قلق إسرائيليّ من تحوّل أحداث الشيخ جراح إلى انتفاضة فلسطينية

قلق إسرائيليّ من تحوّل أحداث الشيخ جراح إلى انتفاضة فلسطينية

مشاهدة

كاتب ومترجم فلسطيني‎
12/05/2021

ترجمة: إسماعيل حسن

لم تمضِ سوى أيام قليلة على رفع حواجز الشرطة من منطقة باب العامود، وبعد بضعة أيام من الهدوء النسبي في المواجهات بين رجال الشرطة والفلسطينيين في المنطقة، عاد التوتر في شرق المنطقة إلى الازدياد، وذلك بسبب الخوف من دخول المستوطنين إلى البيوت في حي الشيخ جراح، بعد أن تعرضت عائلات فلسطينية كثيرة فيه إلى سلسلة من القضايا القانونية، وأصبحت معرضة لخطر الإخلاء الفوري من بيوتها، وهناك حوار حذر في الموضوع، عبر الشبكات الاجتماعية، عن مدى خطورة ما يحدث من اشتباكات داخل الحي.

الاحتجاجات المتزايدة في القدس، سواء في المسجد الأقصى أو حي الشيخ جراح، ليست مجرد حدث عابر أو نزوة لشباب فلسطينيين للإخلال بالنظام على خلفية نزاع عقاري

 فبعد المواجهات التى جرت عند باب العامود، وقرار المفتش العام للشرطة الإسرائيلية، كوبي شبتاي، رفع الحواجز وفتح الدرج أمام الفلسطينيين، اعتبر هذا القرار انتصاراً كبيراً للشارع الفلسطيني في القدس، وفرحة الانتصار ورفع الأعلام الفلسطينية في المكان أدّت إلى استمرار الاحتكاك مع الشرطة لكنّها استبدلت مؤخراً بمهرجانات رمضان الشعبية، وبدأت بلدية القدس بتنظيم مهرجانات ثقافية في المكان سعياً لتهدئة النفوس، إلى جانب الاحتفالات، سمعت مؤخراً دعوات لتوسيع النضال الشعبي، واستغلال زخم الانتصار في موضوع الحواجز، للدفع قدماً بقضايا أخرى على أجندة سكان شرق القدس، كما ظهرت دعوات إلى استخدام الاحتجاج الشعبي الذي تبلور، بهدف الاحتجاج ضدّ هدم البيوت وإخلاء عائلات من أحياء شرق القدس لصالح المستوطنين. 

مؤخراً، يبدو أنّ قضية الشيخ جراح قد تحوّلت إلى رمز بالنسبة إلى الفلسطينيين، في الدائرة الأولى شباب فلسطينيون يلتقون منذ بداية شهر رمضان في منطقة باب العامود، لنشر دعوات للمجيء إلى الحي بعد الصلاة، في كلّ مساء يأتون للجلوس في المكان ويواجهون رجال الشرطة، الذين يقومون بتفريقهم بالقوة وينشرون الرائحة الكريهة والقوية التي تنبعث من القنابل الغازية، فمنذ 15 عاماً والفلسطينيون في حي الشيخ جراح يناضلون ضدّ إخلائهم من قبل جمعيات المستوطنين، ومنذ أكثر من عقد يتظاهر في الحي فلسطينيون وإسرائيليون، كلّ جمعة، ضدّ جهود تهويد الحي.

اقرأ أيضاً: القدس على شفا الانفجار... هل نشهد انتفاضة ثالثة؟

 قبل شهر ثارت عاصفة، عندما ضرب رجال الشرطة عضو الكنيست عوقر كسيف في مظاهرة جرت في المكان، لكنّهم فشلوا في توسيع الاحتجاج ليشمل جمهوراً أوسع حتى في شرق القدس، اعتبر هذا الأمر نضالاً محلياً آخر، مثل نضال العيسوية ضدّ عنف الشرطة، وفي سلوان ضدّ الحفريات الأثرية، وفي الأثناء بدأت مجموعات فلسطينية من أم الفحم ويافا ومناطق أخرى، في التعبير عن التضامن مع سكان الشيخ جراح، تظاهروا داخل الحي وجرت مظاهرات كبيرة في أم الفحم من أجل النضال شرق القدس، وفي غزة ظهر قائد الذراع العسكري في حماس محمد الضيف من مكانه السرّي، تطرّق إلى النضال في الشيخ جراح، في بيان استثنائي، قال فيه؛ إذا لم توقف إسرائيل مهاجمة سكان الشيخ جراح، لن نبقى مكتوفي الأيدي وسيدفع العدو ثمناً باهظاً، كما ورد في وسائل إعلام فلسطينية.

