "غالبية المباني في غزة تعرضت لأضرار خطيرة في الأعمدة والأساسات والجدران الحاملة، ممّا يجعل بعضها مهدداً بالانهيار رغم بقائه قائماً ظاهرياً، خاصة مع أيّ اهتزازات أو أحمال إضافية، وهو ما يضع السكان أمام خطر دائم".
ويضيف حجازي: "هناك مؤشرات واضحة يعتمد عليها المهندسون لاتخاذ أيّ قرار نهائي بإزالة المبنى المتصدع مثل ظهور تشققات عميقة، وميلان المبنى، وهبوط الأرضيات، وانكشاف الحديد داخل الخرسانة".
ويوضح: "القصف الإسرائيلي تسبب غالباً في تدمير الأعمدة والجدران الحاملة، وأدى إلى انفصال أجزاء من المباني عن بعضها بعضاً، إضافة إلى تصدع الأسقف وتضرر الأساسات، كما أنّ موجات الانفجار أثرت على المباني المجاورة، ممّا يؤدي لضعف قدرتها على التحمل مع الوقت، ويزيد احتمالات الانهيار الجزئي أو الكلي لاحقاً".
ويؤكد أنّ "بعض المباني يمكن تدعيمها وإعادة تأهيلها إذا كانت الأضرار محدودة، لكن في حالات كثيرة يكون الضرر الإنشائي عميقاً لدرجة تجعل الترميم غير آمن أو غير مُجدٍ اقتصادياً، وهنا تصبح الإزالة ضرورة لحماية الأرواح ومنع وقوع كوارث مستقبلية".
ويرى أنّ "الأولوية حالياً هي إخلاء المباني المصنفة خطرة فوراً، ثم إجراء تقييم هندسي شامل وسريع للمناطق المتضررة، ويجب تأمين مراكز إيواء آمنة للسكان، ومنع العودة إلى الأبنية غير المفحوصة، إلى جانب إزالة الركام والعناصر المهددة بالسقوط قبل أن تتحول إلى كارثة جديدة فوق ما يعانيه المدنيون أصلاً".




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%AA_0_2.png.webp?itok=8FS_cDro)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%A4%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9%20%D9%83%D8%A8%D8%B1%D9%89_0_2_1_2_3_0.jpg.webp?itok=CNFeXliw)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86_113_0_0.jpg.webp?itok=tveF5mr8)











![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_130.jpg.webp?itok=yI3FnUfI)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84.png.webp?itok=vCyRKOE9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/141162026_Doc-P-566697-639167742185871407.jpg.webp?itok=NdQqK9bA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)