اقرأ أيضاً: هل تكون المقاومة الشعبية الحلَ الأمثل لمساندة أهالي القدس؟

تقديرات إسرائيلية تقول إنّ حماس تحاول مرة أخرى إشعال الميدان في الضفة وفي القدس، وبين هذه الإمكانية وخيار المواجهة مع إسرائيل في قطاع غزة، فإنّ إحراق الضفة الغربية هي الإمكانية المفضلة لدى المنظمة الإرهابية، وهكذا تحيل حماس المسؤولية إلى السلطة الفلسطينية، كي يدفع رئيس السلطة ابو مازن الحساب، غير أنّ السنوات الأخيرة أثبتت أنّه حتى في الفترات الأكثر توتراً، كانت بين دوافع حماس والواقع على الأرض فجوات واسعة جداً، في مرات عديدة في السنوات الأخيرة، كانت فترات بدا فيها الميدان قريب من التصعيد، لكنّها مرّت في نهاية المطاف بهدوء نسبي.

 إنّ سبب توسّع النضال غير واضح تماماً، شعور الفلسطينيين بالانتصار في القدس في أعقاب قرار الشرطة إزالة الحواجز في باب العامود، شجع الشباب على البحث عن ساحة نضال جديدة، وإلى ذلك انضمت حماس، التي تبحث عن سبب لزيادة التوتر ضدّ إسرائيل حول القدس، وفي الخلفية جاء قرار الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، تأجيل الانتخابات قبل أسبوع، وأطلقت حماس صواريخ نحو إسرائيل، وأعلنت أنّ الأمر يتعلق بإطلاق تضامن مع سكان القدس، حول التوتر في منطقة باب العامود.

اقرأ أيضاً: بالصور.. هذا ما يفعله الاحتلال في القدس.. وإدانات واسعة للاعتداء الوحشي

يلاحظ الجيش الإسرائيلي، رغم سلسلة الأحداث الأخيرة ظلاماً واضحاً، يشير إلى تصعيد مهم على الاعتاب، وما تزال الساحة الفلسطينية هي الأكثر تفجراً للتصعيد، أكثر من أيّة ساحة أخرى من لبنان وحتى إيران، في الجيش الإسرائيلي يخططون منذ فترة طويلة لمناورة شهر الحرب، التي ستبدأ الأسبوع القادم، وتحاكي حرباً في عدة ساحات بالتوازي، والأمر الأخير الذي يريدونه في الجيش، هو أن تتشوّش المناورة الحربية بسبب تطور غير مرتقب في الضفة أو في القطاع، وفي الجيش يفهمون جيداً أن تواصل سلسلة العمليات حتى دون صلة واضحة من أيّ من الأطراف، يمكن أن يخلق أثر التصعيد الذي تعدّه حماس مهمة أساسية في الوقت الحالي، بعيداً عن أيّ احتكاك أو مسؤولية لغزة به.

انضمَّ المجتمع العربي في إسرائيل إلى الصراع، وكان يظهر منذ سنوات عدم مبالاة تجاه القضية الوطنية، واستيقظ المواطنون العرب إزاء الصور الواردة من الشيخ جراح

بشكل مفاجئ، انضمَّ المجتمع العربي في إسرائيل إلى الصراع هذه المرة، وكان يظهر منذ سنوات عدم مبالاة تجاه القضية الوطنية، واستيقظ المواطنون العرب إزاء الصور الواردة من الشيخ جراح ومنطقة باب العامود، وزاد الغضب لدى المجتمع العربى بعد الخليط الناتج عن الاحتجاجات في الشيخ جراح والمواجهات التي جرت في المسجد الأقصى في ليلة القدر، الليلة الأكثر قدسية في شهر رمضان، لا يمكن أن يؤدي ذلك إلى الهدوء، ابتعدت التهدئة أكثر عند قدوم مئات رجال الشرطة المسلحين ووضع الحواجز والتعليمات غير المنطقية في منطقة من أكثر المناطق حساسية وتفجراً، ثمة عنصر حاسم في الاحتجاج، وهو الحركة الشعبية التي ترتكز على الشباب، الذي لا ينتظر القيادة السياسية سواء في السلطة الفلسطينية، أو في المجتمع العربي في إسرائيل، أو في قطاع غزة، مؤخّراً تبيّن أنّ حماس تحاول تحريك الاحتجاج، لكن عملياً السيطرة على الأحداث لا ترتبط بقيادة الحركة، بل العكس، القوة المحركة من خلف الأحداث هي الحركة الشعبية والتنظيم المحلي للعائلات، كلّ من بقوا  بدءاً من جهات السلطة في رام الله، وقيادة حماس في القطاع، أو في الخارج، وكذلك قيادة الجمهور العربي، انضموا كمشجعين ومتضامنين، والحال مثله من ناحية حكومة إسرائيل؛ لا يوجد أيّ عنوان أو أيّ شخص يمكن إجراء حوار سياسي معه حول الوضع، الدليل على ذلك رؤيته ممكنة في الشارع؛ أغلقت الشرطة المحور المؤدي إلى القدس، وأدركت شرطة إسرائيل أنّ من يقرّر على الأرض هم مئات الشباب الذين أغلقوا الشوارع، لا القيادة السياسية.

إنّ الاحتجاجات المتزايدة في القدس، سواء في المسجد الأقصى أو حي الشيخ جراح، ليست مجرد حدث عابر أو نزوة لشباب فلسطينيين للإخلال بالنظام على خلفية نزاع عقاري، مثلما تحاول الشرطة طرح ذلك، عملياً، دون علاقة بالإجراءات، القانونية والعملية، التي تجري حول ملكية البيوت، اعتُبر الحدث في أوساط الفلسطينيين حدثاً كلاسيكياً لطرد عائلات فلسطينية من بيوتها، ولا تقبل في أيّة مرحلة رواية إسرائيل الموازية القائلة، بأنّ للمستوطنين اليهود حقوقاً وملكية على الأرض، على مستويات الجيش والمخابرات يفهم كبار المسؤولين أنّ مديريهم لا يؤدّون مهامّهم، ومنشغلون بآخر ترتيبات الحكومة التالية وبمعركة رئيس الوزراء للبقاء، وهكذا تكون إدارة أزمة أمنية بمثل هذا الحجم، صعبة، بل ومتعذرة، وينبغي أن يضاف إلى ذلك رئيس الذراع العسكري لحماس، محمد الضيف، الذي يشعل النار من غزة، وأبو مازن الذي يبثّ في حيّ مباشر عبر التلفزيون الفلسطيني، ويصبّ الزيت على النار، وحتى الآن يواصلون في غزة صبّ الوقود على شعلة القدس، وبالتوازي رفعوا وتيرة إطلاق البالونات الحارقة، صحيح أنّهم امتنعوا عن إطلاق الصواريخ على إسرائيل في هذه المرحلة، لكن من الواضح أنّ الأحداث الجارية في الحرم كفيلة بأن تجرَّ إلى هناك، رغم الالتزام بمسيرة التسوية والمال القطري الذي وصل في نهاية الأسبوع، كما أنّ هذا لا يمنع حماس من تشجيع العمليات في الضفة، لهذا لن تجدي نفعاً كتائب التعزيز التي أضافها الجيش الإسرائيلي إلى فرقة يهودا والسامرة، هنا يجب أن نهدّىء الميدان، حتى لو لم تكن إسرائيل مذنبة، ويجب اجتياز يوم القدس بسلام، ونأمل أن يشكّل انتهاء شهر رمضان بعيد الفطر، تهدئة للوضع.

اقرأ أيضاً: الأردن يواصل جهوده لوقف الانتهاكات الإسرائيلية في القدس.. تفاصيل

لقد أجرت المحكمة العليا جلسة استماع حول طلب استئناف قدّمته أربع عائلات من الشيخ جراح ضدّ إخلاء بيوتها لصالح المستوطنين، وضغطت القاضية دفنه باراك إيرز على الطرفين للتوصل إلى اتفاق بروح الاتفاق الذي عقد بين السكان وجمعيات اليمين في الثمانينيات، والذي يقوم على اعتراف الفلسطينيين بملكية اليهود للبيوت، وفي المقابل اعترف المدّعون بالسكن المحمي للفلسطينيين هناك، أي أنّه لا يمكن إخلاؤهم حتى موت السكان الأصليين، الاتفاق الحالي كان يمكن أن يشمل بنوداً مشابهة، اعتراف الفلسطينيين بملكية اليهود على البيوت مقابل الاعتراف بحقّ سكنهم المحمي، هذا الاتفاق يمكن أن يؤجل عمليات الإخلاء المتوقعة، لكنّه سيعزّز، على المدى البعيد، سيطرة اليهود على الحيّ، طلبت القاضية براك ايرز من الطرفين محاولة التوصل إلى تفاهمات حتى الخميس القادم، لكنّ محاولات النقاش بين محامي الطرفين لم تنجح حتى الآن، ويبدو أنّ التوصل إلى اتفاق غير وارد في المرحلة المقبلة، وهذا سيدفع المحامية باراك إيرز للبت في مسألة إن كانت ستسمح للفلسطينيين باستئناف قرار المحكمة المركزية لإخلائهم من بيوتهم، أم سيتواصل تنفيذ القرار؟

مصدر الترجمة عن العبرية:

https://www.haaretz.co.il/news/politics/1.9783711

الصفحة الرئيسية